جريدة الاسبوع الادبي العدد 995 تاريخ 25/2/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الثقافة العربية وتحديات العصر ـــ د.فاخر صالح ميّا

يتصدى هذا الكتاب لمؤلفه الدكتور عبد الله أبو هيف لمشكلة على درجة كبيرة من الجسامة، في هذا الظرف، لأنها مشكلة مركبة، فهي من ناحية تحتاج للتعريف بالثقافة العربية وتحديات العصر، وتحتاج إلى توضيح حقيقة الدور الذي يمكن أن تمارسه الثقافة العربية في ظل تحديات العصر الجديدة، ولاسيما بعد أن بدأت العولمة بالاستحواذ على ثروات العالم إلى درجة أن النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي كما نعرفه، سيختلف جوهرياً ومن المحتمل أن يهددنا من نواح عديدة، ومن المؤكد أنه سيحدث تأثيراً هاذلاً في الحياة التي نعيشها مالم تثبت العولمة أنها لمصلحة الجميع، إن حملات الاستيعاب الثقافي assimilation، واستمرار الأنواع الأدبية، ومعها الإعلام واللاهوت وهوليوود في مرحلة متأخرة، تخوض هذه الحرب الضارية إلى أن أحكم التاريخ المنتصر سيطرته على الحقيقة والمعرفة والخيال، من خلال فنون التزوير والتشويه من أجل طمس الثقافة العربية في نظام القيم والأفكار والمصالح الأمريكية، ومن صور محاولات هذا التشويه للتاريخ العربي الثقافي، تلك الصور السلبية التي تعرضها السينما الأمريكية بصورة جمل وبدوي له وجه الشمبانزي فتلك، كما يعتقد صور تقليدية غير مفاجئة تراها في معظم كتب الدراسة الأمريكية.‏

ومعالجة لهذه الحالة يأتي كتاب الدكتور عبد الله أبو هيف "الثقافة العربية وتحديات العصر" إصدار 2005، الرياض، للرد على هذه التحديات من خلال الثقافة الجماهيرية وتتبع قضاياها الوطنية وجوانبها الفكرية المتمثلة في الهوية والتاريخية والنخبوية والشعبية والإنسانية والوظيفية والحداثة والانتشار ص9، وهنا لابدّ لنا من التركيز، وحسب رأي الباحث"أبو هيف" على مبدأ الإنسانية الذي يقضي بالتوجه إلى الإنسان من خلال التلاقي الثقافي وحوار الثقافات والحضارات بروح الاحترام المتبادل والتقدير الثمين، محققاً طاقاته وإمكاناته، ومن خلال تقدمه وتواصله مع الآخر كما هو الحال عند المعري وطاغور (ص21-22) اللذين يجسدان العمق الاستراتيجي للثقافة الجماهيرية من خلال الهوية الخاصة، على أنه فرد من أفراد المجتمع الإنساني الواسع، وهكذا يتبين، وبرأي المؤلف، "أبو هيف" أن الأخلاق التي يورثها العمل بمبدأ الإنسانية تنقل الإنسان الحديث من مقام الفردية المجردة إلى مقام المروءة المشخصة ص9، وتتجلى الحداثة في فكر "أبو هيف" من خلال المجتمع الذي هو الدائرة العامة، بحيث ينظر إلى كل واحد من أعضائها على أنه شخص لا بديل له ولا غنى عنه، أي أنه تنقله من رتبة الفرد المجهول إلى رتبة المرء المشخص المعروف، إذ إن الإنسان مطالب ببلوغ النهاية في نكران الذات والتضحية والتفاني، خدمة لصالح الجمهور ولمجد الوطن ولتقدم التاريخ والارتقاء بالإنسانية إلى أعلى الدرجات في سيرها نحو تحقيق كمالها، وإلى جانب هذا المفهوم الموازي لآراء الباحث "أبو هيف" حول الانتشار الثقافي لقصد تحقيق الثقافة الجماهيرية ص 26، فإننا نجد نظيراً لهذا في القرن العشرين، حيث استبدل الحكم القائم في مرحلة من مراحله شعاراً جديداً مكان شعار الثورة الفرنسية، أي "الحرية والمساواة والأخوة"، وهذا الشعار الجديد هو امتلاك للثقافة الحرة الجديدة كمعطى إبداع نحو الحرية والازدهار لأن هدف الثقافة الجماهيرية هو السعادة المشتركة، قوامها الحياة الطيبة، ويرى الكاتب "أبو هيف" أن من التحديات التي تواجه الثقافة العربية المعاصرة تكمن في الفقر وتدني معدلات الدخل القومي والأمية والتجزئة واللغة العربية، إذ تعتبر الأخيرة بمأمن من هذه المخاطر لأن الدراسات المستقبلية تؤكد أن اللغات التي تسود العالم في عصر المعلومات هي ست لغات، منها العربية ص 31، ولتأكيد هذه الحقيقة، فإننا نشير إلى أن اللغة العربية لغة غنية وحية فيها عشرات بل مئات المفردات للكلمات المتداولة والمعروفة في التراث العربي الإسلامي، فمن يتتبع كلمة "السيف" أو "الفرس" أو "الخيمة" أو "الصحراء" أو "الجمل" يجد مرادفات واسعة لها في اللغة العربية، لأن العرب تعاملوا بشكل واسع مع هذه المفردات، فنحتوا لها مسميات كثيرة، أما المفاهيم الوافدة لهم فنجد تحديداً في استخدامها.‏

*د.عبد الله أبو هيف، الثقافة العربية وتحديات العصر، الرياض، ط1، م2005.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244