جريدة الاسبوع الادبي العدد 995 تاريخ 25/2/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

"تغريد قُبّرة" للشاعر محمد طارق الخضراء: تجديدٌ موصولٌ لظاهرةِ الفارسِ الشاعر في ديوانِ العرب!!.. ـــ سعدي مدلل

يأتي الشاعر محمد طارق الخضراء إلى الشعر من مسربين ضيّقين لكنهما محفوران بعمق في تراث العرب، أولهما شغَفُ القوم بهذا اللون من ألوان الأدب حتى ليتجلّى عندهم بالمقارنة مع غيرهم من الأقوام، وكأنه فطرةٌ أو سليقة، قبل أن يصقْلَهُ سادةُ القولِ فنّاً أو إبداعاً.‏

إنه الشغَفُ الذي جعل من الشعر ديوانَ العرب وغايةَ بيانهم، فما زحزحته عن مقامه الرفيع روايةٌ أو رسالةٌ أوقصٌّ أو خطاب’، رُغمَ أنَّ الخطابة هي بنتُ عمّ الشعر لحّاً، ومفوّهو العرب أخذوا منذ الجاهلية –حيثُ الأمةُ في عزِّ فورانها- مكانةً لم يُزاحمهم عليها غيرُ الشعراء الفحول، أو أنَّ هؤلاء الشعراء الفحول ما نادَدهم في مجد البيان إلا أولئك المصاقعُ اللُسنُ الذين يصغرُ لدى أصغرهم، ميرابو خطيبُ الثورة الفرنسية الشهير وأضرابُه، مع اختلاف الموضع والأيام والاهتمام واللسان.‏

وإذا كان "ابن المعتز" قد نجحَ، وإنْ بمعايير ما تزال محطَّ مُساجلةٍ إلى الساعة، في أن يُصنّفَ شعراءَ العرب الذين سبقوه زماناً أو جايلوه في "طبقاته" ذائعة الصيتِ، فإنَّ العارف الحصيف بالثقافة العربية، تليدها وجديدها، ليحارُ بالغ الحيرة فيمن يضعُ قبلاً: زهيراً بن أبي سُلمى المزني أو قِيسّاً بنَ ساعدة، امرئ القيسِ أو سُحبانَ وائل، الحجّاجَ بن يوسف الثقفي أو أبا تمّام، حتى لا أطاول أبا الطيّب المتنبي، وكلٌ منهم ذروةٌ في رصفِ الكلمِ، نظماً أو نثرا.‏

إنَّ الشعر عند العربي صبوةً مطبوعة لا يتركها إلا إذْ تشغله الدُنيا، وإذْ يدركُ قصورَهُ عن امتلاكها أو الظهور فيها.‏

أما المسربُ الثاني الذي يأتي منه الشاعر الخضراء إلى الشعر، فهو الظاهرةُ التي اختطَّها الشعراءُ الفرسان من مَلِكِ كندة الضّليلِ امرئِ القيسِ وأميرِ عبسٍ عنترة بن شدّاد، إلى عبد الرحيم محمود وإبراهيم طوقان وكمال ناصر، وكثيرين سواهم، مروراً بأمير حلب الحمداني أبي فراس ومَعَهُ وصيفهُ أبو الطيّب المتنبي أميرُ الشعر العربي الذي أرَخّت قصائدهُ لوقائع الحروب ومنازلات العدو بقدر ما أرَخّت لسموّ القريض وعلوِّ منزلته وسِعةِ أثره، لِتُكَرِّسَ في وجدان الأمة، وعلى نحو جليٍّ بهي، صورة الفارس الشاعر التي إنْ شئنا صوغَها بعبارات الراهن فهي صورةُ "الجندي الشاعر" التي تسطعُ تكراراً في أُضمومة الشعر الأولى للشاعر محمد طارق الخضراء المعنونة "تغريد قُبّرة" والصادرة بدمشق في مطلع النصف الثاني من العام الميلاد 2005، بقوام ثلاثٍ وعشرين قصيدةً، بينها واحدةٌ بالعامية (ولا أقول المحكية، على حدِّ ما جَزَمَ به ناقدُ القرنِ، الراحلُ مارون عبّودِ) في تناوله الرصين والمُبهر قبل ما يقربُ من أربعين عاماً، لهذا النمط من الشعر الذي خَرَقَ به شيوخه، في لبنان قصراً، من أمثال رشيد نخلة وأسعد السبعلي وأسعد سابا وميشال طراد (وصولاً إلى عصام العبد الله وطلال حيدر) سقوفاً شامخةً لم يبلُغها بعضُ أفحلِ شعراء الفُصحى وأعلاهم كعباً.‏

لا تفوتنا ونحن في معرض الحديث عن ظاهرة الشعراء الفرسان الإشارةُ الواجبةُ إلى ذلك النفر العزيز من الشعراء الصعاليك، وأوسعُهُم ذكراً اثنان: عروةُ بن الورد وصنوهُ السُلَيْكُ بن السَلَكة، وهُم بمجموعهم استنّوا قيم الفروسية بما هي نبلٌ خالصٌ، وعملوا بها قبل أن تصل إلى أوربا العصور الوسطى فتجهلُ بها علينا أيّما جهالة.‏

إن قيمة الشعر، أيِّ شعر، تكمُنُ أساساً في بناء البيت أو السطر، فالقصيدة، بصرف النظر عن جلال الشأن الذي تطرُقُهُ، إذْ أنَّ البناء –فنٌّ- قائمٌ برأسه ليكفل الموسيقى التي تعرّبُ الشعر عن النثر، سواء اعتمد المِعْمَارُ (الشاعرُ) العروض الموروث ببحوره الستة عشر وقافيته المُلزِمة، أو اعتمد التفعيلة بقافيتها الحرة، أو المنثور برتم تنغيمٍ ملائم، من غير إغفالِ الانتقاء الدقيق للمفردة التي تؤدي المعنى تأديةً أنيقة.‏

في هذا كله، ثمة الكثير مما ترصده العين المفتوحةُ جيداً في أضمومة الشعر التي نعاينها هنا بدءاً من عنوانها، إذ هي تعرض "صليل سيوفٍ" أكثرَ مما تبطنُ "تغريد قبرّة" ولستُ أدري لِمَ غلَّبَ صاحبها الحنينَ على الحماسةِ حين وسَمَها، فيما الحماسةُ غالبةٌ على دعواها تماماً؟؟‏

لعله أراد أن يُبهمَ الأمر قليلاً، فيسدل عليه ستاراً رقيقاً من غموضٍ يستثيرُ الفضولُ، ويغري بالكشف، فما إن يُفضَّ القارئ الصفحة الفاتحة من الكتاب/ الأُضمومة، حتى تسفر عن هويةِ –مصادمٍ- لا لبس فيها.‏

كذلك، فإنَّ الشاعر، في ومضاتٍ نادرةٍ، أفصحَ عن امتلاكه أدوات بناءٍ كفؤة، مثلما أظهر قدرته على استخدامها، كما في الشطر الثاني من قصيدة "فلسطيني":‏

أنا من غابة الليمونِ‏

والرمانِ‏

والتينِ‏

أنا من روضةِ الأزهارِ‏

أرويها فتُحييني‏

أنا من قلب رام الله‏

ومن عكّا‏

وحطينِ‏

أنا من مقدسِ الأحرارِ‏

قُدسِ العلمِ والدينِ‏

أنا من صخرها صفدٍ‏

أنا عربي.. فلسطيني؟؟‏

وكما في مطالع قصيدة "نبض الوطن":‏

بأعماق روحي.. وفي ذكرياتي‏

أراني طفلاً صغيراً.. مُشرّد‏

وتحت الخرائب تبكي رُفاتي‏

فأمسح دمعي وأنهضُ.. أُولدْ؟؟‏

إنَّ أضمومة "تغريد قبرة" تنضافُ عن أحقيّة إلى رفِّ الشعر المقاوم في المكتبة العربية، أو هي تندرج في باب شعر المقاومة الذي يشغلُ حيّزاً فسيحاً من ديوان العرب المعاصر.‏

وتبقى المنةُ للشاعر محمد طارق الخضراء إذ يُسهم، في إحياء أحد أنبل الظواهر التي عرفها الشعر العربي برمته.. ظاهرة الفارس الشاعر الذي يحوزُ إعجاب أمتّهِ وينتصرُ لها بالسيفِ واليراع.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244