|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
حوار ـــ قصة: ادغار ألن بو ـ ت.موسى عاصي ادغار آلن بو. 1809.. 1849 * * * * أديب أمريكي متعدد الاهتمامات. نظم الشعر في بواكير حياته الأدبية، لكنّ النقد الأدبي ومراجعة الكتب الأدبية في الصحف فرضا نفسيهما عليه كمصدر للرزق. انتقل خلال حياته القصيرة إلى كتابة القصة القصيرة وبرع فيها، ويُعدّه النقّاد واحداً من سادة القصة القصيرة ومؤسس صرح القصة القصيرة البوليسية. حوار بين ايروس وتشار ميون * * * * * * * * * * ايروس: لماذا تناديني ايروس؟ تشارميون: إنّه اسمك من الآن فصاعداً. وعليك أن تنسى اسمي الأرضي وتناديني تشارميون. ايروس: يا له من حلم! تشارميون: لم يعد للأحلام موضع فينا، لكنني مسرور برؤيتك أنت تنبض بالحيوية في هذه الآونة الغامضة. لقد انقشع الظلّ من عينيك. تشجّع ولا تخشَ شيئاً. انتقضت أيام غيبوبتك، وغداً ستدخل فترة من الفرح الغامر وتتوّج الروعة وجودك الجديد. ايروس: لا أشعر بالغيبوبة حقاً ـ لا أحسّ بها إطلاقاً. فقد برئت من ذاك المرض الرهيب وفارقتني الظلمة ولم أعد أسمع ذلك الصوت المندفع المرعب الذي يماثل صوت شلالات مياه متعددة، لكنّ ثمة أحاسيس متحجرّة تساورني بسبب الواقع الجديد يا تشارميون. تشارميون: سيزول ذلك الإحساس قريباً ـ وأنا أفهمك تماماً وأحزن عليك، فقد انقضت عشر سنوات أرضية مذ ابتليت بذاك العناء ـ لكنّ ذكرى ذلك تؤرّقني. لن تكابد الألم في ايدن كما حدث لك. ايروس: في ايدن؟ تشارميون: في ايدن. ايروس: يا إلهي! ـ رحمتك يا تشارميون! تؤرّقني سيطرة تلك الأفكار ـ يؤرّقني المجهول الذي بات معروفاً ـ يؤرّقني المستقبل المريب الممتزج بالجلالة والحاضر الحتمي. تشارميون: لا تستسلم لهذه الأفكار الآن. سنتبادل الحديث في ذلك غداً. إنّ عقلك مشوش لكنّ الخلاص من ذلك الاضطراب مرهون بالعودة إلى الذكريات البسيطة. لا تنظر حولك ولا أمامك، بل تطلّع إلى الوراء. يؤرّقني القلق من سماع تلك التفاصيل الدقيقة المملّة عن ذلك الحدث الجلل الذي أدّى إلى وجودك بيننا، حدّثني عنه سنتحاور غداً في القضايا اللغوية القديمة التي عرفها العالم، اللغة التي انهارت قواعدها بصورة رهيبة. ايروس: انهارت بصورة مخيفة جداً ـ ليس هذا حلماً في الحقيقة. تشارميون: لم يعد للأحلام متسع فينا. هل حزنت كثيراً يا صديقي ايروس؟ ايروس: هل حزنت يا تشارميون؟ ـ لقد حزنت كثيراً جداً. أمّا بالنسبة لتلك الساعة الأخيرة فقط غطت بيتك كلّه سحابة من الكآبة الشديدة والحزن الممزوج بالورع. تشارميون: حدثني عن الساعة الأخيرة تلك. تذكّر أنني لا أعرف شيئاً عن تلك الفاجعة النكراء سوى الحقيقة المجرّدة، فعندما رحلتُ من بين البشر دخلتُ ظلمة القبر ـ وعندئذ كانت الفاجعة غير المسبوقة، إن لم تخني الذاكرة. ولا أعرف سوى الجزء اليسير عن الفلسفة المريبة التي سادت تلك الفترة. ايروس: كانت فاجعة متفرّدة غير مسبوقة كما ذكرت، كما كانت، شأنها شأن النكبات المماثلة، مثار جدل بين علماء الفلك. لست مجبراً أن أُخبرك يا صديقي أنّ الناس قرروا بعد رحيلك أن يناقشوا طبيعة هذه الظواهر استناداً للكتابات الأكثر قدسية، والتي تتحدّث عن التدمير الكلّي للأشياء كافة عن طريق الحريق، والتي تشير إلى كروية الأرض. أمّا فيما يتعلق بوكالة الدمار الآني، فقد اختلط الشك باليقين لمعرفة كنه الدورة الفلكية التي حررت المذّنبات من رهبة النار، لأنّ كثافتها معتدلة جداً. لاحظ الفلكيون أنّها تدور بين توابع كوكب المشتري من غير أن تُحدث تبدّلاً ظاهراً على كتلات أو مدارات تلك التوابع الثانوية. اعتقدنا ردحاً طويلاً من الزمن أنّ هذه الأجسام الجوالة عبارة عن مخلوقات ضعيفة لا يمكن إدراك طبيعتها، وأنّها عاجزة عن إلحاق الأذية بكرتنا الأرضية، حتى إذا اصطدمت بها. ولذلك.. لم يكن الاصطدام مخيفاً بأي مستوى لأنّ عناصر المذّنبات كافة معروفة برقتها، ولذلك كان المفروض أن يجري البحث عن مصدر التدمير الناري المهدد والغوص في المفاهيم التي أُعتبرت طوال عدد من السنين فكرة غير مقبولة، وهكذا.. تنامت الأوهام والهواجس والرؤى الغرائبية الرهيبة بين الناس، رغم اقتصارها على قلّة من الجهلة، حتى ساد الفهم الحقيقي من جرّاء إعلان علماء الفلك عن مذنّب جديد، حيث استقبل الناس ذلك الإعلان بهياج وسوء ثقة. جرى إحصاء عناصر ذلك الجرم السماوي سريعاً، واتفق الراصدون لمساره كلّهم حالاً بأنّ مدوره من أقرب نقطة من الشمس سوف يدفعه في مسار قريب جداً من كوكب الأرض، وتوافر فلكيان أو ثلاثة، من الدرجة الثانية، دافعوا بإصرار عن فكرة الاصطدام الحتمية. يصعب تحديد مدى تأثير هؤلاء في البشر بدقة. لم يكن بالإمكان تصديق التأكيد خلال بضعة أيام قصيرة، لكنّ حتمية الاصطدام انتقلت من عقولهم لتغدو محط اهتمام العالم، ولا أدري إلى أي مدى وصلت عملية اعتناق تلك الفكرة الخاصة بحتمية الاصطدام. شقّت تلك الواقعة المهلكة دربها حالاً إلى عقول الناس كلّهم، وحتى إلى عقول أصحاب الأحاسيس المتلبّدة. أدرك الناس آنئذ أنّ المعرفة الفلكية لا تكذب، فراح الكلّ يترّقب المذّنب. لم يظهر أنّ اقترابه من الأرض كان وشيكاً في البداية، ولم يكن ظهوره أمراً مستغرباً. ظهر جلياً بلونه القاني وبذيله العصي على الفهم، لم نر تبدّلاً يطرأ على لونه أو على قطره الواضح طوال سبعة أيام أو ثمانية. ترك الناس أعمالهم وهلة وانكبّوا كلّهم على تفسيرات متنامية انصّبت على الشأن الفلسفي احتراماً لطبيعة المذّنبات. ووجّه الجهلة كلّهم قدراتهم المحددة ناحية تلك الاعتبارات. ولم يُذعن المتعلمون للاعتبارات الخاصة بتسكين الهلع والرعب أو لمرتكزات نظرية مرغوبة. لهثوا بحثاً عن آراء صائبة. أصرّوا على إحراز المعرفة التامة. ظهرت الحقيقة في صفاء جبروتها ومهابة جلالتها، فانحنى الحكماء إجلالاً لها وقدّروها حقّ قدرها. كانت أذية كوكبنا أو سكانه نتيجة للاصطدام المرعب رأياً احتمالياً فقد أرضيته بعين الحكماء الذين تعمّدوا عقلنة الناس وتسكين مخاوفهم، أشاروا إلى أنّ كثافة جزيئات المذنّب أدنى كثيراً من أندر الغازات المعروفة، وإلى أنّ مساره الذي لم يُلحق أذية بتوابع المشتري التي طاف بينها، هي مسألة هامة جداً، وأصرّوا عليها بحزم، وهذا ما أسدى خدمة جليلة أدّت إلى تهدئة الرعب وتسكينه. وركز اللاهوتيون على النبوءات الدينية وفسرّوها ببساطة مباشرة غير مسبوقة. لابدَّ أن يحصل الدمار الكلّي للأرض بالنار، وقد عزز هذا التفسير القناعة في كل مكان، لأنّ المذنّبات ليست من طبيعة نارية "كما يعرف الناس كلّهم"، فبرزت الحقيقة الناصعة التي أنقذت الناس من الفاجعة المرتقبة بسرعة قياسية. تبدّى على الفور أنّ الأضرار المألوفة والأخطاء العامة المتعلقة بالأوبئة والحروب ـ الأخطاء التي رغبوا في أسباغها على أي مظهر من مظاهر المذنّب ـ على جهد تشنجّي مفاجئ. تعزز الفهم الأضعف بالقوّة الناجمة عن الاهتمام المفرط. تحوّلت الشرور الصغيرة المحتملة الحدوث نتيجة للاصطدام إلى نقاط قضية مدروسة. تحدّث المتعلمون عن اضطرابات جيولوجية محددة وعن تبدّلات مناخية محتملة قد تشلّ نمو النبات، وأشاروا إلى احتمال تأثيرات مغناطيسية وكهربائية. اعتقد كثيرون أنّ التأثيرات الملموسة لن تطرأ في المستقبل المنظور. وخلال احتدام تلك الجدليات اقترب الجرم السماوي تدريجياً، وتنامى قطره وسطع متوهجّاً. فتراكم الشحوب على وجوه الناس آنذاك، وتوقفت الأنشطة البشرية كافة. انقضت وهلة حافلة بالأحداث التي تركت بصماتها على الوجدان العام، وأحرز المذنّب حجماً تجاوز حجم أي زيارة مدونة سابقة من هذا النوع. تبدد ما تبقى من أمل لدى الناس الآن واعتقدوا أنّ الفلكيين ارتكبوا غلطة، وراحوا يترقبون الحقيقة التدميرية. انهار ركن الانطباع الكيميائي الذي عوّل الناس عليه. خفقت قلوب الأقوياء بعنف داخل صدورهم. كانت بضعة أيام وافية لإقحام تلك المشاعر في الوجدان الجمعي، إذ عجز الجميع عن تطبيق ذلك المدار على الآراء المألوفة. تلاشت خصائصه التاريخية، ضغط علينا بحداثة بشعة من العاطفة. لم نعد ننظر إليه بوصفه ظاهرة فلكية في السماء، بل بوصفه كابوساً يجثم على الصدور وظلمية تهيمن على العقول، انشغل الناس حالاً بتلك الظاهرة المؤلّفة من لهيب نادر ضخم امتد من أفق إلى أفق. وانقضى يوم آخر.. وتنفس الناس بحرية أوسع، واتضح أننا وقعنا تحت تأثير المذنّب لكننا بقينا على قيد الحياة. أحسسنا بمرونة غير عادية وبحيوية عقلية خلال تلك الآونة. تبدّى ضعفنا المتنامي واضحاً حيال موضوع نكبتنا، ورأينا الأجرام السماوية جلية بوساطته. طرأت تبدّلات على حياة النبات بعد وهلة، وتنامى إيماننا بآراء الحكماء من خلال ذاك الحدث. ازدانت كلّ نبتة بزينة برّية لم تُعرف من قبل. وانقضى يوم آخر ـ فرحلت الشرور نهائياً. اتضح أنّ الجزيئات ستصل إلينا أولاً. اعترى الناس كلّهم تبدّلاً خطراً، فبرز أول إحساس بالألم عبر إشارة موحشة فجرّت رعباً عاماً ومناحة عارمة. تموضع ذلك الإحساس الأول بالألم في موضع صلب بين الصدر والرئتين، وظهر جفاف جلدي لا يُحتمل. ليس بالإمكان الإنكار أنّ غلافنا الجوي تأثّر مأساوياً، فتحوّل الجدل المحتدم إلى الموضوعات المتجسدة التي تبلورت في جدلية تهدف لإزالة الآثار التي لحقت بغلافنا الجوي وما قد نواجه لاحقاً من جرّاء ذلك. أثارت نتيجة الاستقصاء موجة كهربائية من الرعب المثير في قلوب الناس كلّهم. نعرف منذ القدم أنّ الهواء المحيط بنا يتألّف من نسبة 21 بالمئة من الأوكسجين و79 بالمئة من النتروجين. ونعرف أنّ الأوكسجين يساعد على الاحتراق ونقل الحرارة إضافة إلى أهميته في تدعيم حياة الحيوان، وأنّه أقوى عناصر الطبيعة وأقواها طاقة، لكنّ النتروجين على النقيض من ذلك، فهو عاجز عن تدعيم حياة الحيوان وعاجز عن تسعير الاحتراق. وطبقاً للثوابت، فإنّ تمدد الأوكسجين تمدداً غير طبيعي يؤدّي إلى رفع الروح المعنوية عند الحيوان، وهذا ما عرفناه حديثاً. بدأ السباق، واتسع نطاق الفكرة التي ولّدت الرعب. ماذا ستكون النتيجة في حال تمّ تحديد النتروجين بالكامل؟ حريق ليس بالإمكان السيطرة عليه، حريق فوري يلثم كلّ شيء ـ وبالتالي تحقق تام للحريق المرعب الموعود بتفاصيله الدقيقة كما وردت في الكتاب المقدس. لماذا يترتّب عليّ أن أُزيّن ذاك الجنون الحديث المنفلت من القيود، والذي يجتاح البشر، يا تشارميون؟ إنّ تلك الرّقة في المذنّب ألهمتنا أملاً من قبل لكنّها تحوّلت الآن إلى مصدر مرارة وإحباط، لقد أدركنا بجلاء تحقق القدر في حالته الغازية. وانقضى يوم آخر ـ تبدد معه آخر خيط من الأمل، تنامت لهفتنا لتحقيق الاعتدال سريعاً في الهواء. قفز الدم القاني مهتاجاً داخل قنواته المتوتّرة. انتاب الناس كلّهم هذيان رهيب فرفعوا أيديهم ناحية السماء المنذرة، وصرخوا بصوت عال يكتنفه الارتعاد، صارت نهاية ذيل المذنّب فوقنا الآن ـ وحتى هنا في ايدن. أرتعد وأنا أتحدّث. دعني أوجز ـ أوجز بقدر الدمار الذي اجتاحنا. انطلق ضوء مبهر مخيف لحظة واحدة حجب الأشياء كلّها ونفذ إليها كلّها. أخيراً ـ دعنا ننحني إجلالاً أمام عظمة الله المهيبة يا تشارميون! ـ انطلق أخيراً صوت قوّي عام كأنّه من فم جلالته.. دوى تفجّر كتلة الأثير المحيط بنا حالاً فتحوّلت إلى صنوف من اللهب الذي تجاوز سطوعه حدود السطوع والحرارة المألوفة، وحتى الملائكة في السماء العليا.. الملائكة الذين ينعمون بالمعرفة النقية، فقدوا أسماءهم، وهكذا انقضى كل شيء. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |