جريدة الاسبوع الادبي العدد 994 تاريخ 18/2/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

فادية غيبور تكتبُ بحواسها الخمس ـــ خلدون إبراهيم إبراهيم

مَن يدقّ على باب الشعر مثل مَنْ يدقّ على باب الوردة، يفتح له العبيرُ، يقعده اللون على بساط من الريش الزاهي، مَنْ يدقّ على باب الكلمة مثل من يدقّ على باب النخلة، تفتح له الرُّطُبُ الطاعنة في الرفقة اللائقة بها، في السمِّو الذي نسعى إليه،ولا يسعى إلينا، في الحلم الذي نقفز إليه ولا يقفز إلينا، ومن يدقّ على باب التجربة الشعرية الطويلة للشاعرة فادية غيبور التي تشبه ناعورة من نواعير العاصي التي ترتّب نبض الحياة في هذا النهر الكبير، كما ترتّب خطاه، وإيقاعاته وصولفيج موسيقاه، ليظلّ محافظاً على رِتْم الخضرة في شرايين بساتينه، وأوردة فلاحيه، يجد أنّ الشعر يأتي إليه في صور مكثفة تكثيفاً أنيقاً تبتعد فيه الشاعرة عن الالتحام بالسقف الضبابي كما تبتعد عن الوقوع في الأرضية السردية بحكم الانفعال الزائد، والاسترسال اللا شعوري، وكأن الكلمة مدرّبة على أحاسيس الشاعرة، ونماذج الرغبة لديها، وهذه الحالة لا تأتي من العدم بل من قدرة الشاعرة على الحفاظ على المسافة بينها وبين القارئ، فإذا كان القارئ في حسبان الكاتب فإن الكاتب سيصبح في حسبان القارئ، لأن كل واحد منهم فَلْقة توأمية للآخر، ولأنني أعتقد بأن الشاعرة فادية غيبور تكتب بحواسها الخمس، أردت الخوض في شيءٍ من تجربتها الإبداعية، لأن نزهتي هذه ستكون ضرباً من المتعة والاستكشاف.‏

أولاً: العشق:‏

العشق طقس روحي إنساني جميل، تشترك فيه كل المشاعر، يشبه بكينونته الارتباطية تلك العلاقة المتينة بين الزاهد العابد، ومعبوده، حيث لا تتدخل أية قوة وسائطية مادية بين الاثنين، لأن الزهدَ يعرف بِحِرَفيّة منقطعة النظير كيف يصل إلى معبوده، كما يعرف المعبود كي يُهدي الزاهد به.. إليه ويستدرجه إلى طاعته، فيتجرّد هذا الأخير من كلّ المؤثرات الخارجية، ليركز جلّ اهتمامه على هدف واحد، بل يذهب إلى أكثر من ذلك، كأن يستجمع أكبر كمٍّ من الوقت في لحظة واحدة وينطلق بروحه مخترقاً كلّ الأبعاد إلى حالة من النشوة الخالدة، فالعشق هو القدرة على السيطرة على المشاعر والعواطف، لتكون أكثر جمالاً، وروعة، وليس الخضوع، والانفلات من الواقع إلى اللا واقع.‏

العشق لدى فادية غيبور حالة رومانسية تشترك في وجوده جميع عناصر الطبيعة بصورة احتفالية كالأنهار.. الخضرة.. الأزهار، الندى، الليل، الغسق لقدرة هذه الأشياء على تغذية الحب وإروائه، وعلى إثارة الأحاسيس، ونقلها من حالة الجزع إلى الطمأنينة، من حالة الجمود إلى حالة حيوية دافئة، أضيفُ إلى ذلك أن هذه المفردات، والتراكيب، تؤنّق اللقطة الشعرية واللقطة الشعرية بدورها تجمّل القصيدة، فتضاف إلى اللغة رقّة وجمالاً:‏

أنا لا أريدك عاشقاً كالآخرين/ فاضحك أحبكَ ضاحكاً/‏

كالأقحوان على سرير النهر، يغزل حلمه/ في لحظة مغسولة بالضوء/‏

يحمل دفأها/ ويمدّها كي تستحيل إلى سنينْ/ لو يبتدي زمني/ لأجلكَ أبتديه بوردة/.‏

نلاحظ أن الشاعرة لونت اللقطة الشعرية بمفردات جميلة، ولو بحثت في مضمون الوردة لتساءلتُ أية وردة هذه التي ستبتدئ بها الشاعرة زمنها، بل أي زمن هذا الذي سوف يكون مفتاحه وردة؟ ونحن نعرف أن الوردة هي مفتاح كل عشق عاش، أم أصبح تذكاراً بين اثنين. وقد يحدث أن تختلف معايير العشق باختلاف سنيِّ العمر، بين الأوائل، والأواسط إلا أن جَذْوَتَهُ لم تختلف عند الشاعرة، بل ظلّت متّقدة، متوهجة، لأن الحب يسمو أكثر عندما يرتبط بأشياء هامة أخرى في الحياة، فتظل العواصف نشيطة دائماً:‏

هو أنت جئت إلى تخوم الحلم بعد الأربعين/‏

فأضأت في غسق انتظاري موسماً للياسمين/‏

وأرقت نهر الشعر فوق يباس أيامي/ فضجّت بالحنين/.‏

هل ينقص العشقَ هنا شيءٌ حتى يكون بقعة ضوء تنزل على فسحة العتمة، فتتآكل هذه الأخيرة حتى يكون المكان من بعدها في ساعة موعده مع الفجر موطناً للفراشات، مرسماً للياسمين غابة للغزلان التي تبحث عن جدول ماء لتبلّل حنجرة المدى بقفزاتها، وتدهش الهواء برشاقتها، هل ينقصه شيءٌ حتى يبني حلماً، فوق حلم ويشيد مملكة السعادة.‏

ثانياً: الإنسان:‏

الإنسان الحقيقي هو الذي لم تقتسم شوارع المدن ذاته إلى فروع ميتة، ومواقف ساذجة وتقاطعات لا غرض منها، وإشارات لا تكثر إلا من الحوادث النفسية الأليمة، التي تسلبه سويَّتُه. الإنسان الحقيقي لدى فادية غيبور هو ذلك الكادح الذي لم تغشه الألوان الفاقعة للحضارة الزائلة ولانزعاتها الكاذبة، إنه القنوع الذي يستلذّ بما تنتجه يداه، وإن كان هذا النتاج مغمساً بالتعب، إلا أنه أشهى وأطيب من كل ما تنتجه مطابخ الشرق، والغرب إنه كائن يحفل بإنسانيته، وبمعرفته، فالفلاّح الكادح مرتبط بالأرض، واستمراريته من ديمومتها، فمنها رزقه، وعزته، وكرامته، وجذوره، والأرض مرتبطة بالفلاح استمراريتها مرتبطة بديمومته، فمنه جمالها، وخضرتها، وإشراقاتها:‏

/كم مرّة أشرعت صدرك للنصولْ/ في الصدر أحلام ملوّنة/ وفي الكفين مجرفةٌ وصدرك شاسعٌ/ أنت الربيع على تخوم ترابنا، ودمائنا/ أنت البذار/ وأنت ميلاد السنابل والحصاد/‏

كما تبرز الشاعرة إصراره على التحدي، وعدم الرضوخ للمصاعب وإن كثرت وتعددت فمّرة يتحدى الجفاف، وقلة الماء، ومرّة أخرى يتحدى قوى الشر الوفيرة، ويردّها بكل ما يملك من وسائل الردع النفسية والمادية، وكأنه يعلمنا كيف يكون الصمود، والصبر على الشدائد وكيف يكون التمسك بمعنى الحياة، وحلاوتها على مرارتها:‏

/وجع خطاك محبّبٌ/ وعصية ألوان حزنكَ/.‏

/يوم تحترق البيادر والحقول/.‏

أليست هذه صورة معبّرة عن صموده عندما يواجه خطراً من أخطار الطبيعة، أليست إيضاحاً للتكوين النفسي لهذا الإنسان الكادح الذي يرسم الحياة بطريقته، ويحافظ عليها بطريقته.‏

ثالثاً: الوطن.‏

لا يختلف الشاعر كثيراً لدى فادية غيبور عن الفلاّح، فبين الاثنين خطوط تقاطع كثيرة وقواسم مشتركة واضحة، فإذا كانت هموم الكادحين هموماً جسدية إلى جانب بعض الهموم الحياتية البسيطة فإن هموم الشاعر هموم روحية، نفسية صرفة، هو كالجندي في خندقه، في أعلى حالات الجاهزية. لكنه كثيراً ما يعيش في حالةٍ من (التراجيميديا) اللا معقولة إن صحّ التعبير أي في حالة من المضحك، المبكي، وهذا الأمر ينطبق على أغلب شعراء الشرق، نظراً لما تعيشه هذه المنطقة الواسعة من العالم من مؤامرات، جعلتها ساحة للفقر، والتخلف.‏

ومن هذه المظاهر المبكية، والمضحكة التي تهدم أحلام شعرائنا، وكتّابنا أن يكون ماهو مضحك بالنسبة للآخرين قد يكون مبكياً بالنسبة لهم،وما يكون مبكياً لهم قد يكون مضحكاً بالنسبة للآخرين، وهذا جزء من المفارقات الغريبة التي استفحلت جرساً نشازاً في المجتمع الشرقي بفعل حالة من القلق المستمر، والمعاناة المتواصلة.‏

ورسالة الشاعر تكمن في أنها دليل السقيم إلى الاستشفاء، دليل الميت إلى الحياةِ دليل الفراشة إلى الوردة، دليل السنديانة إلى السماء، دليل الغريق إلى النجاة. من منّا يستطيع أن يتخيّل فنّاً حقيقياً لم يبنَ على خيال شاعر، على تجربة شاعر، أو فنّاً لم يتغذّ على دم شاعر، إنه يجعل السروة أكثر شموخاً ، يجعل النجمة أكثر ألقاً ويضفي عليها شعاعاً جديداً يستحقّ أن يدخل في حسابات الفلكيّين بجدارة:‏

هو ملح الأرض في ليل الضياعْ/ صوته رجع حنين الصخر/ آهات الجياعْ/‏

كلما أوقد في القلب قناديل الخزامى/ ضاع منه القلب، والقنديل ضاعْ/.‏

فإذا كان الملح عنصراً أساسياً من عناصر التركيب الجيولوجي للأرض، فإن الشاعرة قد صوّرته جزءاً أساسياً من تركيبتنا الأخلاقية والوجدانية، لأنه جزء من آلامنا، أحلامنا، يحاكي مشاعرنا بلوحاته اللونية، والموسيقية:‏

هو فيكم قمر الأرض، عبير الورد/ رفات العصافير الأليفهْ/‏

هو فيكم غابة تمتد في الأرض منداةً وريفهْ/‏

كلما ألفى طريقاً لرؤاه،/تسرقون الحلم من تحت خطاه/‏

تفتحون الجرح في الصدر مراراً/ ثمّ تشكون نزيفهْ/.‏

هذا هو الشاعر، يريدُ أن يكون للصحراء شكل الغابة، يريد أن يكون للشوكة شكل الوردة، يريد أن يكون للنحلة المشاكسة روح الفراشة، وللعاصفة الهوجاء حنان النسمة.‏

كانت هذه انطباعات سريعة عن بعض القيم الروحية والوجدانية بصورة مبسطة لدى الشاعرة فادية غيبور من خلال مجموعتها الشعرية (مزيداً من الحب) حيث أثبتت وما زالت تثبت هذه الشاعرة أن على الشعر أن يكون في خدمة القضايا الإنسانية من خلال ما قدّمته وتقدّمه على الصعيد العمل الإبداعي، والمهني.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244