جريدة الاسبوع الادبي العدد 994 تاريخ 18/2/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ديوان المفارقات الأدبية والفنية فتح فَم ـــ خطيب بدلة

يُستخدم تعبير "فَتح فَم" في مدينة حلب للكناية عن تناول الطعام لأول مرة بعد الحزن الشديد الذي ينتاب الناس على شخص عزيز خطفه الموت من بينهم، ويلفظون التعبير هناك باللهجة العامية: "فتح تم".. وهو ليس طعاماً بسيطاً عابراً، كما قد يتبادر إلى ذهنك، بل هو كما يقول أهل معرتمصرين "جَنَني ومَنَني وفساتق وبنادق"، كناية عن التنوع الباذخ: صفايح ولحم بعجين وعش البلبل مُغَرَّق بالسمن العربي ومدروز بالقلوبات والمكسرات والبهارات والتوابل، ولبن غنم رائب "عيران"، وبصل أخضر ونعناع وفليفلة خضراء، تليها الحلويات العربية المتنوعة، التي تبدأ من الـ"كول وشكور" صعوداً حتى تصل إلى البلورية والبصما والمبرومة. وبما أن الفم "انفتح وانفتح"، فلا بأس من التمادي في القضم والمضغ والبلع والازدراد، في ظل مقولة سائدة هناك مفادها أنه لا يوجد مَنْ يموت من الإفراط في تناول الطعام، ومقولة أخرى تقول: هيّ موتة وموتة، ويا مرحبا بما يدبر الله!...‏

وتجدر الإشارة إلى أن فتح الفم ليس ظاهرة حلبية خالصة، بل هي موجودة حيثما اتجهت في (بلاد العرب أوطاني)، بدليل ما رواه كبير الساخرين العرب إبراهيم عبدالقادر المازني عن مجموعة من النسوان، في أحد المآتم بمصر، أنهن كنَّ ينظرن إلى الطعام الذي يُوضع ويُرفع، دون أن تمتد إليه يد، ثم يتسللن خلسةً إلى غرفة قصية، ويلتهمن منه ما لا يحسب الحاسب!‏

ولأن المادة الرئيسية في بضاعتنا نحن الأدباء هي الكلام، لا الطعام، ولأننا سنتحدث عن المفارقات التي تحصل في عالمي الأدب والفن، فإن "فتح الفم" لدينا يكتسب معنى جميلاً جداً، هو نقيض "إغلاق الفم"، أي "الحرية".‏

ولأنني لست من هواة جمع الطوابع والأنتيكات، ولا من هواة ترديد الشعارات التي أفرغتها الجموع المحشودة في المهرجانات الخطابية من مضامينها على مدى سبعين عاماً، فإنني لا أعني بالحرية (حرية أحمد شوقي الحمراء التي تدق بكل يد مضرجة بالدماء)، ولا الحرية التي تعبر عنها حكاية الطبيب من دول العالم الثالث الذي سألوه في أحد المؤتمرات عن أهم مكتشفات الطب في بلاده فقال:‏

-نحن نستتأصل اللوزتين عن طريق شق في البطن.‏

قالوا له:‏

-عجباً، لماذا لا تستأصلونها عن طريق الفم؟‏

فقال: لأن فتح الفم في بلادنا ممنوع!..‏

كما أنني لست من دعاة الحرية المشروطة، المقوننة، ولا أحمل أوهاماً كبيرة عن الغزو الثقافي، ومحاولات الإمبريالية اقتلاعنا من جذورنا، والتحصين والتنوير، وضرورة حماية الأجيال الصاعدة من الأفكار الهدامة... كل ما أطمح إليه هو ترك الكتاب يعبرون عن آرائهم، ورفع الوصاية عنهم، باعتبارهم يملكون من الذكاء والألمعية والوطنية مايجعل محاولة فرض الوصاية على أقلامهم ضرباً من ضروب الغباء والبلادة، بل وينطوي على نوايا خبيثة.‏

إن هذه المادة الصحفية، بما فيها من مداعبات ومفارقات وسخريات، قد كتبت خصيصاً لصحيفة الأسبوع الأدبي التي لم يسبق لها أن نشرت شيئاً من هذا القبيل، لذلك فإن نشرها يقترب –إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية معينة- من مفهوم "فتح الفم" بالمعنى الجميل المبهج للكلمة.‏

إنها، بمعنى آخر، دعوة لأن تتعامل الأسبوع الأدبي، وصحفُنا الأخرى كلها، مع الأدب الساخر، وتنظر إليه باحترام باعتبار أنه يمثل "أعلى مراتب الجد"، وأن توجه دعوة خاصة إلى الكتاب الساخرين بالمساهمة فيها، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه (ليس كل أدب ساخر ضاحكاً بالضرورة). وأؤكد على أن تكون دعوةً (خاصة)، لأن الكاتب الهنجاري الساخر جورج مايكيش يقول في هذا المجال:‏

إن الكتابات المُبكية التي كُتبت بقصد الإضحاك أكثر بكثير من الكتابات التي تستطيع أن تضحك الناس بالفعل!..‏

المفارقات:‏

"جرزة" أوراق‏

حدثني الأديب وليد إخلاصي (أبو خالد) أنه دعي ذات مرة لحضور أمسية قصصية لبعض الأدباء الشباب، الذين قَدِموا إلى حلب من محافظات أخرى. صعد أحدهم إلى المنبر، وجلس، ونقرأ بأصابعه على الميكروفون، وتنحنح، واستل جرزة من الأوراق (كلمة جرزة تستخدم للبقدونس أيضاً!)، وقبل أن يقرأ شيئاً، قال محاولاً إنشاء دعابة:‏

-قصتي ليست طويلة جداً كما تتخيلون، كلها ساعة زمان وننتهي!‏

قال أبو خالد: وأنا بدوري، وقفت، تنحنحت، وخرجت من القاعة. هل تعرف لماذا فعلت ذلك؟‏

قلت: حبذا لو أعرف.‏

قال: أنا –يا خطيب- مواطن سوري، سيوي(كلمة سيوي بحلب تعني مستقيم، وبالشامية: دغري!)، أديت خدمتي العسكرية الإلزامية والاحتياطية، أدفع الضرائب التي تترتب علي دون تسويف أو مماطلة، وأدفع فواتير الماء والكهرباء والهاتف والموبايل فور صدورها، ولأنني على هذا القدر من الاستقامة، فإنه لا يوجد أحد في هذه البلاد يمتلك الحق في أن يقرأ علي قصة طولها ساعة!‏

شعراء "دوكما"‏

كان الشاعر الراحل أحمد الجندي، كما يروي عنه مجايلوه ومعارفه، شخصاً ظريفاً جداً. أراد ذات مرة أن يعبر عن كثرة الشعراء في مدينته "السلمية"، فقال:‏

-كل شخصين تراهما ماشيين مع بعضهما في أحد شوارع السلمية هما عبارة عن ثلاثة شعراء!.‏

ولأن الشيء بالشيء يذكر فإن في سورية مدينة أخرى تكتظ بالشعراء هي "عامودا" بمحافظة الحسكة، والطرفة نفسها متداولة لديهم، ولكن بصيغة أخرى هي: (كل ثلاثة أشخاص تراهم ماشيين في أحد شوارع عامودا هم عبارة عن أربعة شعراء!).‏

شعراء آل الجندي‏

وبالطبع فإن أكثر من شاعر قد ظهر في السلمية من آل الجندي، لعل أبرزهم علي الجندي وعمه أحمد الذي تحدثنا عنه قبل قليل، وقد رويت طرفة منسوبة إلى أحد الظرفاء تقول:إن أشعر واحد في آل الجندي هو ممدوح عدوان!!.‏

رحمة الله عليك أبا زياد‏

وكان المرحوم أبو زياد ممدوح عدوان، كما يعرف الجميع كاتباً متعدد المواهب، كتب: الشعر والمسرحية والمونودراما والرواية والمقالة الصحفية ذات الهامش العريض، إضافة إلى نشاطه في مجال الترجمة عن الإنكليزية، ولعل من أطرف ما كتب مقالة نشرها في تشرين 12/6/1994 بعنوان: "كل مواطن" جاء فيها:‏

على الأتستراد الذاهب إلى قلب المدينة يندفع ميكرو باص ووراءه غيمة كبيرة من الدخان الأسود السام. أشرت له بيدي فوقف، وفتح لي المعاون الباب متوقعاً أنني سأركب، ولكنني توجهت إلى الناحية الأخرى، حيث أصبحت قادراً على محادثة السائق. قلت له:‏

-ألا تنظر في المرآة إلى ما يجري وراءك؟‏

قال: ماذا يحدث؟‏

قلت: هذه السحابة السوداء من دخان المازوت السام.‏

قال مستغرباً وبشيء من السخرية: وماذا تشتغل حضرتك؟‏

قلت: لا شيء، ولكن هذا الدخان مضرّ بصحة الناس.‏

بدا له الموقف غير معقول فقال: يعني لا أنت من وزارة الصحة ولا من وزارة الداخلية ولا علاقة لك بالمرور؟‏

قلت: لا.‏

قال: ولا تريد أن تركب؟‏

قلت: أنا أوقفتُك كي أنبهك إلى دخان سيارتك.‏

ضغط على دواسة الوقود وهو يقول: أي تضرب بهالكسم، أنا فاضي لغلاظتك هلق؟!.‏

بعد انطلاق الميكرو باص في طريقه كالسهم، توجهتُ إلى شرطي المرور الواقف على مقربة مني، وقلت له:‏

-ألا يمنع القانون دخول هذا الميكرو بدخانه إلى المدينة؟‏

قال: طبعاً.‏

قلت: ولماذا لم تمنعه؟‏

قال: سيدي، حط في الخرج. مين داير على هيك شغلات؟‏

قلت: أنا وأنت وكل إنسان يجب علينا..‏

ولم يعطني الفرصة لإكمال محاضرتي، بل صرخ: هلق حضرتك جاي تفهمني شغلتي؟ شرف، خود بدلتي ووقف محلي!.‏

حاولت أن أوضح له إنني لا أريد أن أقف محله، بل أريد أن...‏

قاطعني بقوة وهو يصرخ في وجهي بغضب:‏

بتروح من هون وإلا بنزع صباحك؟!!.‏

وعلى ذكر البدلة‏

البدلة التي طلب الشرطي من أبي زياد ممدوح عدوان أن يلبسها ويقف مكانه، ذكرتني بطرفة قرأتها ذات مرة عن عالم وأديب وفقيه مصري (ماعدت أتذكر اسمه)، كان يضع على رأسه القبعة الباكستانية التي كانت في وقت من الأوقات علامة مميزة للعلماء والمتفقهين في الدين. استوقفه واحد من العامة وسأله في مسألة دينية عويصة بعض الشيء، فقال له العالم:‏

صدقني لا أعرف الجواب.‏

فدهش الرجل وقال له: غريبة! إنك تضع القبعة الباكستانية على رأسك، ولا تعرف؟‏

فحمل العالمُ القبعة ووضعها على رأس الرجل وهو يقول له:‏

إذا كانت القبعة هي سبب المعرفة ضعها على رأسك وأجبني أنت عن السؤال نفسه!.‏

تجارب ميدانية‏

كان الشاعر الظريف المبدع محمد الحريري يعاني من البدانة، وكان يطبق على نفسه بين الحين والآخر، تعليمات "الريجيم" التي ينصحه بها الأطباء، دونما جدوى، وذات مرة قال لأحد أصدقائه وقد صادفه في المطعم: سأتغدى نصف فروج مشوي على الفحم، وزنه مع توابعه لا يزيد عن كيلو واحد. الآن يمكن لنا أن نجري تجربة بحضورك: نأتي بالميزان وأزن نفسي قبل الطعام وبعده،وأنت نفسك ستفاجأ بأنني أكلت كيلو فقط وزاد وزني كيلو ونصف! بالله عليك أليست هذه أعجوبة؟!‏

الشيء بالشيء يذكر‏

وكان الأديب الراحل أحمد الجندي يعاني من مشكلة البدانة، وكان ينكَِّت على نفسه بطريقة الشاعر محمد الحريري نفسها، قال:‏

-ذات يوم، وكان الطقس حاراً، كنت أمشي في أحد شوارع دمشق، فلاحظت أن ثمة طفلاً يمشي بجواري، وحيثما تحركت يتحرك معي، حتى ضقت ذرعاً منه وسألته:‏

-أنت شو حكايتك يا ابني؟ ليش لاحقني على الدعسة؟‏

فقال: الجو حار يا عمو، وأنا حابب أمشي في الظل!!‏

والبردوني ينكت على نفسه‏

يقول الشاعر اليمني عبد الله البردوني في حوار أجرته معه صحيفة الثورة الدمشقية بتاريخ 3/6/1983، مايلي:‏

أصبتُ بالعمى وأنا في السادسة من عمري، ولم أكن أستطيع أن أعمل شيئاً مفيداً لنفسي أو لأسرتي. ذات مرة قالت أمي:‏

قبل ست سنوات وقعت بنا ثلاث مصائب: لم ينزل المطر، ومات الجمل، وأنا ولدت عبد الله!‏

أستاذ خارق‏

روى الراحل بو علي ياسين في كتابه المهم (شمسيات شباطية) طرفة عن أستاذ كان يدرِّس مادة التربية القومية في إحدى المدارس الثانوية باللاذقية، وذات مرة كان يعطي درساً عن "الحرية" فقال للطلاب:‏

-قال تعالى في محكم التنزيل، بعد بسم الله الرحمن الرحيم: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟‏

فرد عليه الطلاب بصوت واحد:‏

صدق عمر بن الخطاب العظيم!‏

كاتب أخرق‏

ذات مرة التقى مديرالإنتاج التلفزيوني مع أعضاء لجنة قراءة النصوص، وكنت أنا حاضراً ذلك الاجتماع بوصفي عضواً في اللجنة المذكورة. وقد جرى الحديث عن همومنا ومشاكلنا نحن الأعضاء، وسألنا إن كانت لدينا اقتراحات لتطوير العمل.. فقلت له مايلي:‏

-إن دائرة النصوص التلفزيونية تقبل أي نص يُقدم للدائرة، وتطبق عليه النظام المعمول به فيها، وهو قراءته من قارئين، ثم رئيس الدائرة، وهذا أمر حسن بالطبع، ولكن بعض الناس يجربون الكتابة للتلفزيون وهم لا يمتلكون أية فكرة عن ذلك، وهم ليسوا مختصين بكتابة السيناريو، وليسوا كتاباً معروفين (أعني أدباء)، ولا صحفيين، ومن ثم فإن كتاباتهم ركيكة جداً... في هذه الحالة لماذا لا نكتفي بعرض نص كهذا على عضو واحد من أعضاء لجنتنا فإذا كتب في تقريره بأن النص دون مستوى القراءة يعاد إلى صاحبه دون استكمال قراءته، مع رجاء حار بألا يتحفنا بما يكتب لاحقاً؟.‏

وعلى الرغم من الجانب المنطقي الواضح في اقتراحي هذا فإن زملائي في اللجنة لم يوافقوا عليه، باعتبار أننا نتقاضى تعويض قراءة النص الضعيف الركيك بالتسعيرة ذاتها التي نقرأ فيها النصوص المهمة الإشكالية التي تتعبنا قراءتها ونتحمل مسؤوليتها الرقابية.‏

قلت: حسناً، وأنا معكم في هذا، ولكن، على سبيل الطرافة دعوني أحك لكم ما حصل معي في نص تلفزيوني قرأته قبل أيام: إن صاحب النص، إضافة إلى جهله بألفباء الكتابة الدرامية، هو شخص أمي، بالمعنى الحرفي للكلمة، بدليل أنه يخطئ في الإملاء، فيكتب في حقل السيناريو، مثلاً:‏

(فلان يتشطح على الديوانه، بعدها يقوم ويتمشّة في أرض الأوضى، ثم يقول لنفسه: أصطغفر الله، الهيأى بدنا نعيش أيام سَعبة!).‏

وفي أحد مشاهد المسلسل تقول الزوجة لزوجها، بقصد أن تسوغ قلق ابنتها التي تزوجت منذ سنة، ولم تحمل بعد:‏

-بنتنا معها حق تقلق، الرسول صلى الله عليه وسلم قال: المال والبنون زينة الحياة الدنيا.‏

أزعجني هذا الخلط الذي يرتكبه ذلك الكاتب الأمي، فكتبت في حاشية المشهد ساخراً:‏

-الزميل الكاتب، أعتقد أن القول المذكور هو للخليفة أبو بكر الصديق!‏

ملاحظة‏

إنني متأكد من أن الكاتب المذكور في الفقرة السابقة غير منتسب إلى اتحاد الكتاب العرب!‏

كَشّة حَمَام‏

على إثر أحد التعديلات الوزارية، اتصل وزير الإعلام الجديد (آنذاك)، بمديرية التلفزيون، وقال للمدير ما معناه: إن شارة البرنامج اليومي (غداً نلتقي)، المؤلفة من مجموعة طيور من الحمام تطير، والمصور يصورها على البطيء، مملة، وليست جذابة وينبغي تغييرها وبينما كان الوزير على الخط اتصل المدير العام بمخرج البرنامج وأمره –والوزير يسمع- بتغيير الشارة حالاً.‏

بعد أيام اتصل الوزير مرة أخرى بمديرية التلفزيون،وطلب منهم أن يصلوه بمخرج برنامج (غداً نلتقي)، ففعلوا، وجرى الحوار التالي:‏

الوزير: يا بني ألم يطلب منك المدير العام تغيير شارة برنامج (غداً نلتقي) قبل أيام؟‏

المخرج: بلى.‏

الوزير: لماذا لم تغيرها؟‏

المخرج: غيرتها.‏

الوزير: كيف غيرتها؟ الليلة البارحة شاهدتها وتأكدت من أنها لم تغير. إنها عبارة عن (كَشة) حمام مصورة على البطيء.‏

المخرج: كلامك صحيح سيادة الوزير، ولكن كشة الحمام التي رأيتها البارحة هي غير كشة الحمام التي كانت في السابق.‏

قولنج معوي‏

اتصلت إحدى السيدات بأقاربها الذين يعيشون في مدينة أخرى وسألتهم عن صحة مريضهم، فقالت لها زوجة المريض:بعيد عنك، طلع معه قولنج معوي.‏

فشهقت السيدة، وكشكشت (أي قالت: كش بره وبعيد)، وقالت لها:‏

-بسم الله، وما شاء الله، والحمد لله على كل حال، شو هادا القولنج المَعَوي ينمحق وما يتسمى؟‏

قالت المرأة الأخرى: يعني "كولون".‏

فشهقت مرة أخرى وقالت لها: الله يبعث لهم حمى وداء السل، ما بيحسنوا غير يحكوا بالأجنبي؟..‏

أي قولوا "كولون" وفضت يا عرب.‏

المكسيكي‏

السيدتان سامية ورامية من الطبقة الاجتماعية التي لم تكن راقية في الأساس، ولكنها ارتقت في السلم الاجتماعي بفضل ذكاء زوجيهما، وكدهما وتعبهما ونضالهما الباسل ضد الاستعمار والإمبريالية والعولمة.. الخ، وأما عن تحصيلهما العلمي فهو(لاشيء على الإطلاق)، لأن والدة كل منهما كانت تقول لها: إن تعليم المرأة يفتح عينها على أشياء هي في أشد الغنى عنها، وإن قبر المرأة بيت زوجها، وإذا تعلمت فك الحرف فهذا أمر ليس بسيء، وإن لم تتعلمه يكون ذلك أفضل وأأمن.‏

الموارد المالية الجيدة التي كان يدرُّها النضال ضد الإمبريالية على زوجيهما، جعلتهما تعيشان في بحبوحة، تتمثل بوجود كل وسائل الترفيه عن النفس في البيت،وبضمن ذلك الساتلايت ذو المحرك الدوار الذي يلتقط ألف قناة تلفزيونية، قل: أكثر.‏

ومن خلال تقليب واستعراض الألف قناة على مدى شهور طويلة توصلت سامية ورامية إلى أن أفضل المسلسلات التي تعرض على الشاشات جميعاً إنما هي المسلسلات المكسيكية المدبلجة باللغة العربية الفصحى. وصارت كل منهما تعزم رفيقتها لمشاهدة إحدى حلقات أحد المسلسلات في بيتها، فترد عليها الأخرى بعزيمة مماثلة، وإذا حالت الظروف دون لقائهما في مسلسل يبث في وقت متأخر من الليل، سرعان ما تتصل رامية بسامية، أو العكس، صباحاً، وتذاكران ما جاء في هاتيك الحلقة من أحداث بين (بيبيتا، وجيوفاني، وبيثيا وباولو، وكاساندرا وعشاقها المدنفين).‏

وفي ذات يوم كان زوج سامية مشاركاً في مهرجان خطابي ذي طبيعة عائلية، فذهبت راميا وسامية لحضور ذلك الحفل. وحينما صعد زوج سامية إلى المنصة وشرع يخطب باللغة العربية الفصحى، كادت عينا راميا أن تخرجا من وقبيهما، والتفتت إلى سامية وقالت لها:‏

-ريتني إقبرك بإيدي ياسامية، وليك، من إيمتى جوزك بيحكي (مكسيكي) وأنا ما عندي خبر؟!.‏

فردت عليها سامية دافعة التهمة عن نفسها:‏

-انشالله بصير أرفع من عود الكبريت يا راميا إذا كنت بعرف إنو جوزي بيعرف يحكي مكسيكي، بأولادي هاي أول مرة!.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244