|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
كلام عن الورد ـــ عبد القادر الحصني ما عرف الناس مخلوقاً من مخلوقات الله ألطف من الورد. هذه حقيقة أجمع الناس عليها بعدما فتنوا بجماله، وسحروا بشذا عطره، وأعجبوا بدماثة خلقه كرسول للمودة والحبّ. وعلى ذلك كثرُ مادحوه، وتفنّن واصفوه، وأفسحوا له في قلوبهم محلاً لا يشاركه فيه إلاَّ الحبّ. وحسبي أن أورد هنا في الثناء على الورد ما نقله أبو البقاء البدريّ في "نزهة الأنام في محاسن الشام" من "الفردوس" للإمام الحافظ أبي شجاع شيرويه بسنده عن أنس بن مالك (() قال: قال رسول الله (: "إن الله عزّ وجلّ خلق الورد من بهائه، وجعل له ريح أنبيائه، فمن أراد أن ينظر إلى بهاء الله، ويشمّ رائحة أنبيائه فلينظر إلى الورد الأحمر ويشمّه". ولعلّ من أجمل ما يروى عن تقدير الورد وإعلاء شأنه أن كسرى مرّ بوردة ساقطة على الأرض، فقال: "أضاع الله من أضاعكِ"، ونزل، وهو في موكبه،فتناولها ووضعها على رأسه.. وكسرى هذا كانت له حساسيّة خاصّة إزاء الورد والزهر، على ما يبدو، إذ يُروى عنه أيضاً قوله: "إني لأستحي أن أغازل من أحب بمجلس فيه النرجس".. وإنها لحساسيّة إنسانيَّة مرهفة، لا تدانيها حساسيّة المتوكّل الذي كان يقول: "أنا ملك السلاطين والورد ملك الرياحين، فكلّ منّا أحقّ وأولى بصاحبه"، وكان لا يلبس في أيام الورد إلا الثياب المورّدة، ويجلس على الفرش والأسانيد المورّدة، ويورّد جمع الآلات من حوله.. وقد بلغ به الأمر أن حرّم الورد على الناس واستبدّ به، وقال: "لا يصلح للعامة".. فهذه حساسيّة تدّعي اقتران ارستقراطية الذوق بأرستقراطية المال.. والأمر ليس كذلك.. وإذا كان لابدّ من قرين للورد، فلا أرى في غير المحبّ من يستحقّ هذا القران وهذا الزهوّ، يقول بدوي الجبل: تأنّق الورد ألواناً ليفتننا أيحلف الورد أنّا ما فتناه؟ قيل هذا.. وقيل أكثر من ذلك.. ولكن على الرغم مما قيل وعلى الرغم مما يتمتع به الورد من اللطف والدماثة والجمال لم يعدم من يستخفّون به، ويحطّون من شأنه، ويتّخذونه وسيلة لما هو غير جميل.. وإن أنسَ الورد جميعاً لا أنسى تلك الوردة في قصة "العندليبة" لأوسكار وايلد: حيث رفضت الفتاة اللعوب مرافقة الشاب المحبّ إلى حفل الرقص مالم يأتها بوردة حمراء في عزّ الشتاء، وأنّى يتحقّق له ذلك، والثلج يغمر الحديقة وأشجار الورد فيها.؟! العندليبة رقّت لمناجاة الشاب، واتفقت مع شجرة الورد على أن تمدّها بالدفء إلى أن تتفتح وردة من أورادها، وما تمّ ذلك حتى انغرست شوكة من أشواك الشجرة في قلب العندليبة فأخذت الدفء واللون من دمها، فكانت الوردة مقابل حياة العندليبة. الشاب حمل الوردة ومضى بها إلى فتاته التي رمقته باستكبار، وقالت له عابثة: أتحسب أنك بهذه الوردة تستطيع مراقصتي سيراقصني ابن رئيس الخدم الذي شرائط حذائه من الفضة، ورمت بالوردة في الطريق الموحلة لتدهسها إحدى العربات المارّة. مصير مؤلم للوردة والعندليبة والشاب ولكنه أقلّ ألماً، على أيّة حال، من مصير وردة يقدّمها مخادع وتتقبَّلها ماكرةٌ.. دعونا من هذا الحديث. ولنتذكر الشيخ عبد القادر الجيلاني حين قدم إلى بغداد ليقيم فيها، وكانت أيا مئذ تعجّ بكبار الشيوخ فأرسلوا إليه من يحمل وعاء ممتلئاً ماءً، رامزين إلى أنه لا يوجد متّسع له بينهم، فما كان منه إلا أن أخذ وردة ووضعها في الإناء، فوسعها الإناء، ووسعه القوم، وأطلقوا عليه لقب وردة بغداد. ولعلّ مما يعزّيني، ويعزّي الورد أنني رأيت أستاذي في صباي يقدّم وردة إلى رجل ماكنت أظنّه أهلاً لها، فقلت له: -أراك أهديت وردة جميلة لهذا الرجل يا سيدي. فهل تراه يستحقها؟ -هذا ما أرجوه يا ولدي. -وماذا لو كان لا يستحقها؟ هل أنت متأكد من هذا الأمر؟ -لا.. ولكنني متأكدٌ من أمر آخر. -ماهو؟ -متأكد من أنني أنا أستحقّ أن أهدي الورد إلى الناس. الوردة: صديقتي الوردة في أصيصها الجميلْ تسألني عن اسم من أحبّ، ثم تستحي، فيستحي ندى على أوراقها، يكاد من سؤالها يسيلْ. سمّيت باسم من أحبُّ، واستدرت نحوها أودّ لو أستر بالهدبين عريّ قلبها وبوحها بأنني أقرب مَن بقربها حدثتها عن ظلها الظليلْ وعن أريج أسمر يميل إذ تميلْ وحينما غضضتُ طرفي، شفّ في بحيرتَيْ عينيَّ ظلٌّ أحمر، كأنه ترابها البليلْ |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |