جريدة الاسبوع الادبي العدد 995 تاريخ 25/2/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

كتب مستعارة ـــ وليدمعماري

نصحني أحد أساتذي، وأنا تلميذ في المدرسة الابتدائية، أن أخصص دفتراً، أنقل إليه ما قد، يعجبني، من عبارات، أو تعابير، أو أبيات شعر، ألتقطها عبر قراءاتي، شرط أن تكون هذه (المقتنيات) قد أدهشتني، وأسعدتني... واتضح لي فيما بعد، أن نصيحة معلمي كانت أعمق مما بدا لي لأول وهلة.. ويبدو أن المعلم، وجد لدي حباً للمطالعة، فأراد دفعي نحو المزيد، ثم المزيد.. وهكذا رحت أقرأ كل ما يقع تحت يدي، بما في ذلك مجلات أدبية، يستعصي علي فهم الكثير من مقالاتها.. وكتب، قد تبدو لي طلاسم غير قابلة للتفكيك.. ومع ذلك كنت أجد، هنا أو هناك، بين السطور، عبارات تدهشني، وتصلح لنسخها، بغض النظر عن فهمي للمتن...‏

وتكونت لدي، عبر قراءاتي، أن ما من كتاب يتاح لك قراءته، إلا وستجد فيه عبارة، أو عبارتين، أو أكثر، تستحق التدوين في الدفتر، وإذا كنتَ من عشاق القراءة.. واضطرتك ظروف ما، ألا تحمل معك شيئاً تقرأه، فلا بد أنك ستجد في البيت الذي نزلت فيه شيئاً يُقرأ.. كأن تجد جريدة قديمة، أو كتاباً غاية في التفاهة، مثل: تفسير المنامات، لابن سيرين.. وتكتشف كم نامت أمتنا في الغيبوبة، بحيث اعتقدت الأغلبية منا أن (المنامات) هي إشارات لما سيحدث في القادم من الأيام.. بينما سيغموند فرويد، وجد في الأحلام تفسيرات ودلالات على الماضي.. سواء ماضينا السحيق أوالقريب..‏

سيقول لي سائل: ولكن الكتاب صار غالي الثمن، قياساً إلى دخولنا الهزيلة التي لا تحتمل شراءه... وهذا ليس مبرراً، للعزوف عن القراءة، فيمكنك أن تشتريه من مراكز، أو معارض بخصم يبلغ أربعين بالمئة..‏

يمكن أيضاً اللجوء إلى الاستعارة من الأصدقاء..‏

وأنا واحد من الذين اتخذوا ألف قرار، وقرار، ألا يعيروا كتبهم لأحد.. لأن الكتاب الذي تعيره، ستفقده حتماً... وكثيراً ما قرأت كتباً مدهشة، لكنني أمام متعة أحسست بها، تكوّن لدي شعور طاغٍ بأن يشاركني فيها أكبر عدد ممكن من الأصدقاء... ومتعة قراءة المواضيع الجيدة ضحلة وسخيفة وأنانية إن لم تشرك فيها الآخرين.. وهذا يفسر جانباً من طقس حضور فيلم في صالة سينمائية عامة.. وغالباً ما يخرج المرء ممتعضاً إذا كان العمل جيداً.. بينما الحضور قليل... وقل الأمر ذاته عن المسرح.. وفي المسرح يبدو الأمر أكثر صعوبة، لأن أيام العرض محدودة، وفي بلادنا مبتسرة..‏

كان الحكواتي يلقي سيرة بني هلال، أو سيرة عنترة بن شداد.. وكان الجمهور ينشدّ إليه بانبهار.. مع أن بعضهم كان يتقن القراءة، وليس بحاجة لمن يقرأ له.. هذا يعني أن المتلقي بحاجة للتواصل مع متلقين آخرين، من أجل قبس شحنة جماعية، توصل الفن إلى الهدف المتوخى منه..‏

ولا أخفيكم أني فقدت الكثير الكثير من الكتب النفيسة من مكتبتي نتيجة إعارتي للكتب... مع أني كنت أتبع نظام البطاقات... أي أني أسجل لكل مستعير بطاقة.. كما تفعل المكتبات العامة.. ثم أفقد بيانات البطاقة لسبب أو لآخر.. كأن يبهت الحبر الذي كتبت به، أو أن تجد جحافل النمل أو الصراصير المتسللة وجبات طعام شهية لها في هذه البطاقات..‏

لا يهم.. فقد كنت في زيارة صديق لديه مكتبة ضخمة.. ولمحت فيها المجلد الذي يحوي رواية دون كيخوته لسرفانتس.. وطلبت منه استعارتها.. فاعتذر مني الصديق قائلاً: أنا لا أعير كتباً من مكتبتي.. ولكن بإمكانك قراءتها عبر جلسات متقطعة في مكتبتي... وهذا أمر يشبه الرفض، لأني سأحتاج إلى شهرين من الزمن، ما بين قراءة جديدة للرواية، وبين تدوين لمقاطع منها في كشكولي، ثم التعليق على المقاطع... وحين رأى صديقي تشويشات رفضي، باح لي بسر كبير...‏

قال لي: أترى يا أبا (الول) مكتبتي العامرة هذه؟..‏

قلت له: أرى..‏

قال: لقد حصلت على كل كتبها من الاستعارة!!..‏

وقد أفحمني بمنطقه العجيب...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244