جريدة الاسبوع الادبي العدد 994 تاريخ 18/2/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

أنطون تشيخوف والسينما ـــ د.نجيب غبرة

تحويل قصص وروايات ومسرحيات الكاتب الروسي الشهير أنطون تشيخوف (1860-1904) إلى أعمال سينمائية جرى بكل محبة وبكثافة عالية. ويبلغ عدد هذه الأعمال حوالي الثمانين في روسيا لوحدها. ويعد أنطون تشيخوف المثل الخالد لكتاب السيناريوهات السينمائية، وهو أحد أكثر الكتاب الذين استطاعوا تطوير حياة بشرية كاملة في قصة قصيرة. كما و"عكست" نظرة تشيخوف الناس والأشياء بدقة وكأنها كاميرا سينمائية، وكأن الكاتب بادر لظهورها بالذات. ونجد كل أسرار الانفعالات الإنسانية، والآمال، والأوهام، والضحك، والدموع مخفية في المعنى الباطني الشهير عند تشيخوف. والسينمائي القادر على كل شيء يستطيع نقل هذا المعنى الباطني بكامله بفضل الإيماءات والنبرات الصوتية وحركات الممثلين، وبفضل الصورة المكبرة واللوحات "الجماهيرية"، والمونتاج والثياب والموسيقا.‏

لقد ظهر أول عمل سينمائي مأخوذ عن قصص تشيخوف على شاشة السينما في فجر السينما الروسية، أي في أوائل القرن العشرين: "مغامرة غرافية مع كونتر باص"، و"زهور متأخرة"، و"الطغيان". وعرضت المسرحية الفوديفيل "الدب" في عام 1938 التي تتحدث عن صراع بين طباع الرجل والمرأة، ورأى فيلم "العرس" النور في عام 1944 لصاحبه أسيدور أنينسكي (1906-1977)، وبدت الأحداث فيه تحمل الاسم نفسه وهي مضحكة وحزينة.‏

وبدأ السينمائي الناضج بعد ذلك بتقديم احترامه لتشيخوف، ففي عام 1954 أخرج أنينسكي الفيلم "في عنق آنّا" وهو عبارة عن لوحة رائعة كانت عبارة عن غاليري كاملة من النجوم، إذ تجد فيها صوراً وألبسة وشواهد ومشاهد داخلية فاخرة، إلى جانب حفلات الرقص وأصوات الأجراس وأغاني الفجر وأظل تعدد الألوان والأصوات قصة الزواج، وتحولت الفتاة الساذجة إلى امرأة ماجنة.‏

ونجد قصة أخرى لتشيخوف تتحدث عن الجفاف الروحي والشغف بالكماليات والبذخ، وهي قصة "اللعوب" التي نقلها إلى شاشة السينما المخرج سامسون سامسونوف الذي جسد فكرة تشيخوف الرئيسة في السينما القائلة: "أريد أن تحب فينا زوجاتنا وأطفالنا وأصدقاؤنا وطلابنا الناس العاديين وليس أسماءنا وشركاتنا".‏

وحاز هذا الفيلم جائزة الأسد الفضي في مهرجان البندقية عام 1955، والذي كتبت عنه الصحف الإيطالية قائلة أن أحداً في الغرب لا يستطيع تحويل قصص تشيخوف على هذه الشاكلة. فبطلة الفيلم أولغا إيفانوفا امرأة شابة تتحدث عن التواصل مع العباقرة والعظماء ولا ترى شخصاً موهوباً حقاً موجوداً بقربها، ألا وهو زوجها الطبيب. قام بتمثيل دور الطبيب الممثل الشهير سيرغي بوندار تشوك الذي أصبح فيما بعد مخرجاً بارعاً وأخرج فيلم "الحرب والسلم"، تجسيداً سينمائياً لرواية ليون تولستوي. الفيلم الذي فاز بالأوسكار. وهو أيضاً مخرج فيلم "السهب" المصور عن قصة تشيخوف الوجدانية.‏

وبدأ المخرج جوزيف غايفيتش سلسلة أفلامه التي نقلها عن أعمال تشيخوف في الستينيات، وكان فيلم "السيدة والكلب" الذي يحمل اسم قصة تشيخوف نفسها أولها. وحصل هذا الفيلم على جائزة مهرجان كان السينمائي الدولي. ويعترف إنغمار بيرغمان قائلاً: "أستطيع مشاهدة هذا الفيلم مراراً عديدة لا تحصى، إنه كأس الماء من الينبوع النظيف الشفاف بعدما شربنا كثيراً النبيذ الحامض.. فالأحاسيس فيه جمة ولا وجود للعاطفية فيه أبداً".‏

تلتقي المرأة الشابة المتزوجه وهي من الريف الدون جوان المتزوج وهو من موسكو، وهذان الشخصان لم يعرفا المشاعر الجياشة حتى الآن. يلتقيان في شبه جزيرة القرم أثناء قضائهما فترة استجمام هناك. يلقي كل منهما نظرة إلى الآخر ويحييه، وعندها يصبح العالم الذي عرفاه عالماً آخر. لقد استطاع المخرج غايفيتش إعتاق تلك العاطفة وتلك الطاقة السيكولوجية اللتين كانتا موجودتين في القصة الانطباعية المؤثرة. ولقد استحق تعامل هذا المخرج اللاحق مع أعمال تشيخوف جوائز مهرجانات دولية كبيرة لها سمعتها. فاستحق الفيلم "في مدينة إس" جائزة المهرجان السينمائي الدولي في روما عام 1977، والفيلم "رجل سيء جيد" المنقول عن قصة "المبارزة" حاز على جائزة المهرجان السينمائي الدولي في شيكاغو عام 1974.‏

وقال فودي ألان: "إن فيلم "العم فانيا" الروسي (1971) لأندريه كونتشالوفسكي هو أفضل "عم فانيا" شاهدته من قبل. يالها من صناعة متكاملة كاملة!.. "العم فانيا كنز خالد من كنوز الأدب ونقله كونتشالوفسكي بصورة رائعة إلى الشاشة السينمائية..". استطاع هذا المخرج، على إثر تشيخوف، أن يبصر ماهو وراء الاعتيادي واليومي، غير العادي والجذاب، وبنفس الوقت استطاع أن يتابع سقوط الأوهام البشرية، وكان أمله بالأفضل، ويلاحظ كونتشالوفسكي قائلاً: "تشيخوف أسس للفن المسرحي الجديد، مسرح المحال، الذي يتحدث عن الحياة اللا معقولة، وقد رأى، ومن المحتمل أنه ظن حسياً أن عجرفة الناس أهم من الحقيقة". واستحق فيلم "العم فانيا" جائزة مهرجان سان –سيباستيان السينمائي الدولي.‏

وأكسب فيلم "مسرحية غير مكتملة للبيانو" الذي وضع السيناريو له على أساس قصص تشيخوف "بدون أب" و"في العزبة" و"معلم اللغة" و"ثلاث سنوات" و"حياتي" الشهرة العالمية لنيكيتا ميخالكوف الأخ غير الشقيق لأندريه كونتشالوفسكي الذي حاز على أوسكارات كثيرة فيما بعد. واستحق هذا الفيلم في عام 1977 جائزة مهرجان سان –سيباستيان الدولي. إضافة إلى جوائز أخرى كثيرة. الحياة في الغربة هي وحدانية الناس ومرحهم البائس وعلاقاتهم العابرة وحنينهم إلى شبابهم وخيانة الواجب والوقفة الفارغة من كل معنى عوضاً عن خدمة المجتمع وهروب من الزمن. وهكذا نجد هنا "موسوعة" متكاملة للدوافع التشيخوفية. فالسخرية في إطار من التراجيديا، والفكاهة الوديعة، والمبالغة الفنية الساخرة، والضحك الفوديفيلي (نوع من المسرحيات)، هذه هي النبرة المتأملة، المتمهلة "للمسرحية غير المكتملة للبيانو"، على الطريقة التشيخوفية.‏

وفاز مارتشيللو ماستروياني بعد مرور عشر سنوات بجائزة أفضل ممثل لقيامه بدوره في فيلم ميخالكوف "العيون السوداء" في مهرجان كان السينمائي الدولي، وكان هذا الفيلم قد صور على أساس سيناريو مأخوذ من قصص الكاتب تشيخوف، مع التفاتة واضحة إلى قصة "السيدة والكلب" في هذا الفيلم يقع الإيطالي رومانو بحب امرأة روسية شابة في أحد المنتجعات الأوربية، ويتخلى عن حياة الترف في إيطاليا ويهاجر إلى روسيا..‏

ويحيط بقصة الحب والغيرة والجريمة جمال مزرعة الكونت والسهول والغابات والنصب التذكارية وأثمن أنواع الخزف في فيلم "يا وحشي اللطيف الحنون"(1978)، لصاحبه فارس السينما الشاعرية إيميل لوثيانو الذي حصد جوائز عديدة في المهرجانات السينمائية الدولية، وكان سيناريو هذا الفيلم قد وضع على أساس قصة "مأساة في الصيد" لتشيخوف التي تتحدث مصادفة فتاة رشيقة في الغابة أثناء رحلة الصيد، إذ لم يستطع الكونت كارنييف ورفاقه تخيل التقلبات الانفعالية التي وضعتهم فيها هذه الفاتنة، وحطم فيلم لوثيانو هذا كل الأرقام القياسية السابقة من حيث عدد المشاهدين آنذاك...‏

وحصل إيفان ديخافيتشني علىجائزة صندوق الثقافة الذي يحمل اسم جورج سادول (فرنسا) وعلى جائزة أفضل تصوير في مهرجان البندقية السينمائي الدولي عام 1989 لقاء إخراجه أول فيلم روائي طويل له بعنوان "الراهب الأٍسود" المقتبس عن قصة للكاتب أنطون تشيخوف بنفس الاسم، وقد أكسبه هذا الفيلم مجد "مخرج الصفوة". كما واقتدى إيفان ديخافيتشني بروح وحرفية وصوفية الكاتب، مع الشبح الذي يلاحق العالم العبقري، ومع لعبة الخيال القاسية، ومع البستان المدهش المسحور.‏

وفي عام 2003 وضع المخرج سيرغي سولوفيوف سيناريو لفيلمه "عن الحب" مقتبساً عن ثلاث قصص لتشيخوف بحماس وحمية وهي "الدكتور" و"الدب" و"فولوديا". الفيلم من حيث جوهره فانتازيا على موضوع تشيخوف يربطها بطل واحد. ويقول المخرج الذي احتفل بعيد ميلاده الستين مؤخراً: "كانت رحلة أنطون تشيخوف عبر روسيا مليئة بالذوق الإنساني الاستثنائي وبالرقة والموضوعية، وتقف وراء تواضع الكاتب ونبرته السحرية التي تبدو عبر انفعالية صحة روسيا الروحية المنشودة. الآن، عندما يحدد البراغماتيون أسلوب حياتنا وإلى جانبهم رجال الأعمال الكبار تصبح تأملات تشيخوف عن الحب أكثر حيوية وتفرض علينا التفكير بقيمة الأحاسيس الإنسانية". ففي فيلم سولوفيوف هذا نجد إرهاقات الشباب وتعبهم من الحب، والحب الناضج، والمثلث المميت في الحب... فالمهزلة تسير جنباً إلى جنب مع التراجيديا. أما لعبة الحب، فهي تسير بجانب الموت، وفيه يسمع بوضوح الصدى الذي خلفه المخرجون فيلليني وتريوفو وكونتشالوفسكي. وأطلق النقاد على هذا الفيلم صفة "سينما الظرافة المستنبتة".‏

ويسمي النقاد أيضاً "موضوعات تشيخوف" (2002) لكيرا موراتوفا التي تعتبر واحداً من زعماء الفوضى الفنية بـ."السينما السوبر جمالية". نرى في هذه اللوحة ممثلاً ريفياً يفضل فتاة ثرية على خطيبته الفقيرة، فلم تستطع الخطيبة تحمل الخيانة وأقدمت على الانتحار. وأثناء حفل العرس يظهر شبحها. لقد غصت تراجيديا كيرا موراتوفا هذه بالمهرجين، أما "موضوعات تشيخوف" فقد ملأتها "بالدوستويفسكية" التي وضعتها في طباع الشخصيات.‏

أما الآن يقوم العمل على إخراج فيلم سينمائي على أساس مسرحية "النورس" لتشيخوف وتلعب الدور الرئيسي فيه مارغاريتا تيريخوفا الممثلة المحبوبة عند أندريه تاركوفسكي. وهناك فيلم بعنوان "راغين" وهو عبارة عن سيناريو مأخوذ بتصرف عن قصة "العنبر رقم 6" لتشيخوف قد قارب من الانتهاء وهو للمخرج الشاب كيريل سيريبرنيكوف.‏

كما وكانت أفلام أخرى قد أنتجت وأخرجت في روسيا تحكي قصة حياة الكاتب أنطون تشيخوف نفسه كفيلم "الحجر" (1992) لمخرجه الذكي الكسندر سوكوروف. كما ويقول المخرج الكلاسيكي مارلين خوتسييف على إخراج فيلم يروي قصة لقاء تشيخوف وتولستوي.‏

أنطون تشيخوف وأعماله الأدبية عبارة عن مواضيع لا حدود لها ولا نهاية، وهي خزانة أو خزان يصعب سبر قعره من قبل المخرجين السينمائيين الذين يحاولون إدراك معنى الروح والنفس الإنسانية-الروح الروسية وروسيا.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244