|
جمعية النقد الأدبيّ في وقفة مع الذات ـــ عبده عبود
لم تكن الجلسة التي عقدتها جمعية النقد الأدبي في اتحاد الكتّاب العرب بتاريخ 15/1/2006 مجرّد جلسة انتخابية عاديّة تسفر عن انتخاب مقرّر وأمين سرّ جديدين، بل كانت أكثر من ذلك بكثير: كانت أولاً وقبل أيّ شيء آخر وقفة انتقادية مع الذات، وجلسة تقويم وتقييم انتقاديين لأداء الجمعية خلال سنة 2005، فهذا التقويم ضروري جدّاً لإظهار الإيجابيات بغية تعزيزها، وتحديد السلبيات بغية تلافيها. وفي مقدمة الأسئلة التي كان على المجتمعين أن يجيبوا عنها سؤال: لماذا تراجع حضور الاجتماعات والنشاطات من قبل الأعضاء؟ فمن أصل (56) عضواً مسجّلاً في الجمعية لم يشارك في الاجتماع السنويّ سوى (8) ثمانية أعضاء، أي قرابة (13%)، أما الاجتماعات الدورية الشهرية فيندر أن يحضرها أكثر من ستة أعضاء، وهذا أمر غير طبيعي بالنسبة لجمعية أساسية من جمعيات الاتحاد يعوّل عليها الشيء الكثير، ويُنتظر منها أن تؤدي دوراً فاعلاً على صعيد الحياة الأدبية السورية.فالنقد الأدبي قد كان دائماً رافعة أساسية للنهوض بالأدب وتطويره. وقد توقف المجتمعون أمام ظاهرة تراجع الحضور والمشاركة، وقدموا تفسيرات مختلفة لها. فمنهم من أرجعها إلى عزوف عامّ عن الثقافة على مستوى المجتمع السوريّ بأكمله، بدليل أن جمهور معظم النشاطات الثقافية محدود جدّاً، وقد لا يتجاوز عدد أفراده عدد أصابع اليدين. ومنهم من عزا تلك الظاهرة إلى ضعف الاتصال والتواصل بين أعضاء الجمعية، الذين شكا بعضهم من أن محاضر الجلسات لا تصله، وأنه لا يعرف بالاجتماعات والنشاطات إلاَّ بعد فوات الأوان. وهناك من أشار إلى ضعف التغطية الإعلامية لنشاطات الجمعية، وإلى بُعد المكان الذي تتم فيه وسوء التوقيت. إنَّ هذه الأسباب كلها وجيهة وتستحق أن تؤخذ في الحسبان والاعتبار. إلاَّ أنَّ هناك سبباً جوهرياً آخر يتوقف عليه نجاح الجمعية إلى حدّ بعيد، ألا وهو جدوى وقيمة وأهمية النشاطات التي تقوم بها الجمعية، من قراءات شهرية، وندوات مركزية وفرعية. هل تختار الجمعية لنشاطاتها هذه مواضيع مهمّة تشغل بال النقاد والأدباء والمثقفين وتثير فضولهم المعرفيّ بما تنطوي عليه وتطرحه من أسئلة وقضايا؟ وهل تكلّف الجمعية أشخاصاً أكفاء ومعروفين بأن يعالجوا تلك المواضيع بالشكل اللائق؟ فالمرء، كما ذكر أحد الزملاء، مستعدٌ لأن يضحي بشيء من وقته وجهده، ولأن يجشّم نفسه عناء السفر ونفقاته من أجل أن يشارك في نشاط ثقافي مجدٍ ومفيد، ولكن لا يجوز لنا أن نتوقع من أعضاء الجمعية أو من غيرهم أن يسافر أحدهم من حلب أو حمص أو اللاذقية ودير الزور إلى دمشق لمجرد حضور اجتماع دوريّ ليس له كبير أهميّة، أو نشاط ثقافي ليس له كبير فائدة أو جدوى. فللناس مشاغلهم الكثيرة، وأوقاتهم محدودة، وكل يحسب وقته بدقّة وينفقه على ماهو أهمّ وأجدى.
تلك هي أهم الأفكار التي طُرحت في الاجتماع السنوي الانتخابي لجمعية النقد الأدبي، وهي أفكار صحيحة كلها، وقد شكل طرحها ومناقشتها وقفة صريحة وانتقادية مع الذات، وعلى أية حال فإن نجاح الجمعية في تأدية دورها الثقافي يتوقف على ثلاثة عوامل أساسية هي: تطوير بنيتها الداخلية وتواصل أعضائها مع إدارتها، وتقديم المنتج الثقافي الجيد الذي يلبي حاجة ثقافية لدى الجماعة المستهدفة؛ والتعريف بذلك المنتج والإعلان عنه وإيصاله إلى المتلقين بصورة مناسبة، فهل تنجح جمعية النقد الأدبي في توفير تلك المستلزمات والشروط؟ سؤال لا نتوقع من إدارة الجمعية أن تجيب عنه بمفردها، لأنها لا تعدّ نفسها سوى مرجع تنسيقي، يجمع المقترحات وينسقها ويحوّلها إلى خطّة عمل. إن الجواب يجب أن يأتي من كلّ أعضاء الجمعية، وكلّ الناشطين في الحقلين النقديّ والأدبي، وكلّ المهتمين والمعنيين بالأدب في القطر العربي السوريّ، فاليد الواحدة لا تصفّق ويد الله مع الجماعة.
|