جريدة الاسبوع الادبي العدد 995 تاريخ 25/2/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

عبد الرحيم الحصني الأصالة العربية 1929- 1992 ـــ عيسى فتوح

عبد الرحيم الحصني شاعر كلاسيكي أصيل، ولد في حمص عام 1929، وتلقى دراسته  الإعدادية والثانوية في الكلية الشرعية بحمص حتى نال الشهادة الثانوية. عمل بعد تخرجه في بلدية حمص، ثم تفرغ للعمل في فرع اتحاد الكتاب العرب.

بدأ كتابة الشعر عام 1949، ونشر أولى قصائده عام 1951، وانتخب عضواً في لجنة الشعر في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، واتحاد الكتاب العرب (جمعية الشعر)، وحضر العديد من الندوات والمؤتمرات والمهرجانات الأدبية والشعرية في سورية والبلدان العربية والأوربية كمهرجان البحتري بدمشق 1961، ومهرجان أبي فراس الحمداني بحلب 1964، ومهرجان الشاعر الباكستاني محمد إقبال بدمشق 1964، ومهرجان الشريف الرضي باللاذقية 1964، ومؤتمر الأدباء العرب الثامن بدمشق 1971، ومؤتمر الأدباء العرب بدمشق 1979، ومؤتمر ابن عساكر 1979..

حصل على درع نادي مكة الثقافي، وعلى ميداليتين برونزيتين من الاتحاد السوفييتي السابق، وميداليتين برونزيتين إضافة إلى الوسام الذهبي للشعر من بلغاريا، وعلى الجائزة التقديرية من معهد التراث العلمي بحلب.

أصيب بمرض عضال تحمله  بصبر جميل حتى وافته المنية في السابع عشر من نيسان عام 1992، وهو في الثالثة والستين من عمره،وفي قمة العطاء، وذروة التدفق الشعري.

آثاره الشعرية

أصدر الشاعر عبد الرحيم الحصني خمسة دواوين هي: "أمواج" 1974، و"أناشيد متمردة" 1981، و"ملحمة التلة" البلغارية 1981، و"ألحان ثائرة" 1982، كما أصدرت له دار طلاس بدمشق ديواناً أخيراً ضم مختارات من شعره.

شعره

طرق الشاعر عبد الرحيم الحصني عدة أغراض شعرية تنوعت مضموناتها بين الشعر القومي والوطني والإنساني والعاطفي والغزلي... واحتل شعر المناسبات حيزاً واسعاً في دواوينه، لأنه كان يلبي جميع الدعوات التي توجه إليه للمشاركة في هذه المناسبات، فقد نظم عدة مطولات شعرية مثل: الجلاء والقدس، وأبطال حرب تشرين، ورثاء وصفي قرنفلي، والشهداء الذين سقطوا في معارك حزيران 1967 والفدائيين وغيرها...

يقول في قصيدة "عيد الجلاء" مخاطباً سورية:

غنيت عيدَكِ حمداً هانئاً وهوىً

 

 

أسخى من الغيث إذ ينقى وينهمر

لولا الجلاءُ وما بعد الجلاء لما

 

 

طاب الرحيقُ على مغناك والسمر

يا موسمَ النصر في نيسانَ موعدُهُ

 

 

دانت بحرمتك الأيامُ والعُصُرُ

لم تدرِ عنك فرنسا ما حملت لها

 

 

حتى رأت كيف نجمُ السعدِ ينحدر

ويقول في قصيدة "تحية لأبطال تشرين" التي ألقاها في المهرجان الذي أقامه اتحاد الطلاب العالمي في كانون الثاني 1974 على مدرج جامعة دمشق:

تشرينُ حطّمْ جدارَ الصمتِ واروِ لنا

 

 

من الملاحم فصلاً يُسكر الحُقَبَا...

كيف النسورُ على أطوادهم عبروَا

 

 

مسرى النجوم؟ وكيف استصغروا السُّحُبَا

وكيف حازوا إباء الجو واتخذوا

 

 

من غرّةِ الشمسِ ريشاً والهجيرِ صَبَا

كما نظم تحت عنوان "ملاحم قلب" عدة مطولات لم تخنه القافية أو تستعصي عليه في أي بيت من أبياتها، كما في قصيدته "الشاعر الأمير" التي ألقاها بمناسبة إزاحة الستار عن تمثال الشاعر أبي فراس الحمداني الذي أقيم في الحديقة العامة بحلب 1963، وبلغت أبياتها أربعة وخمسين بيتاً، وتغنى فيها بماضي الشهباء وأمجادها، وذكريات حبه القديم فيها قائلاً:

يا مربعَ الخلدِ عهدُ الحبِ ما برحت

 

 

تنساب أنسامُهُ وثّابةً فينا

هنا قضينا طفولات الهوى مَرَحاً

 

 

هنا طلعنا على الدنيا حساسينا

يا موعدَ الحب بالشهباءِ ما ابتسمتْ

 

 

خمائلُ الحبِ إلا عن تصابينا

لي في "سبيلك"[1] أفياءٌ قضيت بها

 

 

أندى اللباناتِ من أندى ليالينا..

وكما خص مدينة حلب ببعض مطولاته، كذلك خص مدينة حماة –جارة حمص-بقصيدتين تعدان من عيون شعره في المدن، حيا فيهما بطولاتها المعروفة، واستعاد ذكرياته الحميمة مع أدبائها وشعرائها البارزين أمثال بدر الدين الحامد (1897-1961)، وقدري العمر وسامي السراج قائلاً:

شمم يثور وعنفوانٌ يزأر

 

 

أحماةُ ذكركِ في الملاحم عنبرُ

وأنا، أنا من تعرفين قصائدي

 

 

أبداً لتمجيدِ البطولةِ تُنذر

ما خنتُ عهدكِ يا حماةُ ولا انقضى

 

 

ولهي بمجدك والردى يتنمّر

أما قصيدته "قطاف الذكريات" التي ألقاها في مهرجان الشعر الخامس في مدينة اللاذقية عام 1964، فقد دافع فيها عن حرمة اللغة العربية وقدسيتها لغة عدنان قائلاً:

وكم دخيلٍ على الفصحى تناولنا

 

 

ونحن نشفع آلاماً بغفران

دربٌ لعدنانَ مازلَّتْ به قدمي

 

 

جاوزت دون هواه ألفَ ميدان

وإذا ما قصد اللاذقية فلابد أن يمر بمدينة بانياس، ويعرج على (رأس النبع) ليشرب من مائه العذب النمير، ويقضي في مقصفه أمتع السهرات، وأبهج الليالي الملاح قائلاً:

يا بانياسُ لياليَّ التي سلفتْ

 

 

على الضفافِ مدى حبي وإكرامي

يا سهرةً عند (رأس النبع) بتُّ بها

 

 

نزيلَ حبٍ وإحسانٍ وإنعام

يا جارةَ النبعِ يا وحيَ الشبابِ إذا

 

 

بكيت ما مرَّ من عمري وأعوامي

يا جارةَ النبع لا وجدي بمتئدٍ

 

 

على هواكِ ولا صبري بمقدامِ

يا بانياس أغاريدي لك انطلقت

 

 

ورفرفت بين أنسامٍ وأنسامِ

فإذا تركنا قصائده الطويلة التي قالها في المدن والمهرجانات ، طالعتنا قصائده المؤثرة الحزينة التي رثى بها أصدقاءه الراحلين من أدباء وشعراء كسامي الكيالي (1898-1972)، ونظير زيتون (1896-1967).  ووصفي قرنفلي (1911-1972)، الذي عاش معه، بادله الشعر، وكان –كما يقول-أنيسه ورفيقه في حياته المعذّبة التي نغصها المرض والألم والوجع، فخرجت قصيدته في رثائه التي بلغت أربعة وستين بيتاً، قطعة من كبده. ممتزجة بدمع الوفاء وعبرات المحبة:

ودعت يومَ رحلتَ السعدَ وانطفأت

 

 

عندي الشموعُ وجفّ اللحنُ والوترُ

أبكي وأبكي فلا الأيام دافعةٌ

 

 

ما نُحْت منه، ولا السلوانُ مقتدرُ

والذكرياتُ اللواتي كنَّ لي مُتَعَاً

 

 

لم يبقَ حوليَ من آثارها أثر

إلى أن يقول:

وصفي! وأين العشياتُ التي سلفت؟

 

 

أبعدَ تلك الأماني يُؤْلف العُمُرُ؟

كم صيحةٍ لك في وجه الطغاة وكم

 

 

مادت عروشٌ بها واستسلمت سُرُرُ؟

مابعتَ شعركَ في سوقِ النفاقِ ولا

 

 

ساومتَ إذ ساوم الجهّالُ واتجروا

(سرابك)العذبُ هام الظامئون به

 

 

فيمّموه ، ولما مسّهم سكروا

وأنت فوق ذرا الآلام مؤتلقٌ

 

 

ومشعلُ النصرِ في يمناك يستعر

أخا القصيدِ حملتَ الداءَ مرتضياً

 

 

وقلتَ للخوفِ هذا دربك الوعر!...

ونقف أخيراً عند قصائده الغزلية لنشير إلى اقتضابها، وتقلص عدد أبياتها،  لأنه لم يكن يقف فيها أمام الجماهير، بل أمام قلبه الخفاق، ينصت إلى وجيبه ودقاته، وهو يتأمل (ليلى) بنت السواحل التي فتنه جمالها الآسر، حين وقع بصره عليها وهي تسبح تارة في شط اللاذقية، وتستلقي على الرمال تارة أخرى قائلاً:

أتذكرين َ جمالَ البحرِ والهفي

 

 

لو كنتُ للشاطئ الفضي أنساما!

يومَ ارتميتِ بأحضانِ المياهِ وقد

 

 

تنفستْ أرجاً  عذباً ونماما

تألق الرملُ مزهواً بضَيفتِهِ

 

 

وراح يلثم كالمجنون أقداما

وموجةٌ  راحت الأخرى تسائلها

 

 

أختاه، أيُّ صباحٍ نيّرٍ عاما؟

أرجعتِ لي الشعرَ يا (ليلى) وها أنذا

 

 

أذيب روحيَ للأجفانِ إكراما...

ويعترف بأنه وإن شاب شعره فإن قلبه يظل شاباً  -يخفق بالحب، ويهيم  كلما لاح له خيال الحسن:

لا تقولي عصف الشيبُ به

 

 

لا يشيب البدرُ إلا في التمام

لم يزلْ قلبي فتياً في الهوى

 

 

كلما لاح خيالُ الحسنِ هام

بين جنبيَّ شبابٌ خالدٌ

 

 

ما أقام الحسنُ في الكونِ ودام

***

امتاز شعر عبد الرحيم الحصني بطول النَفَس، ووضوح المعاني، وفخامة الألفاظ، وجمال الديباجة، ومتانة التعبير، فهو يجد طريقه إلى القلب بيسر وسهولة، إذ لا تكلّف فيه ولاصنعة، ولا غموض... وهو صورة صادقة عن صفاء نفسه، ونقاء فكره، وصلابة عقيدته.

كان متمسكاً بقيم التراث العربي والأصالة العربية، وعمود الشعر الذي لم يتخلَ عنه حتى في قصائده الطويلة جداً..

لم تجرفه موجة التجديد في الشعر العربي المعاصر، على الرغم من اندياحها، وانحياز عدد كبير من الشعراء إليها، مؤكداً ذلك بقوله:

ثار الغويون (تجديداً) وما أنسوا

          من بعد ثورتهم دنيا ولا دينا



[1]-السبيل: منتزه جميل في حلب.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244