|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
قراءة في مجموعة قصصية ـــ د.خليل الموسى سأكون صريحاً وواضحاً ومباشراً وتقليدياً في قراءة هذه "المجموعة القصصية"، لأنّ النصوص التي بين أيدينا تتطلَّبُ ذلك كلَّه: تسعة نصوص أو قصص قصيرة تضمّها مجموعةُ "حوّاء وأصل الأشياء"، للكاتب القاصّ الروائي المسرحي الناقد السياسي وكاتب الخاطرة يوسف جاد الحق الصديق الحميم، وهي من منشورات اتحاد الكتّاب العرب بدمشق، لعام 2002، وتقع في مئة صفحة من الحجم الصغير. القصةُ الأولى: "حدث في تلك الليلة"، أو هواجس رجل درَّةُ هذه المجموعة، وقد تركها القاص وحيدةً، وكأنّه يدرك أنّها بمكانة المطلع من القصيدة، فأَبْعدَها عن عنوان الغلاف، وهي تبدأُ مباشرةً مع هواجسِ رجلٍ يخشى قدومَ لصّ في هذه الليلة الطويلة، بل إنَّه ينتظره بهلعٍ واضحٍ، وقد كان المكانُ والزمانُ مناسبين لهذا الحدث، وبخاصةٍ أنَّ مفتاحَ الصالة قد ضاع، ثمَّ إنَّ هذا الرجل البطل الراوي يتوقّف طويلاً عند صفاتِ هذا اللصِّ، وكأنَّه يعرفه معرفةً تامة، فإذا كان لكلِّ ذي مهنةٍ صفاتٌ محدّدةٌ فللصِّ أيضاً صفاتُهُ، كأنْ يكونُ نحيلاً وقصيرَ القامة ونشيطاً، وأن يرتدي لباساً يناسبُ مهنتَهُ، وينتعلَ حذاءً مطَّاطيَّاً، كما ينبغي عليه أن يخطّطَ لعمله، فيراقبُ المكانَ جيّداً، ويختارُ الليلةَ المناسبة لتنفيذِ خطَّتِهِ، وهذا ما جعل هذه الليلة الوقت الأنسب لذلك، فالزوجةُ تُهملُ اتخاذَ التدابير الأمنية المناسبة، والأطفال ينامون ليحلُمُوا، وهم واثقون من أنَّ أباهم أعظمُ أبٍ في الدنيا، وهو يضمنُ لهم السلامةَ والأمنَ، كما يضمنُ لهم أمنَهُم الغذائيَّ، والأبُ يرتعدُ هلعاً من ذلك اللصّ الذي لابدَّ من أن يجيءَ في هذه الليلة، ولما طال الانتظار واقترب الوقتُ من الفجر وازدادت هواجسُ الرجل حدّةً أخذ يسمع أصواتاً موهومةً، فقام أبو هشامُ مُشهراً يدَ الهاون لينقضَّ بها على الزجاج، وكانت سعادُ أمُّ هشامُ تُشعلُ نورَ الصالة لتسألَ زوجَها عمّا حدث. هذه قصّةٌ من قصص تيَّار الوعي والهواجس الشخصية بامتياز، قصّةٌ يُنيرُ فيها الراوي البطلُ داخله من خلال الهواجس المتلاحقة التي انقضَّتْ عليه دُفعةً واحدة، واستيقظت في لا وعيه، ولم تتركْ فرصةً لأن يعودَ لهذا الرجل وعيُهُ، وكان اللصُّ حاضراً بقوّة بالرغمِ من غيابهِ، وانتصرَ على البطل الذي لم يكن في الساحة سواهُ في الحقيقة، ولكنَّ اللصَّ الحاضرَ في لا وعي البطل دفعَهُ إلى أن يقومَ بأعمالٍ بطوليةٍ دونكوشوتية، فيستخدم الهجومَ بدلاً من الدفاع، وكان البطلُ المضاد الوهميُّ حاضراً في شعرية السرد، ومع أنَّ القصة تشكو من الامتداد في الهواجس والتباطؤ في التوتر إلاَّ أنَّ هذا الامتداد موظَّف في بنية النص. أما القصة الثانية: (شجاعة)، فهي قصّتان بينهما اتصالٌ وانفصال، فالاتصالُ سببيٌّ، وهو أنَّ ذبحَ الدجاجة التي لم تقترفْ أيَّ ذنب بحقِّ البطل قد سبّب له كلَّ هذه الهواجس والرؤى التي تدافعتْ على لا وعيه في المقطع الثاني (القصة الثانية)، ولذلك كان النّص الثاني مرتبطاً بالنص الأول ارتباطَ النتيجة بأسبابها والخاتمة بمقدماتها، والانفصالُ فيما بين النصّين فنّيٌّ، فالقصةُ قصتان: شجاعة ودجاجة فيلسوفة، وكأني بالقاص أدرك هذا الانفصالَ، فقسم النّص إلى فِقْرتين، أو ربما وجد النَّصَّ الأول قصيراً بالقياس إلى قصص المجموعة فأتّمه بالفقرة الثانية لتكونَ الصفحاتُ متقاربةً، فقدّم بعمله هذا غيرَ الفنّي على الفنّيّ. يتطابقُ عنوانُ "شجاعة" مع ما جاء في الفِقرة الأولى: طفلٌ رقيقُ القلب حسّاسٌ في مجتمع أحاديّ النظرة تقليدي ينتج رجالاً من نوع واحد، فالأمُّ تدفعُ ابنَها دفعاً لذبح الدجاجة المسكينة، والدجاجة ترتجفُ هلعاً بين يدي الطفل وهي تنظر إلى صيصانها نظرةَ الوداع الأخير، والأطفال يتحدونه في رجولته، ولذلك يُقدم على ذبح الدجاجة دونَ إرادة أو وعي. أمَّا الفقرة الثانية فأقترحُ لها عنواناً هو "دجاجة فيلسوفة"، وهي تسرد علينا ما حدث بعد الجريمة النكراء التي اقترفها البطلُ، وكأنَّه أوديب المدفوع بإرادة الأقدار، فقد وقع أسيراً للهواجس... صحيحٌ أنَّه لم يأكلْ من لحم الدجاجة، ولا شرب من مرقها، ولم يكن سعيداً كأمِّهِ وإخوته الذين التهموا كلَّ شيء، ولكنَّه هو المجرمُ الذي انتهكَ جسداً كانت صاحبته تمنحهُ كل يوم بيضة طازجة ولذيذة، ولذلك أنَّبَهُ ضميره، فتراءتْ له هذه الدجاجة في حوار رشيق طريف موظَّف جميل، فإذا هو ناكرٌ للجميل أولاً، وهو من جنس آدمي ليس في قلبه مكانٌ للرحمة أو الخوف بل هو جنسٌ متوحِّشٌ يتغذَّى على لحوم الآخرين، وهذا يذكِّرنا بدعوة المعري، بل هو جنسٌ لا تسوقُهُ سوى غرائزهِ ومصالحهِ، فالكرمُ الذي يتحدَّثُ عنه ويتبجَّحُ به أبناءُ هذا الجنس هو في الحقيقة فخٌّ لشرٍّ أعظمَ، فإذا ذبح أحدهم دجاجة أو خروفاً أو طيراً أو سمكةً ليدعو إلى وليمته مخلوقةً جميلة، فهذا لا يعبر عن خير، وإنما يشير إلى شر قادم، فهذه الوليمة لهذه الجميلة طعمٌ لينالَ منها وطره، وليس ذلك وحسب، ولكنَّ الجنس عند بني آدم متعةٌ خالصة، وهو شهوة منحطَّة، في حين أنَّه عند البهائم أرقى وأنبلُ، فهي لا تمارسه إلا للحفاظ على النسل(ص25). وتتجلَّى فلسفة هذه الدجاجة في الحوار المكثَّف الذي أداره الراوي في هذا القسم، فقد حاول البطل الجاني تسويغَ فِعْلَتِهِ بأنَّ أقدمَ على ما أقدم عليه رغماً عنه، ولكنَّ هذه الفيلسوفة تُجيبه بإجابات دقيقة مقنعة عقلانية يعترف من خلالها بأن عالمَ البهائم يمتلك من العقول الراجحة فوق ما يمتلك بنو البشر، بل إنَّ عالم البهائم منظم وعادل وتسود فيه المساواة الحقيقية (ص26-27). ثمة عيبٌ فنّيّ آخر في بنية هذا النص، وهو أن الكاتب أراد أن يتدخل في إنهاء هذه القصة الجميلة، ففرض على القارئ المسكين ما فرضه على الدجاجة، وهذا ما تجلَّى في المقطع القصير الأخير وهو الآتي: "رفرفتِ الدجاجة بجناحيها.. ارتفعتْ في الفضاء... رفرفَ موكبٌ هائلٌ من الدجاج الأبيض محلٌّقاً في أثرها... إلى أن اختفى عن ناظري تماماً.. تلفَّتُّ من حولي، فلم أر أيْ دجاجةٍ.. تنفَّسْتُ الصعداء وأغمضتُ عينيَّ مخلداً إلى نومٍ عميقٍ.. عميق". (ص29). أراد الكاتبُ من نصّه أن يقول شيئاً محدداً يخصُّه وحده، فأغلق باب التأويل والتخييل أمام القارئ المسكين الذي جدَّ واجتهد في قراءة هذا النص الجميل، وكان يظنُّ أنه صاحب النص لا ضيفٌ عليه، فإذا الراوي يستأثرُ بهذا المقطع بنصَّه، ويُغلق بابه، ويحتضنه، ليستسلما لنومٍ عميق عميق.. في حين كان القارئ يعودُ إلى كوخه بخفي حُنين. وتفضح القصة الثالثة (الصديقة) عالم الذكورة أكثر مما تفضحُ عالم الأنوثة، وإن حاول الراوي البطل المتكلم أن يُشير إلى غير هذه الحقيقة، فقد كان هو وزوجه يسرى أو زينب في قاعة الانتظار لمراجعة الطبيب النسائي حين دلفت الشابة الأنيقة جانيت، وأخذ الراوي يعقد موازنة صامتة بين هذه الشابة وزوجه مع أنهما من عمرٍ واحد، وآثر الصمت ابتغاءَ السلامة.. وكان يتمنى كعادة جنس الرجال أن تجلسَ هذه الصبية إلى جانبه، لعلَّ شيئاً من حرارة الجسد ينتقل إليه، لكنَّ زوجه كانت له بالمرصاد، ثم ابتدأت هواجس هذا الرجل وحواراته المتخيلة، فإذا هؤلاء النسوة يُحمِّلن أزواجَهُنَّ تبعةَ ماهنَّ فيه من حملٍ أو إرضاع أو أمراضٍ نسائية، وسرعانَ ما قامت العلاقةُ بين هذه الصبية وزوجه، فتهامستا، وانشغلت الزوجُ بصديقتها الجديدة عن زوجها الذي غدا وكأنه غريبٌ عنها، مع أنَّه كان يودُّ لو اشترك معهنَّ في الحديث، لكنَّ زوجَهُ تعرفُ ما يجول في ذهن هذا الزوج من أهواء إبليسية، ولما خرج مع زوجه من غرفة الطبيب انتحت الصديقتان جانباً، وتبادلتا القُبل وأرقام الهواتف. ثمة عيبان فنيّان في بنية هذه القصة الطريفة:الأول أن اسم الزوجة مختلف بين بداية القصة ونهايتها، فهي في البداية يسرى (ص30)، وهي زينب في النهاية (ص36)، والثاني أنَّ الكاتب يحبُّ دائماً أن يخنقَ نصَّه حبَّاً بالاستئثار بمعناه وتحديده تحديداً نثرياً نهائياً، فالمقطع الأخير (4)، مكوّنٌ من ثلاثة سطور تشّكلُ جنايةً على النص المفتوح على فضاءات القارئ والتأويل، وهو حشوٌ ومتوقعٌ ومستنتجٌ من المقدمات، وهو لا يزيد شيئاً فيما يريد أن يقوله الكاتب في الصداقات النسائية السريعة. وتطرحُ القصة الرابعة "حواء وأصل الأشياء"، التي احتلتْ عنوان المجموعة قضيتين: معرفة القتل والظلم الإنساني، فيتعرض لحكاية قابيل وهابيل كما وردت في القرآن الكريم، وهي قصة رمزية ربما يشير فيها الكاتب إلى ما وقع على شعبه من ظلم، والقضية الثانية مشكلة المساواة بين الجنسين، فحواءُ تشعر بأنَّها جنسٌ ناقصٌ منذ بدء الخليقة، ورفيقُها آدم يضيّق أمامها الفضاءات ويعاملها على مبدأ تفوّق الذكورة، ولذلك تسعى إلى المساواة وهي قضية شغلت الفكر الإنساني بعامة والعربي بخاصة منذ زمن بعيد، والمهمُّ في هذه القصة أن آدم مشغول بإرضاء زوجه حواء والمحافظة عليها من الآخر غير الموجود، وهي مشغولةٌ بالمساواة. وينتاب بنيةَ هذه القصة عيوبٌ، فهي أقرب إلى الحكاية منها إلى القصة القصيرة، وتفتقد إلى الدهشة والتوتر، والصراع مشغولٌ خارجياً، وكأنه مسرودٌ كسرد الخبر، ولذلك كان الحوار يندرجُ في مدارج الخبر، وكأنَّه يتخلى عن وظيفته وطبيعته، وإذا وضعنا في الحسبان أنَّ الكاتب روائيٌّ مثلما هو قاصٌّ أدركنا هذا التمدد والاتساعَ والتفصيلات في بنية هذه القصة القصيرة ذات الحدث الروائي. وتتناول القصة الخامسةٌ "الابتسامة... والمصير".. حكايةَ ساعي البريد هشام مع صاحبة الابتسامة الغامضة الساحرة، فقد وقف هشام مشدوهاً مأخوذاً بجمال هذه الابتسامة، كأجداده الشعراء الذين أصابتهم سهامُ العيون، فباتوا ضحايا لها منذ الأعشى الكبير إلى جرير وأحمد شوقي والسيّاب، فتسمّر ساعي البريد في مكانه، وتعلّق به، واستطاعت تلك الابتسامة أن تحوّلَ حياةَ هشام إلى جحيم مستعرٍ، فعاد إلى منزلها متذرعاً بحجّة واهية، ولما استقبلته مستفسرةً مستنكرةً هبَّ زوجُها من الداخل ليتهمَهُ بأنَّ وراءَ تنغيصِ حياته في تلك الرسالة التي جاء بها سابقاً، فأمسكَ بتلابيبه وأراد به شراً، مع أنَّه ليس سوى ساعي بريدٍ، وأوضحَ الزوجُ المسكين المعاناة التي يعيش فيها والمفارقة التي تقوم عليها هذه القصة، فابتسامة زوجهِ تسعد الغرباء، ولكنها تنكد عليه حياته، وما عليه إلاَّ أن يتخلَّص من هذا الشقاء بطلاقها، والمهمُّ في هذه القصة أنَّ القاصَّ استطاع أن يتخلَّص مما وقع فيه فنياً في القصص السابقة، فترك مصيرَ صاحبة الابتسامة معلّقاً بعد أن انصرف الزوجُ إلى داخل المنزل تاركاً الباب مفتوحاً على مصراعيه، والمرأةَ أمام هشام، وعلى محياها الابتسامة القاتلة. ويستخدم بطل يوسف جاد الحق في القصة السادسة "كأنها هي" حقه كاملاً في الحافلة المتجهة إلى ساحة العباسيين بدمشق في نهار ماطر بارد، فقد جلس إلى جانب سيدة، وحاول الالتصاق بجسدها، فلما طلبتْ منه أن يبتعدَ قليلاً تيسَّر له أن يُجيب: "أنا مستريحٌ هكذا، وعلى هذا الوضع، وهذا المقعد دفعتُ أجرته كما تعلمين...!". (61)، بل ذهبتْ به الجرأة إلى أبعد من ذلك حين أخذ يشرحُ لها بأنَّ الأقدار هي التي هيأت له أن يجلس إلى جانبها، ولما ناقشته في هذا الأمر تبين لها أنها شبيهةٌ بفتاة أحلامه أميرة التي فقدها في لحظة ثورة عابرة قبل عشرين عاماً، ثم ودّعته على الرصيف كما ودّعته أميرةُ قبل ذاك. هذه القصة طريفةٌ ساخرةٌ تتقنّع بالحوار والمشاكسة، وهي ذاتُ حبكةٍ متينة وحدث محتمل الوقوع، ودافعُ البطل للالتصاق بجسد وحدث محتمل الوقوع، ودافعُ البطل للالتصاق بجسد جارته أنَّها تذكّره بحدث آخر قبل عشرين سنةً حين جلس إلى فتاة أحلامه في حافلة تتجه إلى المهاجرين، واستطاع هذا البطلُ الذي يكبرُ الفتاة بسنوات كثيرة أن يقنعها بحالته التراجيدية، ولذلك ودّعها بألم طافر قائلاً: "وداعاً يا أميرتي..".(ص66)، وكأنَّه يودع أميرته الأولى، والمشكلة الوحيدة في هذه القصة الطريفة أنَّ القاصَّ لم يستقرَّ على عنوان لها، فوسمها بـ"كأنها هي" في المتن، وسمّاها بـ"ذكراها" في الفِهْرس. وينطلقُ الراوي عامرُ في القصة السابعة "موت غير متوقّع" من مشكلة المصير الإنساني وهو يواجه الموت، فالإنسان يذهبُ وحيداً مخلّفاً وراءه مباهج الحياة، وعقارب الساعة تذكره دائماً بأن ساعته آتية،وهو يجهل السبب الذي سيفضي إلى موته، سواء أكان مرضاً، والأمراض كثيرة، أم كان بسبب خارجي، كأن يقتل في حادث سير، أو تدس له زوجته أو أحد أبنائه أو أحبائه السم مع أن عامراً لم يسئ إلى أحد، وهو يحاول دائماً أن يُبعد أبطالَ قصصه عن الموت. لكنَّ بارعة الشابة الجميلة التي كانت تتدرب على الكتابة في مكتبه هي التي قامت بقتله بعد أن حاول عامر أن يعتدي عليها بعد عشاءٍ فاخر، ثم َّ اصطحبها إلى المكتب، وانقضَّ عليها، وأخذ يمزّق ثيابها ليصل إلى مبتغاه، وقد استرجعت بارعةُ صورةَ زوج أمها، وهو عارٍ مع أمها على السرير، فنشأتْ لديها عقدة تجاه الجنس، ولذلك كانت صورة هذا الزوج متمثلةً في صورة عامر، وهو يحاول إشباع غرائزه من جسدها. وتطرح القصة الثامنة على لسان الراوي قضايا ثقافية هامة ومتلاحقة، كالجدوى من كتابة قصة في مثل هذه الأحداث اليومية التي تطالعنا، وانصراف الناس عن القراءة إلى وسائل الاتصال الأخرى، ثم إنَّه يتساءل عن المتاعب التي يواجهها القاص في أثناء كتابة القصة، والمتاعب التي تواجهها القصة على أيدي الطغمة المسيطرة على الصفحات الثقافية، ثم إذا قُيض لها أن ترى النور فإنها لا تسلم من سلاطة لسان هذا الناقد اللساني البنيوي الحداثوي أو ذاك الناقد الانطباعي والنفسي.. أما إذا كان الناقد صديقاً فإنَّه يذهب إلى أن تولستوي وكاموا وفيرجينيا وولف كانوا تلاميذك في هذا الميدان ثمَّ هو يتعرض لمشكلة القراءة وعزوف الناس عنها، وهكذا إلى أن يجد القارئ أن الراوي قد خدعه ليسوقه سوقاً إلى قراءة ما كتب، وأنه قد خدعه بعنوانه المضلِّل، "لن أكتب قصة"، فيما هو يسخرُ من قارئه المغفل في نهاية هذه القصة من خلال: "ملحوظة: لا تحسبنَّ يا صديقي أنَّي قد غرَّرْتُ بكَ، مستدرجاً إياك بدافع من الفضول الذي لا بدَّ قد ألمَّ بكَ، لدى قراءتك العنوان، ولكنها كانت وسيلتي الوحيدة كي أحملك على أن تقرأ لي قصة في وقت عزت فيه القراءُ...".(ص90). أما القضية الخطيرة التي يطرحها الكاتب في هذه القصة، ويوجه أصابع الاتهام إلى النقد والنقاد، فهي في حاجة لمعالجة في غير هذا المكان. أما القصة الأخيرة فهي بعنوان "برغي"، وهي مونولوغ داخلي طويل على لسان برغي عادي في عجلة القيادة الطائرة بوينغ (747)، أحبَّ أن يجلب الأنظار إليه، فلم يجد سوى أن يودي بحياة مائتين وخمسين راكباً مع أحلامهم ومشاريعهم، ولذلك ستُقام المآتم وتحزنُ زوجاتٌ وتسعد أخريات لخلاصهن من أزواجٍ لا يعرفون شعور زوجاتهم تجاههم، وهو يسخر من رجالات التحقيق والصندوق الأسود، فهم لن يصلوا إلى نتيجة مؤكدة، لأنه لن يخطر على بال أحد أنَّ برغياً عادياً مهترئاً قادرٌ على القضاء على مثل هذا العدد من بني البشر، ولكنَّ شيئاً واحداً يجعل هذا البرغي حزيناً، وهو حياةُ المضيفات الجميلات الثلاث، وبخاصة أنَّهن لم يتزوَّجْنَ بعد. تتميز نصوص هذه المجموعة بالروح النقدية الساخرة اللطيفة المرحة، وسخرية يوسف جاد الحق هادئة وغير جارحة، فهو ساخر غير مشاكس، أو لنقل إنَّه مسالم، فهو –مثلاً –يسخرُ من النقد والنقاد، كما يسخر من القائمين على الصفحات الثقافية والقراء في "لن أكتب قصة"، ولكنَّ سخريته غير جارحة، وغير مقصودة لذاتها أيضاً. فالهدف منها الإصلاح لا الثورة، وسخريته في القصة الأولى "حدث في تلك الليلة" من تلك الأسرة التي سلّمت أمرها إلى رجل رعديد يدعى أبا هشام، واستسلم أفرادها لنوم عميق، في حين ظلَّ رب الأسرة البطل الدنكوشوتي يرتعد هلعاً حتى الفجر من لا شيء، وسخريته انتقادية في "الصديقة" فهو ينتقد الصداقات النسوية السريعة من جهة وهلع الرجال من زوجاتهم في المواقف الحرجة، وبخاصة أنَّ أبطال يوسف جاد الحق رجالٌ تقدموا في السن، وهم لا يتورعون من أن يلتفتوا إلى الجمال الجديد العصري، ويتحسروا على عمر مضى في لا شيء، وكأنَّ حياة هؤلاء الأبطال قد مضت في التفاهات، فلما استيقظوا أخيراً، كانوا كأهل الكهف قد جاؤوا في زمن ليس زمنهم، فحملوا في داخلهم مراراتٍ قاتلةً، ولذلك كانت سخريةُ يوسف جاد الحق مختلفةً عن سخرية إبراهيم عبد القادر المازني في قصصه ومارون عبود في نقده، هي أقرب إلى السخرية من الذات، أو هي نوعٌ من الكوميديا السوداء. وبعدُ، فإنَّ هذه القراءة التقليدية فرضتها طبيعة بنية هذه القصص نفسها، فهي تنتمي في الظاهر إلى قصص تيار الوعي، وقد حاول القاص من خلال أبطاله الرواة أن يضيء عالم أبطاله من داخلهم، ولكنَّ بنية الزمن السردي ظلَّت سببيَّة تعاقبية تصاعدية، فكانت الحبكة تقليدية خالصة، وظل الراوي المشارك العليم يمسك خيوط السرد بيديه بقوة، فضلاً عن تدخلاته المباشرة في فرضِ المعنى الذي يراه لنهايات بعض قصصه في هذه المجموعة، مع أنه لم يكن واعظاً ولا كاهناً ولا رجل أخلاقٍ أو سياسة، وإنما كان شاعراً حقيقياً جاء في زمن متأخر، فنجمت عن ذلك تراجيديا الموقف التي طالعنا قسماً منها في قراءة هذه القصص. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |