جريدة الاسبوع الادبي العدد 994 تاريخ 18/2/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ظواهر فنية لغوية في مجموعة /بتغرامو.. وشرفة الأبجدية/ للشاعر محمد حمدان ـــ درغام سفان

للشعر لغة لا تعبّر عن فكر مجرّد، وإنما عن وجدان مؤثر من خلال مجموعة من الأفكار المنسقة على نحو خاص، هذه اللغة، هي تلك التي وصف ابن سينا كلامها، بأنه الكلام الذي تذعن له النفس، فتنبسط عن أمور، وتنقبض عن أمور، من غير رويّة أو فكر، أو اختيار... وبالجملة: تنفعل له انفعالاً نفسياً غير فكري، فلغة الشعر تُعنى بالظلال النفسية والدلالات الوجدانية، كما تعنى بتجسيد الأحاسيس والمشاعر النفسية الإنسانية(1).‏

ومن هنا قسم –أبو النصر الفارابي-في كتابه (الحروف) اللغة إلى قسمين –الأول: اللغة النمطية، وهي لغة البرهان أو العلم، والثاني: اللغة التجاوزية، وهي لغة الخطابة والشعر، ومن خلال هذه اللغة التجاوزية، ينحت الشاعر تمثال اللغة، ويعيد خلقها، ويصادقها، مكتشفاً طاقاتها ومكنوناتها(2).‏

وهذا يقودنا إلى واحد من تعريفات الشعر الممكنة أو المقبولة، بأنه مقاربة اللغة بكثير من حرية التصرف، أي أنه يزود الألفاظ بشحنات خيالية من شأنها أن تربط بعضها ببعض، على نحو تغدو فيه اللغة، وكأنها شيء، لا يصلح للمياومة بل للعلو‏

وحده(3)....‏

وفي لغة الشعر يخضع التعبير لقوانين اللغة العامة، ولكنه يفيد مع ذلك من اعتماد على دلالات القرائن، ومايمكن أن تضيفه هذه الدلالات على التصوير(4)... ومن هذا المنطلق يمكن تقسيم بنية اللغة في الشعر إلى مجالين-أولاً: مجال الدوال، وهو مجالٌ يتصل بتقنية اللغة وقوانينها الخارجية، الصرفية والنحوية والنظمية، ومن مظاهره الأسلوبية اللغوية، التكرار، والحذف والتقديم والتأخير –ثانياً: مجال المدلولات، ويتحكم فيه قانون العلاقات المنطقية بين الواقع والخيال، أو بين الحقيقة والمجاز، وهذا امتداد لقانون الانحراف اللغوي الذي يحكم العلاقة بين الخاص والعام... من الظواهر الأسلوبية التي عالجها البلاغيون والنقاد..‏

*التكرار: والمراد به إعادة ذكر كلمة أو عبارة بلفظها ومعناها في مواضع أخرى غير الموضع الذي ذكرت فيه أول مرة، ولعلَّ –ابن قتيبة- كان من أوائل مَنْ تناولوا هذه الظاهرة من العرب، حين تعرض لبيان أسلوب التكرار في بعض سور القرآن الكريم(5) وحذا حذوه –أبو هلال العسكري-، حين ذكر أمثلة للتكرار كما في قول المهلهل (على أنْ ليس عدلاً من كليبٍ) وقد كررها في أكثر من عشرين بيتاً، وكذلك منه قول الحارث بن عباد (قرّبا مربط النعامة مني) وقد كررها نحو خمسين مرة، ومن المؤكد أن الاتجاه نحو هذا الأسلوب التعبيري ما زال في اطّراد.‏

والقاعدة الأولية في التكرار، أن اللفظ المكرر ينبغي أن يكون وثيق الصلة بالمعنى العام، وإلا كان لفظية متكلفة....(6).‏

من أنواع التكرار التي احتفى بها الشاعر –محمد حمدان- في مجموعته الشعرية (بتغرامو.. وشرفة الأبجدية) ما يدعى بتكرار المبنى والمعنى وهو تكرار الحرف، أو اللفظ، أو العبارة.‏

/لهفي على ألف يموت‏

وعاشر يذوي‏

وسجع حمامة ترنو إلى إلف‏

***‏

لهفي على نبع‏

مضى ألفٌ عليه‏

وحين همَّ تعاورته الريحُ من كفّ إلى كفّ‏

لهفي على ياء –بكت عتباتُها الصفصافَ‏

حين ارتدَّ ظلَّ الروح من خوف إلى خلف‏

لهفي على لهفي/(7).‏

والشاعر كما رأينا يكرر لفظة –لهفي- في بداية كل مقطع ليعبّر عن شدة حزنه وأسفه بالفقد والخسران، شأنه في ذلك شأن الباكين أو النادبين حين يكرّرون في نوحهم بادئةً أو لازمة تعبر عن شديد التياعهم، وهو لا يكتفي بتكرار المطلع، بل إنه يعمد إلى تكرار داخلي ضمن المقطع باللجوء إلى الجناس الناقص في ألفاظ مثل: ألف، إلف-ريح، روح-خوف، خلف... وكما نعرف فالجناس ظاهرة مهمة من الأشكال الصوتية غير الوزنية التي تنجم عن تكرار الأصوات في الخطاب...‏

ومن هذا القبيل –أي تكرار اللفظ بكماله أو من خلال الجناس-قوله...‏

/تؤرقني الهواجس... وهي تكبر بين أعمدة السؤال:‏

أأنت بَيْت غرامه‏

أم أنت: بُتَّ غرامُه‏

أم أنت بات غرامه هيمان/(8)‏

أو يلجأ الشاعر إلى تكرار اللفظ من خلال بنية نحوية متماثلة، ليبقي على حدة الإيقاع، ويربط خيط المعاني، مع تدرّج المعنى من مستوى إلى آخر...‏

/قال الرصيف... اصطفاه الشرود‏

وقال الشرود... اصطفاه الغياب‏

وقال الغياب... اصطفاه الجنون/(9).‏

أو كما في قوله:‏

/أنت الدروب إليك- وأنت المسافة نحوك- أنت ابتهال العذابات‏

أنت فتوح البدايات-أنت المحطة-أنت طقوس الرحيل‏

وأنت اكتمال النهايات-أنت الوصول/(10)‏

هنا أيضاً يقودنا التكرار على نحو جلّي من معنى إلى آخر، لينغلق قوس المعاني على شكل دائرة في نهاية المطاف بين المطلع:‏

أنت الدروب إليك... والخاتمة: أنت الوصول...‏

وقد يعمد الشاعر إلى تكرار عبارة بعينها هي محرق مكثف لأطياف المعاني كما في قصيدته –عنقاء الحزن- ننقلها مع التصرف /ضمني يا عراق-ضمني-قبل أن تتوطن في مقلتيَّ خلايا الردى... ضمَّ حزني إلى حزن نخل السواد... ضم أشلاء روحي ضم وحشة دربي... ضمني يا عراق... ضمني../(11).‏

عند –ابن رشيق-الذي كان أكثر البلاغيين والنقاد العرب القدامى التفاتاً إلى ظاهرة التكرار لا ينحصر تكرار الاسم في دلالة واحدة، بل تتعدد، وتتنوع تبعاً لتعدد المواقف وتنوعها، كالتشوق والاستعذاب أو الإشادة أو التوبيخ أو التعظيم أو الحزن والتوجع، وبناء على هذا، فهناك تكرار حسن وآخر قبيح، فالتكرار الحسن يعني إعادة دوال ثابتة لإنتاج دلالة جديدة، كما أنه ليس من المقبول أن يكرر الشاعر لفظاً ضعيف الارتباط بما حوله، أو لفظاً ينفر منه السمع...‏

فالتكرار يسلط الضوء على نقطة حساسة في العبارة، ويكشف عن اهتمام المتكلم بها، وهو بهذا المعنى ذو دلالة نفسية قيمة تفيد الناقد الأدبي الذي يدرس الأثر ويحلل نفسية كاتبه(13)...‏

وهذا ما لمسناه جليّاً في المقطع السابق، إذ المقصود بتكرار عبارة –ضمّني ياعراق- التوحد والتماهي بموضوعه تأصيلاً لفاجعة الشاعر بالمصاب، ومن هذا القبيل قصيدته –البصرة-2-(14) إذ يكرر الشاعر التركيب اللغوي المؤلف من حرف النداء القريب والمنادى المصغّر (أيْ أُخيّة) وهذا ما يثير في نفس المتلقي جملة من الدلالات الشعورية واللا شعورية‏

/سألت نسمة أختها في الصباح‏

أيْ أُخيّةُ‏

من بعد أن مرّ حقد الغزاة‏

على موسم الياسمين.. وزهر الأقاح‏

أي أخية من بعد أن صودرت حمحمات الجياد الأصيلة‏

إبّان عقد الصبايا... وفي كل نادٍ وساح‏

أي أخية...).‏

*التناص:‏

مصطلح معاصر لدلالات مفهومية نقدية وفلسفية، فهو عند (جوليا كريستيفا) أحد مميزات النص الأساسية التي تحيل إلى نصوص أخرى سابقة عليها أو معاصرة لها، أما (ميشال فوكو) فيرى أنه لا وجود لتعبير لا يفترض تعبيراً آخر(15)، وهذا ما يصدق عليه قول زهير بن أبي سلمى:‏

ما أرانا نقول إلا مُعاراً‏

أو معاداً من قولنا مكرورا‏

أو قول عنترة:‏

(هل غادر الشعراء من متردم...).‏

يمكن النظر إلى التناص من حيث كونه لغة أو معنى، وتتنوع حقول التناص مابين تناص مع نصوص دينية وشعرية وتراث وأساطير.. الخ وبناءً عليه يمكن القول إن التناص في أفضل حالاته اشتغال استعاري في بناء النص يتسم بالعمق الثقافي والفكري والمعرفي في صوغ القيم والأغراض في مداها الاجتماعي والتاريخي(16).‏

تحفل قصائد الشاعر –محمد حمدان- في المجموعة المذكورة بكل مجالات التناص وتقنياته غالباً، فقد عمد الشاعر إلى استحضار شخصيات عديدة مؤثرة تثري نسيج النص اسماً أو قولاً، ويظهر الشاعر في كل ذلك مفتوناً بتراثه بكل تجلياته الأسطورية والتاريخية والأدبية والدينية، وهو في الحقيقة لا يستدعي هذا الموروث، بقدر ما يستعيده من خلال نظرة حداثية تعيد استقلابه وصوغه ودمجه في سياق النص، في قصيدته المميزة (على شرفة الأبجدية في رأس شمرا) التي نستطيع أن نعدها بحق خاتمة المسك في مجموعته الشعرية المذكورة، تتعالق وتتعدد أشكال التناص، وتتضافر مع العناصر الجمالية الأخرى في القصيدة (من لغة وصورة وإيقاع ورؤيا....). لتشكل لوحة متقنة، هي خلاصة تجربته الشعرية، فهنا تتداخل أبجدية رأس شمرا مع قصة الخضر مع قصة الطوفان، لتشكل جوهر رؤياه الشعرية التي تنداح على تضاريس النص، وتشد مفاصله.‏

/على شرفة الأبجدية في "رأس شمرا"-تجلى لي الخضر شيخاً جليلاً-وقد أمسكت يده جمة الغمر- كيلا يفيض فيغرق مضمار طوفاته الكائنات/(17).‏

ويتقمص الشاعر أبعاد تاريخه الحضاري في صورة إنسان المعمورة الذي يقاوم الغزاة ببأس حضارته النابع من تاريخ واحد وإنسان واحد، لا يراه الشاعر حقباً وأشياعاً وطوائف، بل لحمة واحدة.‏

/ألم تك من عمّر الطوف-كي يعبر الكحل وادي الفرات؟- بل يا مغيثي- ألم تك عين المسلّة-والهرم المتربع فوق جلال المداد-ألم تك من زحم الموج بالأطلسي-ومن وضع الطوبة البكر في سدّ مأرب.../(18).‏

وثمة طائفة حافلة من الشخصيات التاريخية، والأدبية والدينية، يحاورها الشاعر تارة، ويتقمصها تارة أخرى، ناطقاً بلسان حالها، كالجاحظ، والحسن البصري، ورؤبة، بختنصّر، نوح... الخ أو يستعيد الشخصية من خلال ما يشير إليها...‏

/بكى صاحبي حين أيقن أن الهلاك محيق بنا-قلت لا تبك يا صاح-إن أمامي فضاء من الطير والعشب والبشر الطيّبين/(19). وكثيراً ما يلجأ إلى –القرآن الكريم- ليوظف هذه التناصات في رؤية خاصة بالشاعر.. مثل قوله:‏

/من كان على سفر مثلي في سر الوعد الصعب-‏

وفي فوضى الأزمان/(20).‏

وتتجلى ثقافة الشاعر واطلاعه على موروثه الشعبي والأسطوري من غناء، وقصص، وأمثال شعبية وغيرها، مما يضيق به المقام عن استحضاره.‏

*الانزياح:‏

جسد المحدثون المفاهيم والفروق التي تميّز لغة الشعر؛ بمصطلح الانزياح الذي يعني أن شعرية اللغة تقتضي خروجها السافر على العُرف النثري المعتاد، فبينما يقدم النثر (المعنى)، يقدم الشعر (معنى المعنى)، ويطلق على القاعدة التي يقاس عليها الانزياح الشعري مصطلح هو (درجة الصفر النصي). وهذه القاعدة افتراضية، لكنها من حيث الخصائص تقارب اللغة العلمية، ولنا أن نفهم ضرورة الانزياح في لغة الشعر، إذا قبلنا أن اللغة قد تحددت بألفاظها بالقياس إلى عالم الأشياء الحسي، أما في عالم النفس المعنوي، فلا تزال ألفاظ اللغة قاصرة عن أن تحدد معانيه(21).‏

ولاشك أن بين الشاعر والعالم، بين الشاعر واللغة الموروثة، بين الشاعر والكلمة، بين الشاعر والشعر انشراخاً أساسياً، دونه ليس ثمة من شعرية(22).‏

وللانزياح أنماط مختلفة، كالانزياح المجازي، والإيقاعي، واللغوي، والدلالي، لكننا يجب أن نعرف أن مفهوم الانزياح مفهوم متغير، ولا أَدلَّ على ذلك من موت الصور المجازية عبر اجترارها وتكرارها وتحولها من التعبير غير المباشر إلى التعبير‏

المباشر(23).‏

لا يلحّ الشاعر –محمد حمدان-على فكرة الانزياح، ولا يقسر لغته بهذا الاتجاه أو ذاك، وإنما تنبثق لغته كالنبع، لتخطّ مجراها، محكومة فقط بقوانين النص الداخلية:‏

/يطير بي الصباح إلى صباحك –يورق المشوار في عينيَّ أغنيتني عصفورين...........‏

أطاوع في هواك النجم-يزهر ياسمين الغيم في خلدي-كانت ربة الأحلام-كوزاً من عبير الشمس-تنوراً من الصبوات والغنج/(24).‏

ولنا هنا أن نرصد بعض هذه الانزياحات التي أينعت لنا صوراً خضيلة في مسار النص، سواء تلك الانزياحات التي شملت التراكيب الإسنادية –بين المسند والمسند إليه- /يورق المشوار-يطير الصباح/، فأنتجت لنا صوراً استعارية، إذ إن الاستعارة في حقيقتها انزياح لغوي، أو تلك التي طالت التراكيب الإضافية مثل/ عبير الشمس ياسمين الغيم-تنوّر الصبوات/.‏

فأنجزت لنا صوراً بيانية من نمط التشبيه البليغ، وقد يحدث الانزياح اللغوي مابين الصفة والموصوف، /حين مرَّ على هبوة الدرب صمت البراري-وما زال وقت طويل من البنّ يقرأ أسراره بين قوس المدى وتخوم النعاس/(25).‏

المراجع:‏

1-علاء الدين رمضان السيد-ظواهر فنية في لغة الشعر العربي الحديث-اتحاد الكتاب العرب-1996-ص34.‏

2-يوسف اليوسف-القيمة والمعيار-دار كنعان-‏

ط1-2000-ص75.‏

3-المصدر السابق، ص 34.‏

4-علاء الدين رمضان السيد-ظواهر فنية في لغة الشعر العربي الحديث-ص57.‏

5-المصدر السابق، ص61.‏

6-المصدر السابق، ص65.‏

7-محمد حمدان-مجموعة /بتغرامو... وشرفة الأبجدية/اتحاد الكتاب العرب-ص7-8.‏

8-المجموعة الشعرية، ص8.‏

9-المجموعة الشعرية، ص31.‏

10-المجموعة الشعرية، ص41.‏

11-المجموعة الشعرية، ص115.‏

12-علاء الدين رمضان السيد-ظواهر فنية في لغة الشعر العربي الحديث، ص 63-64.‏

13-نازك الملائكة-قضايا الشعر المعاصر-دار العلم للملايين-1983، ص 276.‏

14-المجموعة الشعرية، ص119.‏

15-علاء الدين رمضان السيد-ظواهر فنية في لغة الشعر العربي الحديث، ص 108.‏

16-عبد الله أبو هيف-الحداثة في الشعر السعودي-المركز الثقافي العربي-الدار البيضاء-ص98.‏

17-المجموعة الشعرية، ص139.‏

18-المجموعة الشعرية، ص144.‏

19-المجموعة الشعرية، ص53.‏

20-المجموعة الشعرية، ص60.‏

21-د.نعيم اليافي-أطياف الوجه الواحد-اتحاد الكتاب العرب1997-ص79.‏

22-كمال أبو ديب-في الشعرية-مؤسسة الأبحاث العربية1987-ص70.‏

23-د.نعيم اليافي-أطياف الوجه الواحد-ص79.‏

24-المجموعة الشعرية، صص11-ص14.‏

25-المجموعة الشعرية، ص45.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244