جريدة الاسبوع الادبي العدد 995 تاريخ 25/2/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الهوية القومية والحكومة الإلكترونية ـــ حسين جمعة

غدا من المسلمات لدى الشرق والغرب أن الديمقراطية أساس الحرية ومفتاح التقدم الاجتماعي والسياسي والمعرفي والاقتصادي والعسكري… والهوية الفاقدة للحرية فاقدة للسيادة والمعرفة المسؤولة؛ فاقدة لعناصر التسامح والاعتراف بالآخر والانفتاح عليه بصدق وحيوية.‏

فالبيت الذي لا تنفتح فيه النوافذ للهواء والشمس ـ كما قال طاغور ـ ينتهي به الأمر إلى الفساد وتخلف أبنائه، وازدياد جهلهم لازدياد عزلتهم.‏

ولهذا أصبحت الديمقراطية مطلباً معرفياً كونياً واسعاً لكل من يؤمن بإنسانية الإنسان؛ ولكننا نرى ـ في الوقت نفسه ـ أنها تعد أحد جناحي المعرفة الشمولية. فهي تتعمق في صميم الأنساق المعرفية كلما انفتحت على الثورة المعلوماتية التي حصلت بفضل التقنيات الحديثة؛ هذه التقنيات التي تسود في عصر الاتصالات والفضائيات والأنترنت هي التي خلقت ما عرف بمصطلح الفجوة الرقمية (The Digital Divide). ومن هنا فالأمة التي تغلق أرضها في وجه ثورة الاتصالات ولا تفتح نوافذها لها هي أمة مصابة ـ من دون شك ـ بالجمود والتخلف والخروج من التاريخ، وفاقدة لشرط البقاء الموضوعي التقدمي لأن التقنيات غدت حاجة ضرورية كالماء والغذاء؛ وأضحت مصدر القوة الأساسية للتفوق الحضاري في عالم اليوم.‏

وبهذا صار المشروع القومي أكثر حاجة إلى التقنيات من أي شيء آخر بمثل حاجته إلى الديمقراطية المسؤولة والصحيحة. فالتقنيات هي التي تؤسس للمجتمع المعرفي مستقبله المتقدم، وبها يخلص نفسه من عوامل الفقر والجهل والتخلف علماً أن العلاقة بين الديمقراطية والحكومة الإلكترونية ـ اليوم ـ أصبحت حقيقة متكاملة وساطعة لا يجحدها إلا مغفل. فالانترنت والاتصالات الإلكترونية عمّقت مفاهيم الديمقراطية ومجالاتها، ولم يعد بإمكان أحد في الداخل والخارج أن يمنع الناس من استعمال تقنيات الاتصال للتعبير عما يريد. فاليوم ـ في سورية مثلاً ـ يحمل البريد الإلكتروني آلاف الرسائل التي تتعلق بشؤون حساسة وخاصة، قد يصل قسم منها إلى تجاوز الخطوط الحمراء... كما ذكرته صحيفة العرب الأردنية ـ تاريخ ـ 12/2/2006م.‏

وما من أحد منا لم يعد يدرك قيمة التقنيات باعتبارها عوامل تقدم وسيطرة لدى الدول الصناعية، ولعل الهند كانت أكثر وعياً من البلاد العربية لقيمة الحكومة الإلكترونية، مقتدية بهذا السلوك بما فعلته اليابان التي تسيطر اليوم على نسبة 44% من إنتاج الإلكترونيات وصادراتها؛ وهي التي وضعتها في صفّ الدول المتقدمة، حين قاسمت دول الشمال أشكال المعرفة الحديثة, ما جعلها تنتزع عوامل حريتها وارتقاءها انتزاعاً وتجلس في صفوفها الأولى على الرغم مما أصابها من تدمير الحرب العالمية الثانية.‏

فالتنمية الاجتماعية والاقتصادية مرتبطة هذه الأيام بتقنيات الفضاء والإعلام والاتصالات والإنترنت و.. وما دمنا غير قادرين على صناعة هذه التقنيات واستثمارها على نحو أمثل فسنبقى متخلفين، مستعبدين ليس لنا مهمة إلا أن نتحول إلى سوق استهلاكية لها. ومن ثم ستفقد الهوية العربية مضامينها الروحية والثقافية. فإذا كنا نؤكد في كل لحظة حاجتنا إلى الديمقراطية فعلينا أن نؤكد حاجتنا لمنظومة المعلوماتية المتقدمة، وكل منهما يحقق لنا الذات الوطنية والقومية إذا ما استثمرتا وفق قواعد العقل والمنطق المدروس.‏

ولعل المؤشرات المشجعة إلى ذلك كله في البلاد العربية ما حصل في قمة تونس 16 ـ 18/11/2005م ، وإن أثبتت هذه القمة مدى الفجوة الرقمية بين العرب وغيرهم. فقائمة الدول المنتجة للإلكترونيات والرقميات والبالغة /55/ دولة ليس فيها أي دولة عربية؛ على حين يتصدر التقسيم الرقمي‏

(The Digital Divide) عدد من الدول الغربية وبعض دول شرق آسيا كالسويد والنرويج والولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا وأستراليا وسنغافورة وهولندا واليابان وكندا وألمانيا وهونغ كونغ. ولهذا فإن استمرت الفجوة الرقمية بين العرب وغيرهم على ما هي عليه فسوف تؤدي إلى تشويه الانتماء الوطني والقومي، وستخلف إشكاليات متتالية للهوية العربية التي تسعى إلى التوفيق بين الأصالة والمعاصرة. فالزمان معركتنا والمعرفة سلاحنا كما قال إدوارد سعيد يوماً ما.‏

ومن هنا فالتحدي الأعظم الذي يواجه المشروع القومي لم يعد يتمثل بتباطؤ تطبيق الديمقراطية وحدها؛ وإنما أخذ يتجلى بمواجهة ثورة التقنيات وصناعة الثقافة الرقمية والمعلوماتية التي شرعت تهيمن على العالم؛ وتفرض شروطها عليه.‏

فإن لم نحسن التعامل مع التكنولوجيا الحديثة ونكسر احتكار الآخر لها فإن هويتنا الثقافية سوف تزداد تخلفاً. فالمرجعيات الرقمية ـ وإن كانت لا تحمل نمطاً واحداً، وكياناً ثابتاً ـ تحقق على الدوام توازناً مهماً بين العناصر المادية والروحية، وهو التوازن الذي أدركه أجدادنا من قبل حين اخترعوا الأرقام الغبارية، ونظام حساب الجمل. وهو النظام الذي طوروه إلى شكل من الرموز التي خدمت الفكر الإنساني؛ ولكننا حين ننظر إلى واقعنا ندرك كم نحن متخلفون.‏

لقد أدرك أجدادنا أن الهوية الشاملة جامعة لمرجعيات متغيرة ومتطورة تخدم معارفهم وعقائدهم، ما جعلها ترتقي إلى أنموذج حضاري متميز يوحي لنا اليوم بأن العقل العربي المعاصر مازال عاجزاً عن مواجهة المنجزات الحضارية الحديثة التي فجرت ثورة المعلومات.‏

ولكن علينا ألا نخشى هذه الثورة باعتبارها شكلاً من أشكال الحداثة وإنما ينبغي أن ننظر إليها في إطار ثورة العقل الإنساني الذي يطور ثقافته وفق الحاجة إليها. ومن ثم فالهوية العربية أحوج ما تكون إلى هذه الحداثة الرقمية لتأصيل ذاتها وارتقائها، مع إيجاد الحلول الموضوعية لما يواجهنا؛ لكيلا تقع أمتنا في دائرة هيمنة أي ثقافة تريد أن تثبت رؤيتها عليها.‏

ولعل التجارب العربية التي حصلت حتى اليوم في عدد من الدول العربية تؤكد مدى الشفافية في تعزيز التكيف بين الانتماء الثقافي والانفتاح على ثورة المعلومات والتقنيات؛ فالوعي العربي بثورة التقنيات لم يكن وعياً سكونياً يتشيأ للآخر، إنما سعى إلى التوفيق بينها وبين الهوية العربية.‏

وهذا ما نحتاج إليه لنرتقي به، مستثمرين عقولنا ومعارفنا لإحداث حكومة إلكترونية عربية تطور هويتنا الحضارية وتتخلص من الجهل، ولا تذوب في الآخر، وإلا فإن الفجوة الرقمية بيننا وبينه سوف تستمر بالازدياد، وسوف يزداد تخلفنا الاجتماعي والمعرفي والاقتصادي و.....‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244