|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ماوتسي تونغ يتعلم الإنجليزية ـــ عيسى سمعان قبل أن تطوي هذه الصفحة، عزيزي القارئ، بوحي من العنوان أرجو أن تتريث فلعل فيها ما لا يستحق مثل ذلك. أنا أعلم أن العنوان، بل الاسم بالأحرى، يوحي بعصر الإيديولوجيات "البائد"، وأن الإيديولوجيا قد تراجعت في مصائر الشعوب هذه الأيام إلى موقع متأخر، لا أعلم كم، وبعيد عن الصف الأول. وأن مثل من يضرب في هذه الأرض كمثل من يبيع مادة لناس هم أول المصدرين لها(مبروك للشركة البريطانية التي فازت بعقد لشحن كمية أطنان من رمال لانكشاير لفرشها على مضامير سباق الخيل في دولة خليجية مرملة حتى أسنانها). وعليه، لست بصدد الخوض في الإيديولوجيا السياسية والعقائدية لهذا الرجل إذ هي متاحة لكل من رام ذلك أيما إتاحة، وخاصة في عصر تخمة المعلومات، أعني مصادر المعلومات، وليس على مبدأ البطنة تذهب الفطنة. إذ لا يقلقنّ أحد فلن يصاب من يستقي المعلومات ويتصيدها في مظانها بأية تخمة. حاشا ذلك. مبعث هذا المقال والحافز إليه ليس هو مرور المناسبة المائة والعشر على ولادة ماوتسي تونغ التي حلّت منذ بضعة أيام (الواقع أن هذا المقال يكتب الآن في ذكرى المناسبة عينها لكنني أفسحت في المجال لحين صدوره الذي لا أعرف بعد كم من الوقت سيكون ذلك). مبعث هذا المقال هو المقابلة التي أجريت على شاشة القناة الصينية باللغة الإنجليزية CCTV9 (القناة التلفزيونية المركزية للصين 9). صبيحة يوم الجمعة 26/12/2003 بمناسبة حلول الذكرى آنفة الذكر مع معلمة ماو للغة الإنجليزية. كانت الأسئلة تتصيد بعضاً مما قد تكون هذه المعلمة أصابته أو وقفت عليه في شخصية ماو كونها كانت قريبة جداً منه. منذ البداية كانت المقابلة شائقة بكل معنى الكلمة. والمتعة كانت ثاوية في السؤال البسيط المتوقع عن كيفية حصول المعلمة، جنغ هانجي، ذات العشرين ربيعاً (وماو في عقده السبعيني) على هذا الشرف. كانت هناك، كما أفادت، مناسبة اجتماعية خاصة، وكان المدعوون منخرطين في أحاديث جانبية أفرزت وقوف هذه الفتاة التي كانت تربط أباها بماو صداقة وصلة ما-وحيدة في مكان من القاعة دون أن تشترك في حديث مع أحد أو تنضم إلى أية حلقة من حلقات المتحدثين المنتثرة في أرجاء القاعة. تقدم ماو، زعيم الدولة والحزب، منها بعد أن عرف مهنتها هي تعليم الإنجليزية، وسأل إن كان بالإمكان أن تكون معلمته لهذه اللغة. في البداية: "ظننت الأمر مزحة ومن قبيل المجاملة التي استدعاها الظرف وأفرزتها المناسبة". وتابعت: لم يشغل مني هذا الكلام أي حيز من التفكير بعد انتهاء المناسبة". إلى أن جاء من يقول لها وهي في ميدان عملها أن مكتب الرئاسة قد اتصل ويسأل إن "كانت ستبرّ بوعدها". ثم انتظمت الدروس. وعند سؤالها عن الأشياء التي كان الزعيم ماو يركز عليها في حرصه على التعلم (وبالمناسبة كانت تستفظع أن تكون أو تسمّى معلمة للزعيم ماو، فهذا ضرب من الخيال، بل هي مجرد فتاة تساعد في تعلّم (الإنجليزية) أجابت أنها أصل واشتقاق الكلمة DIVISIONISM (نزعة تقسيمية)، وأفراد عائلة هذه المفردة الإنجليزية، وبعض الأمور النظرية الأخرى ذات الصلة بالقواعد وخلافه. وعلى سؤال آخر عما إذا بحث معها، في أحاديثهما المتعددة، أي جانب من جوانب السياسة أجابت بالنفي، فهو هناك وآنئذ إنما كان في إجازة من هذا العبء، وهذا مالم يحدث. على أنها كانت مدينة له –كما قالت-بالفضل والشكر لأنه حماها من أن تنالها الثورة الثقافية بأي أذى. لكنها كانت من بين الذين أرسلوا إلى الأرياف وتوزعوا على الأراضي لينتجوا ما يفيد الوطن ويدفع غائلة الجوع في ذاك الوقت العصيب. وهذا ما كانت تجهله، أعني هذه الحرفة. كان ذلك زمن المجاعة (بالمناسبة أفادت أن ماو أقدم على معاقبة المسؤولين عن تعليم أولاده في المدرسة عقوبة شديدة لأنهم خصّوهم بميزات ميّزتهم عن أترابهم أثناء حلول المجاعة. وأفادت أيضاً أنهم ما كانوا يصلون إلى المدرسة في سيارات خاصة أو رسمية، شأنهم شأن لداتهم من التلاميذ الآخرين). وعن مدى اهتمام الزعيم ماو بالآداب الغربية أجابت إنه لم يكن يهتم أي اهتمام ذي بال، فبرأيه الثقافة الصينية هي أم الثقافات والأدب الصيني أدب كافٍ(من الجدير بالذكر أن ماو كان شاعراً له سمعته الأدبية الرفيعة، ورومانسياً في مطالع مقارفته للشعر). أما السؤال الهام الذي جادت به قريحة السائل، والذي استحوذ على كل ما لدي من انتباه واهتمام، فكان عن نقاط الضعف في شخصية ماو. آنئذٍ احتارت المعلمة في ماذا تجيب، إذ كيف لها أن تقضي في نقاط ضعف شخص بهذا الحجم والوزن. إنما –كما قالت-أخطاء مثل هذا الشخص الفردية ليست بذي بال، بل مواطن الضعف تلك التي تطال الأمة بتأثيرها. ولربما –كما قالت- كانت من قبيل أنه كان يعيش داخل شرنقة عبادة الشخص. (على هامش المقابلة تعرض طبيب ماو، في أثناء الحديث، بالذكر إلى أنه رآه ذات يوم يبكي وينتحب. فلما قاربه وسأله عما ألمَّ به علم أنه كان حزيناً لموت آلاف الضحايا في زلزال حدث إبان ذلك في بقعة من بقاع الصين). في أحد الحوارات التي جرت بينها وبين الزعيم الصيني سألها ماو عما إذا كان تعليم الإنجليزية للصينيين يستدعي استيراد مدرسين أجانب، وعما إذا لم يكن من الأفضل تعليمها بأيد صينية. وعلى ذلك قالت: "لا. من الأفضل الاستعانة بمدرسين أجانب لأنهم الناطقون الأصليون باللغة، والخير في أن تستقى بعض جوانب اللغة، اللفظ خاصة، من مظانها وتطلب من أهليها. عندئذٍ قال: "ابحثي، لكن ليكن من سيقوم بهذه المهمة من العمال والفلاحين الأجانب، ولم لا!!". طبعاً كان لها رأيها في أن المدرسين يجب أن يكونوا مثقفين حتى لا يتعلم الصينيون لهجات إنجليزية متنوعة وتفوتهم الإنجليزية الرسمية، تعني إنجليزية المثقفين وإنجليزية لندن القياسية. عندها طلب إليها أن "هيا. حاولي. ليكن ما تريدين". أختم إلى أنه سواء اتفقنا مع طروحات ماو أو لم نتفق، وأيدنا نهجه الذي سار عليه أو لم نؤيد، فليس هناك اثنان يختلفان حول أن الفضل في بناء الصين الحديثة والموحدة إنما يعود بالدرجة الأولى لماو وخاصة أنه سار بها وسط الكثير من الأنواء والأعاصير دفع أثناءها الشعب الصيني ثمناً باهظاً تمثل في مئات الألوف من الضحايا سواء عند التصدي للعدوان الأجنبي وتدخل الدول الكبرى وفرضها الامتيازات بالقوة، أو أثناء اقتتال فئات الشعب الصيني تحت زعاماته، وانقسام الصين إلى مناطق نفوذ وسيطرة توزّعها المتقاتلون. فجاءت ماو وعبقريته الاستراتيجية لترسم للصين نهجاً تتوّج في توحيد البلاد تحت راية الحزب الشيوعي الذي أوصل البلاد إلى خليج آمن بعد أنواء عصفت بها قبيل وأثناء تسلم الشيوعيين للسلطة وتوحيد البلاد. ولم تسلم الثورة نفسها من هذه الأنواء، مما تمثّل في ما سمي بالثورة الثقافية التي ينظر إليها الصينيون، كما لاحظت في زيارتنا لهذا البلد العريق، كبقعة سوداء في صفحة الثورة الصينية الأم الناصعة البياض. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |