|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
قراءة في ديوان (مأدبة في الهواء الطلق) للشاعر زاهد المالح ـــ عبد الرزاق معروف تجلس أمام التلفاز وتتابع أخبار العالم فيقشعر جلدك من أهوال الحرب والأسلحة والانفجارات... فتهرب من هذا العصر الحجري الحديث إلى ركن تجد فيه وفاء الإنسانية لعلك تتحسس ذاتك البائسة فإذا أسعفك الحظ ووقعت يدك على ديوان شعر إنساني فأنت محظوظ حقاً وقد أسعفني الحظ وما أقل ما يسعفني فقرأت ديوان (مأدبة في الهواء الطلق) للشاعر زاهد المالح، فانفتحت روحي على عالم من الجمال والدهشة يمتاز باحتفاليته الخاصة بالطبيعة والحياة والإنسان وقدرته على اقتناص الصور ذات الجدة والشفافية بلغة مكثفة بعيدة عن السرد والإفاضة ولكي تدهش القصيدة عليها أن تكتفي بذاتها وأن تظل طازجة تحتوي على جميع عناصر الوجود الجيدة وأن تخترق السطح الخارجي لتنفذ وتغوص في الأعماق وتقتحم عالم المجهول ولعل الرؤية التي تشكل الصورة الشعرية المتألقة والتي تؤول إلى آفاق الرؤيا ولا تكتفي بجمال الصورة أهم ما يميز الشعر الرائع،وهذا نادراً ما يصل إليه الشعراء خاصة وأن الأصوات الشعرية تختلط ببعضها ولكن ما يميز الشعر وفرادته فعلاً هذه الخصوصية التي أشار إليها الفيلسوف هيغل في كتابه (فن الشعر) حين قال: (على الشاعر أن يصغي إلى صوته الداخلي العميق) وحين يصل الشاعر إلى صوته العميق بعد تجربة وجودية روحية يصل إلى هذه الفرادة وإلا فما قيمة أن ينتج الشاعر قصيدة جيدة ولكن عند تفكيك نصها في ضوء نظرية جاك دريدا يتلمس أصوات شعراء سبقوه أو عاصروه كما نشاهد اليوم في معظم ما نستطلع على الساحات الأدبية... ولعل أول ما لفت نظري هذا التفرد وهذا التوحد بينه وبين الطبيعة وعلاقته بمرئيات الوجود وكأن هذه العلاقة أشبه ما تكون بعلاقة الطفل بالأشياء والفضول البريء لاكتشاف كل جوانب الوجود خافيها وظاهرها ولا يشكل امتلاك الشاعر لقلب طفل بريء مأخذة تؤخذ عليه بل مفخرة وشهادة استحقاق فالإنسان المتميز يولد مرتين مرة عندما تلده أمه ومرة أخرى عندما يولد ابناً لأقاليمه، وهذا ما يرد في قصيدة (ولادة) حين يقول في نهايتها (دعني أمتد وأمتد وكأغصان الشجر العاري احتضن الموجة عالية/ ونشيد البحر/.. وأولد ثانية/ ابناً لأقاليم نهاري). وما يؤكد قرب الطفولة من الطبيعة ما أدلى به مصطفى صادق الرافعي حين قال: (لن ندرك روعة الجمال في الطبيعة إلا إذا كانت النفس قريبة من مرح الطفولة ولعبها وهذيانها). وما أكده الرافعي لا يحصل إلا في نفس شاعرة تعشق الجمال عشقاً فعالاً يتجلى في إرادتها المصورة كما يقول د.عبد الرحمن بدوي (حبنا للجمال هو الإرادة المصورة). ولو سألنا عن الدافع مرة أخرى لجاءنا الجواب بأسلوب آخر وهو النفس الشفافة الذواقة التي تشبع حاجتها بحب يحررها من قيود الضرورة وهذه النفس أسمى ما في الإنسان وكما يقول طاغور: (إن الفن يولد حيثما تتخطى علاقة قلبنا بالعالم حدود الضرورة). ولعل هذه البراءة والتوحد مع الطبيعة تتجلى في أجمل صورة في مقطوعة الشاعر المسماة (براءة) حيث يبدو حتى تواصل الجسدين بين الرجل والمرأة امتداداً أقوى للطبيعة وأشبه ما يكون بين طفلين بريئين حيث يقول: (وتصلبت الأشجار/.. وراء النافذة/.. امتدت صارت أكبر/.. وابتل العشب/.. لف الصمت شرائط طفلة/ .. فوق رؤوس الأشياء/ ولوهلة/ لم يبق سوى طيفين/ لملاكين بمحراب الرب/ كما يتوحد مع المرأة والشجرة في لقطة واحدة في قصيدة اسمها الرغبة(وقفي من فضلك بضع دقائق في جانب تلك الشجرة/ تتملكني الرغبة أن أكتشف قليلاً/ أيكما أعذب/ أيكما أغرب/.. وقفا متجاورتين على كتف النهر/ لأرى ظلين/ يعتنقان على الماء/.. وأمسّ شغاف السر/.. حتى برفقٍ/ تتبادل أحرفها الأسماء). كما يتوحد مع الشجرة المنفردة في حقل أجرد في قصيدته (شجرة وحيدة). ولعل ذات الشاعر تجد في الرؤية الوجودية تبريراً لها في محاولة تحقيق الذات في تجربة تعتمد على التركيز الروحي والرؤيا الخاصة التي تشبه تماهي الصوفية بالتجربة الروحية وإن المشاعر الصوفية لا تقتصر على التصوف الديني بل تتجلى أحياناً من خلال التوحد مع الطبيعة وتجلياتها وهذا ما أشار إليه كولن ولسون في كتابه الشعر والصوفية وأجمل مافي هذه التجربة أنها حولت الطبيعة أيضاً إلى مرآة متوهجة بأطياف الشاعر فالطفل في قصيدته فراشة يهرول خلف الفراشة ليمسك بالحلم ويعاود الكرة مرات ويعثر بالعشب ثم يحاول مرة أخرى حيث يقول: (ماذا لو حاولت/ أحاول/أخفق/ هل تخشى مرآتي النور/ أم غادر قيثاري عري الثلج/ وسرج المهر المجنون/ لكن الطفل ما زال ينطوي يلعب في قلبي/ والورد يسور أعشاشه). ويختمها بقوله: يا قلبي/ يا وثبة وعل/ تتخطاك إلى عرس الأرض فراشة)، ولعل ما يشدك في هذا الديوان هذه الاحتفالية بالطبيعة والحياة والإنسان وتجاوز المألوف في القول بعيداً عن ظاهرة رثاء الذات والتغني بالآلام والفجائع السائدة في معظم دواوين شعرائنا، وهذه الظاهرة السيكولوجية أدعى إلى امتلاك العالم بدافع الحب والإنسانية حيث تتجلى بالتوحد مع الطبيعة من خلال الشعور الإنساني السامي أو تجاوز القامة البشرية إلى أعلى كما في الفلسفة الترانستندالية. ومما يميز أسلوب الشاعر ويربأ به عن السطحية الإنشائية أن لغته الشفافة المكثفة والبعيدة عن الإفاضة والسرد تتخذ دلالاتها من بنائية الصور المبتكرة التي لا يمكن عند تفكيكها أن تعزى لأصوات أخرى غير صوته وهي حافلة بالرمز والإيقاع الموسيقي واللقطات الخاطفة المفاجئة وأهم أقانيمه في قصائده ثلاثة (هي الشجرة والمرأة والدهشة) وهو يخاطبها في قصيدته (أقانيم) بقوله: (أنتن أقانيمي/ ملكوت الحرية في حقل الرعب العاري) أغنية العصفور المتمرد/ تتسلل بين غيوم نهاري/ وملاذي في آخر رحلة/ حين يجرجر ساقيه على الدرب قطاري/ تنهمر ثلوج العزلة..!). ولعل السؤال الأخير، هل في الديوان سمات امرأة معينة؟.. لا أعتقد بل هي سمات المرأة التي تفتح أفقاً للرؤيا وهذا هو مايميز الشعر الإبداعي المؤدي للكشف والتجلي ولعل ما يدهش في قصيدة (المستحمة)أن ما يتراءى لنا في بداية القصيدة هو صورة امرأة تغتسل برذاذ المطر المتساقط في تشرين ولكن تفاجئنا الخاتمة بقوله: (أيتها الشجرة/ كم إني مغتبط وحزين!)، ونكتشف أن المرأة المستحمة هي هذه الشجرة التي يشعر الشاعر بالغبطة والسرور برؤيتها وهي تستحم بمياه المطر و لكنه يشعر بالحزن أيضاً لأنه لا يستطيع أن يفعل ما تقوم بفعله.. فياللدهشة!... |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |