جريدة الاسبوع الادبي العدد 995 تاريخ 25/2/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

عودة الروح ، عودة السياسة ـــ طيب تيزيني

مع ظهور النظام العالمي الجديد في العقد الأخير من القرن المنصرم، راح يُفصح عن نفسه اتجاه إيديولوجي مدعّم –بقدْر أو بآخر –بتحولات على الأًصعدة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والدبلوماسية. أما هذا الاتجاه فقد تحدد في محاولة إقصاء السياسة من حياة المجتمعات ممارسةً وفكراً، وفي الاستبدال بها بحقلاً آخر تعاظم شيئاً فشيئاً، ليكتسب مصطلحاً أصبح شائعاً وفاعلاً في العلاقات الدولية؛ ذلك هو مصطلح "عسْكرة العالم". وقد أتى ذلك متوافقاً، بالاعتبار الوظيفي، مع بنية النظام العالمي المذكور، الذي يمكن مقاربته تعريفيّاً بكونه نظام يسعى إلى ابتلاع الطبيعة والبشر، وإلى هضمهم وتمثُّلهم، ومن ثم إخراجهم سِلَعاً في "سوق سِلْعية كونية". وإذا كانت هذه السوق تقوم على إعادة بناء العالم، فإنها تغدو المصهر الذي على الجميع أن يمرو بها، كي يكتسبوا هوياتهم، بمافي ذلك منظومات القيم الأخلاقية والجمالية والنفسية.‏

لقد أتت عملية تكوُّن السوق المذكورة بمثابة إشارة إلى ما راح يُسوَّق تحت مصطلح "القرية الكونية الواحدة". ومن شأن ذلك أنه أنتجَ حالتين اثنتين، عسكرة العالم وإقصاء السياسة،كما ورد فوق، وتسْليع العالم. وإذا وضعنا ذلك أمام أعيننا، فإننا سوف نأخذ مقولة ماركس التالية على نحو جدي: إن انحطاط العالم الإنساني يتناسب طرداً مع ازدياد قيمة عالم الأشياء.‏

ويلاحظ أن ذلك التحول العالمي الهائل أتى في مرحلة لاحقة على ما سبقه من تحول بنيوي في المجتمع العربي، خصوصاً مع المرحلة التي تأسست على "الطفرة النفطية" منذ البواكير الأولى لسبعينيات القرن العشرين. فها هنا، اشتبكت عناصر كبرى(خصوصاً على صعيدي الاقتصاد والسياسة)، لتُفضي بهذا المجتمع إلى "الخروج من جلده"، فإذا أقررنا، أوليّاً أن مشروعاً سياسياً وطنياً وديموقراطياً كان في طور التخلّق ضمن عدد من البلدان العربية، ومنها سورية خصوصاً، مستِنداً في ذلك إلى الإرث الوطني الديموقراطي، الذي جاء في مرحلة مابعد تحقيق الاستقلال، فإننا سنلاحظ أن هذا المشروع راح يُبتلع رويداً رويداً، ليخلّف نمطاً من "المجتمع" قد نطلق عليه –بحسب علم الاجتماع السياسي-مصطلح "المجتمع الأمني أو النظام الأمني". أما أخص خصائص هذا الأخير –وهو ما يهمنا هنا –فتتمثل في ابتلاع "السياسة والمجتمع السياسي" لصالح تغيير أو انقلاب في العلاقة بين السياسة والحرب، وبين السياسة والأمن.‏

وسوف نجد أنفسنا –والحال كذلك- أمام معادلة قديمة هي: "الأمن أو (الحرب) هو امتداد للسياسة،وإنْ بوسائل أخرى"، تُخلي المكان لواحدة أخرى جديدة تقوم على مايلي: (السياسة هي امتداد للحرب، أو للأمن، وإن بوسائل أخرى). وإذا بحثنا عن مرجعيتيْ المقولتين، ظهر أن مرجعية الأولى تعود إلى مجتمع سياسي ينطلق من أن ركيزة التقدم المجتمعي تقوم على صراعات سلمية سياسية. وقد تعمقت هذه المرجعية خصوصاً في مرحلة الصراع بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي، في حينه، إلى درجة أنتجت مقولة "التعايش السلمي". كما هو معروف أن العالم الاستراتيجي كلاوزفيتش هو الذي صاغ المقولة الأولى (مقولة السياسة والمجتمع السياسي). أما المقولة الثانية (مقولة الأمن والحرب) فتجد مرجعيتها في النظام العالمي الجديد وما ينتجه من مصطلحات عسكرية حربية، مثل الحروب الاستباقية والحروب التخيّلية أولاً، كما في النظم العربية (وغيرها) التي أنتجت نظماً أمنية (أو دولاً أمنية) يمكن تعريف مبدئها الحاسم بكونها دولاً تسعى إلى إفساد من لم يُفسد بعد، بحيث يصبح الجميع ملوثاً ومُداناً تحت الطلب.‏

إنها حالة طريفة تجمع بين الحالتين المذكورتين على صعيد الموقف من السياسة والأمن والحرب، مع فارقٍ يقوم على أن النظم العربية سبقتْ النظام العالمي الجديد في التأسيس لأولوية الأمن (الحرب أو العسْكرة) على السياسة؛ وفي أن الدولة الأمنية تجد مجال فعلها بين حدود بلد بعينه في حين أن عسْكرة العالم بمقتضى النظام العالمي الجديد تجد مجال فعلها وانتشارها في العالم كله. لكن الملاحظ المدقق يضع يده على بداية جديدة لكل من الحالتين، بداية النهاية للنظام المذكور في إحدى مقاطعات الولايات المتحدة ذاتها، في سياتل، وبداية النهاية للنظام الأمني العربي تحت قبضة اختراقه الضخمة من قبل الولايات إياها، دون أن يكتشف هذا النظام أن رهانه هو الشعوب العربية في أساس الأمر، مع الكف عن اللعب والمراوغة العابثين مع ذاك ضد هذه.‏

إن عصراً جديداً يعلن عن نفسه في الوطن العربي، هو عصر الديمقراطية، الذي لن تصمد أمامه أية محاولة للّعب عليه، أو التنصّل منه، خصوصاً مع التأكيد على أن ذلك سيكون المدخل إلى اجتراح مشروع وطني وقومي ديموقراطي يحافظ على الكرامة والهوية والقدرة على التقدم. إنها عودة الروح!..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244