جريدة الاسبوع الادبي العدد 995 تاريخ 25/2/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

في الكاريكاتورات الدانماركية..فصل في صراع وغرب لن يتراجع ـــ عبد اللطيف مهنا

لم تعد الكاريكاتورات الدانماركية دانماركية، بعد أن تلقفتها فأعادت نشرها متحدية، أو متضامنة، صحف أوربية عديدة ولا زالت إلى ازدياد، كما لم تعد أزمتها محصورة بين الدانمارك والعالمين العربي والإسلامي، بعد مظاهرة التضامن الأوربي الرسمي عبر اتحاده، ومن خارجه، مع كوبنهاغن. كما لم تعد بين الأوربيين والعرب والمسلمين فحسب، وإنما غدت مع الغرب بأجمعه، بعد أن تخلت الولايات المتحدة عن حذرها في التعامل مع المسألة فأبرق الرئيس بوش لرئيس الوزراء الدانماركي راسموسن شاداً أزره عبر إبداء التضامن معه وفق ما أعلنه الأخير، وزادت الولايات المتحدة عبر رئيسها ووزيرة خارجيتها فأدانت ا نتشار واتساع الاحتجاجات الإسلامية في طول العالم وعرضه على الفعلة الدانماركية، محملة سورية وإيران ومسؤولية هذا الاتساع وهذا انتشار، مطالبة حكام العرب والمسلمين أن يهبوا لإطفاء هذه الغضبة المدانة المستشرية! والآن، أما وقد تصاعدت هذه الاحتجاجات بالتوازي مع تصاعد مظاهر الاستفزاز التضامني الغربي، فالغرب جميعه يحرص على حصر المسالة أو تبسيطها وعلى الوجه التالي:‏

صحيفة دانماركية ارتكبت خطأ لا ضير إن كان مقصوداً في سياق ممارستها لحقها في حرية النشر الذي تكفله لها حرية إبداء الرأي، وحتى لا بأس إن كان وراء ما ارتكبت من إساءة لمشاعر الآخر المسلم دوافع عنصرية أو نية تحقيرية مادامت قد فعلت ما فعلت في سياق ممارستها لهذا الحق... وما ارتكبته هذه الصحيفة من خطأ بقصد أو من دونه ألحق أذى بمشاعر المسلمين نتفهمه ويستحق منا الأسف لكن لا الاعتذار، أما ردود الفعل الإسلامية عليه فمبالغ فيها حتى تجاوزت الحدود لدرجة خشية الرئيس بوش على حياة الديبلوماسيين الأبرياء وليس الحرص على دماء الأفغان المحتجين على الإساءة والتي سالت أمام قاعدة باغرام الأمريكية... وأن يهدد الرئيس شيراك باللجوء إلى مجلس الأمن إذا ما مُسّت سفارات بلاده في دنيا الإسلام، وتحديداً دمشق.‏

إذن الغرب الذي لايعرف المقدّس منذ أن انطلقت الحداثة الأوربية محمولة للعالم على سنان رسالته الاستعمارية، حيث تم ترجمتها بإبادات للغير سطرها التاريخ عناوين طالت مصائر الهنود الحمر في الأمريكيتين وأصليي أستراليا، وجنوب أفريقيا.‏

ودون أن ننسى قوافل الزنج المستعبدين الذين قضوا في أصفادهم وهم ينقلون في سفن القراصنة وتجار العبيد العابرة بهم للأطلسي... واستطراداً حربين كونيتين أبادتا خمسين مليوناً في أوربا نفسها. ويمكن إضافة ما عرف بالمحرقة التي ارتكبتها أوربا ضد يهودها ثم عوضتهم عنها، أو تخلصت منهم، على حسابنا في فلسطين... والجزائر، والأمثلة لا تنضب... هذا الغرب ينظر للمسألة على أنها بعض غيرة إسلامية ربما مشروعة لكنها مبالغ فيها، وعليه فردود الأفعال في دنيا الإسلام جراءها قد تجاوزت الحدود المقبولة عنده، ولذا لم يجد في هذه الحالة مناصاً من أن يُخرج من جعبته حجة حرية الرأي، ولا بأس إن كانت انتقائية، أي يجوز أن تصل هذه الحرية حدود الشتيمة والتحقير ضد الآخر، ولا تجوز في نفس الوقت في حالة أخرى هي مجرد التشكيك في ما عرف بالمحرقة مثلاً.. بل أصبح معروفاً الآن أن صحيفة "يولاندس بوستن" الدانماركية الرائدة في نشرها للصور المتمادية سبق وأن رفضت نشر كاريكاتورات تعرضت للسيد المسيح رادةً إياها لرسامها عازية ذلك إلى حرصها على عدم إيذاء مشاعر قرائها، كما رفضت إعادة نشر الكاريكاتورات الإيرانية المتحدية من يعيد نشرها حول تلك المحرقة... بل استحق وزير خارجية الدانمارك الأسبق أوفي ايلمان، أن ينعت في بلاده بالجنون لأنه تجرأ فطالب بإبعاد كارستن يوستن عن رئاسته تحرير الصحيفة التي تسببت بما تسببت به من أضرار لحقت بمصالح بلاده في العالمين العربي والإسلامي.. هذا ما يراه، أو ما يريد تصويره الغرب، فماذا عنا نحن العرب والمسلمين؟!‏

في لجة الجدل الدائر الآن بالتوازي مع تصاعد الغضبة في الشارع العربي والإسلامي وخفوتها رسمياً بحيث لا تكاد تسمع، أو حيث تم نقل الراية إلى الشارع بعد أن عجزت عن رفعها الحكومات، وتعدى الخطأ المقصود حدود الدانمارك ليغدو أوربياً فغربياً، تضيع جملة من الأبجديات التي يصب ضياعها في صالح الغرب... وهي أبجديات سوف نعرض لها لاحقاً... لكن لنتوقف أولاً أمام المشهد الدانماركي في ظل المسعى الغربي لرسم حدود المسألة، كما سبق وأن بيّنا أي تصويرها في أقصى حدودها، وهذا ما وقع فيه البعض منا، كأنما لا تعدو فشلاً دانماركياً في احتواء الأزمة المتصاعدة، كشف عن قلة خبرة في إدارة الأزمات لدى حكومة بلد الأجبان والأبقار الحلوبة، التي ربما دفعها التعصب، ووباء الإحساس بالمركزية الأوربية، إلى إنتاج سياسة خرقاء زادت من تصاعدها، بحيث قد لا تنتهي فصولاً دونما اعتذار تصر كوبنهاغن على عدمه انتصاراً لحرية الرأي مستصرخة التضامن الأوربي المتوفر، ودونما ملل من دعوات تطلقها للحوار مع ذاك الآخر المهان المتعذر إدارته في مثل هذه الحالة موضوعياً، أو الكلام المتواصل عن الاحترام المتبادل، الذي دللت الكاريكاتورات وإعادة نشرها على عدم توفره...‏

وعليه، لا عجب أن نسمع راسموسن يدعو مثلاً إلى "الهدوء والتعقل لأن الوضع خطير"، ملاحظاً أن بلاده تواجه "أزمة عالمية متصاعدة لم تختبرها من قبل"، وهي بالتالي، ترغب في التهدئة! ومن ثم يطالب بإيجاد "جو إيجابي"، داعياً المسلمين إلى النظر أبعد من "العناوين والمبالغات"! وزاد وزير خارجيته فاستنكر ما اعتبرها عملية "تخويف الدانمارك"، مهدداً بأن المسألة قد تعدت حدود بلاده عبر تلويحه بكونها قد أصبحت قضية أوربية أو غربية... بالمناسبة، شعار وحرية رأياه، أصبح الصرخة المفضلة غربياً ، لدرجة أن صحيفة سويدية طرحت مسابقة لرسوم كاريكاتورات شبيهة بسيئة الصيت لإثبات أن حرية الرأي أهم من الدين!!! أما هذه الأبجديات، التي تبدو أنها عرضة للضياع جراء محاولات توجيه الغضب الإسلامي ليقع في حبائل المراد غربياً فهي:‏

أولاً: إن ما ارتكب من خطأ مقصود ضد المقدس الإسلامي، وما يرمز له النبي العربي ( بالنسبة لأمة فخورة بموروثها القيمي والحضاري، وبما يعنيه لها هذا الرمز المحمدي لهويتها القومية، ليس مجرد تطاول دانماركي مسّ معتقداتنا فاستوجب من المسيء اعتذاراً يرفضه، وإنما لابد من إدراك أن هذا التطاول المشين يأتي في سياق حملة أوسع نطاقاً، أو هو مجرد فصل في صراع شامل، ومظهر من مظاهر تداعيات عدوان قديم جديد، يُشنّ في سياق خدمة مشروع غربي مرت عليه في بلادنا القرون... مشروع كان ويظل يستهدف أولاً وأخيراً إخضاعنا، الأمر الذي لا يتم إلا بتهشيم قيمنا، وتحطيم معنوياتنا، وتشويه موروثنا التاريخي والحضاري، وتمزيق هويتنا، وإذلالنا، وصولاً إلى اختراقنا عبر المستلبين منا، ومن ثم تفتيتنا، ليسهل بالتالي إنجاز هذا الاستهداف الأساس، أي عملية إخضاعنا، وعليه، فإن تمزيق أعلام الدانمارك، أو رشق سفاراتها المنتشرة في العالم الإسلامي بالحجارة أو حرقها... وحتى مقاطعة بضائعها وإلحاق الخسائر بشركاتها واقتصادها على أهمية ذلك... ليس سوى تنفيس لغضبة مبررة على إهانة جارحة، لكنه لا يرتقي بحال لمستوى الرد المطلوب على هجمة شرسة وأوسع نطاقاً تستهدف وجوداً وهوية وحضارة...‏

لأنه لن يكون احتجاجاً حقيقياً، إلا إذا تجاوز الدانمارك باعتبارها حلقة ثانوية في هجمة أشمل، لأن، وهذا على سبيل المثال، ما اقترفته الصحيفة الدانماركية ليس سوى نقطة في بحر ما تقترفه هوليود على مر العقود، ثم، وبالعودة للشأن العراقي، لابد وأن نطرح على أنفسنا سؤالاً يقول: ماهو دور الدانمارك في السياسة الأمريكية الخارجية إجمالاً، أو في المشروع الأمريكي الذي نواجهه في بلادنا تحديداً؟‏

أي، بلغة أخرى، أوليس على من يريد مقاطعة الدانمارك، وهذا واجب وحق مبرر، عليه أيضاً مقاطعة أميركا وإسرائيل ومعهما بريطانيا، وكل من يلتحق بهذا الحلف الجهنمي الاستعماري ضدنا؟ بمعنى، أوليس هو في موقع المطالب بأن لا يجتزئ استسهالاً حلقة ثانوية من سياق أشمل وأخطر وأدهى تواجهه أمتنا العربية والإسلامية بل وربما العالم بأسره؟!...‏

وثانياً، إن مقدساتنا التي مست، وشخص نبينا الكريم خير ما يرمز لها، لا تقتصر على معتقداتنا فحسب، وإنما الوطن والكرامة أيضاً هما جزء لا يتجزأ منها... الهوية والحضارة والتاريخ... يمسّ قيمة القيم جميعاً في موروثنا، أي الإنسان، ذاك الذي أهين في أبو غريب، وغوانتينامو، واستبيح في الفلوّجة، وكل المواضع في فلسطين المحتلة، بحيث جاز القول بأنه لم يعد لدينا مالم يهينوه بعد... أي مايعني أن على من ينتصر إلى الإسلام بانتصاره لنبيّه الأكرم، محتجاً على الكاريكاتورات الدانماركية، عليه أن يدافع عن هذا الإسلام وما يرمز له خاتم الرسل في فلسطين والعراق ودارفور، وأن يحول أيضاً دون نقل لبنان إلى الموقع الآخر... وهنا علينا أن نولي كل الاحترام لرمزية ما تعنيه تظاهرة الأقباط المصريين احتجاجاً على الفعلة الدانماركية...‏

... علينا أن نضع الكاريكاتورات الدانماركية أو الخطأ المقصود، وعدم الاعتذار عنه، في سياقه العام، وأن نتذكر أولاً وقبل كل شيء أن الغرب لا يعادي إلا الإسلام المقاوم لهيمنته والعقائد الممانعة لإملاءاته... وعلينا أن ننظر للمسألة الدانماركية وقد تحولت إلى صراع إرادات... من تنكسر شكيمته أولاً؟!..‏

... وعلينا أيضاً، أن لا نشك للحظة بأن الغرب ليس في وارد التراجع، لذا يظل السؤال المهم المطروح علينا هو:‏

كيف ندير معركتنا معه... تلك المعقدة وطويلة الأمد... والمفروضة علينا..؟!..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244