|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
أنين الروح ـــ سامر عبد الكريم المنصور رغم أن السماء قد أوشكت على خلع ثوب حدادها فإن النوم لم يعرف إلى عينيه طريقاً بينما كانت زوجته ممددة على السرير المجاور. نهض نحو الشرفة المطلة على حديقة المنزل، غمره نسيم بارد وزقزقات عصافير تغادر أعشاشها، تمطَّى، قرَّب كرسياً إلى حافة الشرفة وارتمى عليه مسنداً ذقنه على ذراعيه الممتدتين على الحافة الرطبة. ******* كان جالساً على مقعده الخشبي في حديقة تعود اللجوء إليها عندما أيقظه من شروده بكاء طفل تدحرج أمامه، أسرع نحوه، نفض الغبار عن ثيابه، وصَلتْ إليهما، أمسكت الصغير من ذراعيه، لامته على ركضه الطائش ثم مالت بعينيها نحوه وشكرته. ومنذ تلك اللحظة لم تغادر فؤاده، العيون التي تلاقت، شرارة ألهبت اليباس المتراكم في قلبه وروحه. كم شكر في سره أخيها الصغير على تعثره في المكان المناسب.. كان لا يزال واقفاً بذهول وعيناه تشيعانهما عندما التفتت إليه وهي تهم بالخروج من باب الحديقة، لوح بيده لهما، ابتسمت، ثم غابت عن ناظريه فارتمى على مقعده مأخوذاً بسحر لم يألفه. مرَّ مساءان، أمضى ساعاتهما نائساً بين مقعده وباب الحديقة ولكن دون جدوى... إذا لم تكن تريد لقائي ثانية فلمَ طوقتني بابتسامتها؟؟ أيلومها أم يلوم نفسه التي ربما وقعت فريسة أوهام وتخيلات؟؟ وفي المساء الثالث وبينما كان يتهيأ لالتهام السيجارة السابعة، أطلت عليه. تسارعت نبضات قلبه، سار نحوها، يريد لو يستطيع أن يضم جسدها الرقيق إليه بقوة، أن يلتهم شفتيها الورديتين، ولكن... رمى بسؤال مغلف بالقلق والتعب: لماذا تأخرت؟؟ واستدرك. عفواً أردت الاطمئنان على أخيك؟؟؟ هل هو بخير؟؟ حسناء كان اسمها ومن غيرها يستحق هذا الاسم. كانت قد أنهت سنتها الثانية في كلية الآداب وأعلمها بأنه قد أنهى السنة الرابعة في كلية الهندسة.. تناقلت الشفاه حديثاً عاماً عن الجامعة وعن صعوبة التعامل مع الإخوة الصغار وأمور أخرى بينما راحت لغة العيون والأفئدة تملأ فراغات اللقاء الأول. مضى الوقت سريعاً كحلم جميل. وفي النهاية مدت يدها تستأذنه بالمغادرة فطوق بكفه أناملها الرقيقة. لابد أن أراك ثانية.. بالتأكيد.. مساء الغد هنا.. حسناً إلى اللقاء.. تركته مخلفة وراءها عاصفة من عطر وقلباً ازداد تعلقاً بها.. كثيرة هي الأماكن التي جمعتهما، والحب يتنامى شجرة تظلل قلبين ينبضان لروح واحدة.... ********* بان قرص الشمس كعين دامعة تسربت أشعتها الحمراء إليه من بين الأغصان، قام عن كرسيه وعبر غرفة النوم بينما كانت زوجته لا تزال تغط في نوم عميق. أعدَّ قهوته، وعاد إلى الشرفة، أشعل سيجارة، سحب منها ماكاد ينهيها، رشف من فنجان القهوة الساخن، بينما كانت الشمس تصعد ببطء سنام السماء... ********** كان الوقت مساءً، دخل المكان الذي تواعدا على اللقاء فيه. في يده وردة حمراء نجح بإقناع حارس الحديقة بأنها لم تكن في مكانها المناسب فغض بصره عنه. موسيقا دافئة تغمر المكان، يسكن الصمت بعض الطاولات وأخرى مسكونة بهمس رقيق حتى لتحسب أنهم يتحادثون بالشفاه لا بالكلمات.... مدَّ يده والوردة، وضعتها على الطاولة ومالت برأسها عنه مسندة خدها على راحة يدها تراقب حركة الشارع من خلف الزجاج. داعبها وهو يضم أناملها بين راحتيه: *آسف على التأخير، وأنا مستعد لأي عقوبة تشائينها... ولما حدق في عينيها أحس غيوماً سوداء تزحف إلى سمائهما، فسألها: *حبيبتي... لم حزنك البادي على وجهك؟؟؟ شعر وكأن الدمع الذي غمر عينيها سهام تملأ جسده فأعاد السؤال. رماه الجواب في دوامة لم يستطع الخروج منها حتى الآن. ******** كانت خيوط الشمس قد طفت على كامل الشرفة فنهض ليعبر ثانية الغرفة التي تضم جسد زوجته الغافي وتناثر على مقعد في غرفة الجلوس، في الحقيقة كان هنالك مجموعة غرف للجلوس موزعة في صالون واسع لكل منها ديكورها الخاص وتفاصيلها المميزة. أسند قدميه على طاولة أمامه وحضنت أصابعه المتشابكة خلفه رأسه المتعب. كان قوساً مشدوداً متوتراً مرهقاً.... ********* بدأت خطواته تتباطأ وهو يقترب من منزلها، صدى المساء الفائت، يقلقه، يرعبه.... طرق الباب الحديدي ففتح على وجه حجري. جلسا متقابلين في غرفة متواضعة. كانت زوجة الوجه الحجري قد أعلمته بأن شاباً زميلاً لحسناء في الجامعة سيزورهم هذا المساء... هاج وماج كثور محاصر وبعد أن هدأت ثورته خاطبها: *سأقابله ولكن ذلك لن يغير في الموضوع شيئاً. ساد صمت ثقيل. أحس وكأنه أمام حصن منيع لا يمكن اختراقه. هيئته تدل على أنه يعتبر الحب فضيحة. كان قد ارتشف نصف فنجان القهوة دون أن يجد الطريقة المناسبة لاختراق ذاك الرأس. ولكنهما اتفقا على أن الحرارة مرتفعة هذا اليوم وعلى ضرورة توسيع شوارع المدينة. ولما أحس بتململ ذي الملامح القاسية نفض العقدة عن لسانه: *عفواً يا عم أود أن أدخل في الموضوع الذي جئت من أجله. *تفضل. كلمة بدت كالرصاصة وهي تنطلق من شفتيه الجافتين. لم يعرف كيف دفق كلماته ولكنه قالها على النحو التالي: *أنا زميل ابنتك في الجامعة (لم يغامر بإخباره بأنهما في كليتين مختلفتين لأن ذلك سيدخله في متاهات لا تحمد عقباها) وأردف بأنه معجب بها (أحسَّ بأن كلمة معجب بها ستكون أقل كثافة من كلمة أحبها أو أعشقها وبالتالي يستطيع ذو الملامح القاسية ابتلاعها. وبالتأكيد لن يخبره بأن علاقة حب تجمعهما منذ سنتين وإنهما كانا ينتظران ظرفاً مناسباً للزواج لأن خبراً كهذا سيفجر البركان الذي لا يزال خاملاً حتى الآن). وتابع: أتمنى لو أحظى بشرف قبولكم على أن.. وقبل أن يتم كلامه قاطعه الرجل قائلاً: *البنت مخطوبة أيها الشاب وزفافها الخميس القادم. وتابع وهو يهم بالوقوف: *في الحقيقة أنا مشغول كثيراً الآن. كانت عتمة الليل تلف المكان خارجاً وتغمر روحه وفؤاده عندما أغلق الباب خلفه بقوة. سار في الشوارع المظلمة كتائه، أمواج أفكاره تعصف داخل رأسه. عاتباً على من في الأرض والسماء لاعناً الفقر الذي يحاصره وذاك الصنم الذي يتهيأ لبيع ابنته لثري عجوز. *ماذا سأفعل الآن؟؟؟ هل أستطيع الحياة بدونها؟؟ يا إله الحب ساعدني... مشى ومشى دون أن يدري أن فؤاده يقوده إلى الحديقة التي احتضنت نظراتهما الأولى فارتمى على المقعد الخشبي مطلقاً العنان لذاته الكسيرة يبكي حباً ضائعاً وعجزاً مرهقاً ثم غفا على وسادة من دمع وألم حتى الصباح. ******** أيقظه من شروده رنين الهاتف، تأفف من رقم المتصل، رفع السماعة وأغلقها بقوة لكأنها لكمة على خد صديقتها المملة والفارغة. عاد إلى استرخائه. أغمض عينيه على ذاكرة تغلي ثم فتحهما على صورة معلقة على جدار أبيض. إطار من خشب يحجز ورداً أحمر وبدلة سوداء وربطة عنق تطوق رقبة كمشنقة ويداً تغلف كتفين عاريين لجسد غاب خلف بريق فستان أبيض. ******* كان جالساً يحدق في فنجان القهوة لما وقفت أمامه. *حان موعد المحاضرة، ألن تدخل إلى القاعة؟ *لا... لا أريد حضورها. *وأنا كذلك فهي مملة وجامدة كما المحاضر.. أتسمح لي بالجلوس؟؟ ودون أن تنتظر رداً ارتمت على الكرسي المقابل. كان في الماضي يتغافل عن اهتمامها الزائد به أما في تلك اللحظة فلم يسحب أصابعه المغمورة بكفيها وهي تسأله: *لم كل هذا الحزن البادي على وجهك؟؟؟ لم يمض غير شهر على ذاك السؤال حتى التمع بين أصابعهما خاتمان ذهبيان. هل كان انتقام معذب أم هروب الغريق؟؟؟ لا يدري وهو يرى ضحكتها النافرة من الصورة إن كانت سعيدة بنيلها شيئاً استعصى عليها وإضافته إلى مقتنياتها. بكل الأحوال لا زالت الزوجة غافية على سريرها الوثير بينما لا زال قلبه يحلق في سماء أخرى. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |