جريدة الاسبوع الادبي العدد 995 تاريخ 25/2/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

كاتب من جيل (الأفق الجديد) يرى أن غياب الطفولة يعني غياب القدرة على استثارة الذاكرة السواحري: هذا زمن يصعب فيه التصالح مع النفس ـــ جعفر العقيلي

يرى القاص والروائي الفلسطيني خليل السواحري أنه من الصعوبة أن يتصالح أحد مع نفسه في هذا الزمن، "إلا إذا استطاع أن يغمض عينيه، ويغلق أذنيه، أو يسترخي في القطب الشمالي بعيداً عن الدم الساخن الذي يُراق كل يوم"، في إشارة إلى ما يحدث للشعبين الفلسطيني والعراقي على يدي الاحتلالين الأميركي والإسرائيلي.‏

ويتساءل السواحري وهو ينظر إلى المأساة العربية الراهنة، وأثرها على تقنيات السرد: "من يكون الراوي سوى نحن الذين نعيش واقعاً تضيق عن تصويره كل أنواع الفانتازيا الأدبية المعروفة؟"، ويتابع في الحوار الذي أجريته معه: "في مثل هذا الجو العابق بالدم لا يمكن أن يتصالح الراوي مع البطل، أو البطل مع الراوي، ولا مخرج سوى أن ينهض الواقع العربي الراهن من هذا الركوع المثير للأسى والإحباط".‏

ويؤكد ابن الريف المقدسي الذي اختار له الناقد العراقي، د.ضياء خضير لقب "قمر القدس الحزين"، في الكتاب الذي أصدره عنه وضم دراسات في أعماله الأدبية، أن فقدان المكان لمحوريته في العمل السردي يعني بالتأكيد أن ثمة خللاً ما يجب الانتباه إليه، لافتاً إلى أن الأعمال الروائية التي ظهرت عن عمّان حتى اللحظة لجمال ناجي وسميحة خريس وزياد قاسم وهاشم غرايبة وعبد الرحمن منكو وغيرهم، شكّل المكان فيها أساساً فنياً يجمع الشخصيات ويضبط إيقاعها الزماني.‏

ويعتبر السواحري المولود في القدس أواخر العام 1940، أن صدور مجلة "الأفق الجديد" مطلع الستينيات، هو نتاج نهوض الحركة الأدبية الأردنية الفلسطينية، مبيناً أن جيلاً من الشعراء والقصاصين والنقاد لم يكن ليبرز لولا هذه المجلة، التي أصبح هناك تيار أو جيل ما يزال المنتمون إليه يحملون اسمها.‏

عمل السواحري ناقداً ومراجعاً لمجلة "الأفق الجديد" المقدسية (1961-1965) ومحرراً للصفحات الثقافية، وصفحات شؤون الأرض المحتلة في صحيفة "الدستور" الأردنية (1966-1985)، ومعلماً في وزارة التربية والتعليم الأردنية (1960-1972)، ومديراً للدراسات في وزارة شؤون الأرض المحتلة (1972-1985)، ثم مديراً لدار الكرمل للنشر والتوزيع، ومديراً عاماً للمكتبة الوطنية الفلسطينية (1995-1996)، وكاتباً لعمود يومي في "الدستور" الأردنية (1984-1985)، وزاوية أسبوعية في "الرأي" (1990-1993)، وأخرى في جريدة "الأيام" الفلسطينية.‏

انتخب السواحري الحاصل على بكالوريوس الفلسفة وعلم النفس من جامعة دمشق (1964) ودبلوم الدراسات العليا في الفلسفة من الجامعة اليسوعية، بيروت (1994)، أميناً عاماً لأول هيئة إدارية لاتحاد الكتاب الفلسطينيين(1969-1970) ورئيساً لرابطة الكتاب الأردنيين (1984-1985)، ورئيساً للجنة موسوعة الفلكلور الفلسطيني، ورئيساً للجنة جوائز نوح إبراهيم للتراث الشعبي الفلسطيني (1987-1998)، فضلاً عن عضويته في عدة اتحادات وجمعيات أدبية وفلسفية عربية مختلفة.‏

وقد حاز السواحري الذي اعتُقل من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وتم إبعاده إلى الأردن في العام 1969، على عدد من الجوائز من أبرزها: جائزة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم للقصة الفلسطينية (1977)، جائزة رابطة الكتاب الأردنيين للقصة القصيرة (1977)، جائزة محمود سيف الدين الإيراني للقصة القصيرة (1986)، والجائزة الذهبية لمهرجان القاهرة الرابع للإذاعة والتلفزيون (1998)، عن تمثيلية إذاعية مقتبسة من إحدى قصصه.‏

صدر للسواحري في القصة القصيرة: "ثلاثة أصوات"، وهي مجموعة قصصية مشتركة مع فخري قعوار وبدر عبد الحق (1972)، "مقهى الباشورة" التي صدرت طبعتها الأولى في العام(1975) ثم صدرت في ثلاث طبعات أخرى، "زائر المساء"(1985)، "تحولات سلمان التايه ومكابداته" (1996)، و"مطر آخر الليل" (2002).‏

وفي الدراسات أصدر السواحري "زمن الاحتلال" (1979)، "مختارات من الشعر الفلسطيني في الأرض المحتلة" (1982)، "حرب الثمانين يوماً في الشعر الإسرائيلي" (1985)، "الفلسطينيون: التهجير القسري والرعاية الاجتماعية" (1986)، "علوم الفلسفة بين الغزالي وابن خلدون"، (1995)، "التوجهات العنصرية في مناهج التعليم الإسرائيلية". (2004)، وفي المقالات صدر له "الأرض والعنقاء" (1982)، "أحاديث الغزاة" (1983)، وخمس طبعات أخرى لاحقاً، "أطفال الآر.بي.جي" (1983)، وله في النصوص "للحزن ذاكرة وللياسمين" (1993).‏

تالياً نص الحوار:‏

س-أبداً من حيث انتهى الشاعر عز الدين المناصرة في كلمته على الغلاف الأخير لكتاب "قمر القدس الحزين": ".... أقول ذلك، لأن السحري تعرض للتشويه مثل سائر المثقفين الوطنيين، ولكن (لا يبقى في الوادي غير حجارته) كما يقول المثل الجزائري"، ما التشويه الذي تعرضت له، وبأي "سلاح" واجهته، إذا كنت قد دافعت عن نفسك؟..‏

التشويه الوحيد الذي تعرضت له جاء من قبل أحد أدعياء النقد والأدب، وهو يقيم الآن في هيوستن بعد أن تم طرده من الإمارات، أصدر صحيفة صفراء مهمتها شتم وتشويه سمعة الناس الشرفاء، وقد طالت أحقاده وتشويهاته أكثر من شخصية أردنية صحفية وسياسية وأدبية، وكنت قد نشرت في جريدة الرأي 14/8/1992 (زاوية 7أيام) مقالاً عن الصحافة العربية الصفراء التي تصدر في الولايات المتحدة، وتمولها جهات مشبوهة ومهمتها الأساسية التحريض على الشعب العراقي والاستعداء عليه ونهش الشخصيات الأردنية والفلسطينية التي تدعم نضال العراقيين في فك الحصار عنهم (آنذاك)، وفي تحريرهم حالياً من الاحتلال.‏

وكان ردي عليه هو مواصلة التجاهل مع يقيني بأنه لن يجرؤ على العودة إلى الأردن لما أثاره من نهش وتشويه لعشرات الشخصيات الأردنية.‏

ومع ذلك فلا يمكن حجب السموات بالعموات (كما يقولون) والناس في الأردن والخارج يعرفون مستوى الجريدة ومستوى الذي يقوم بإصدارها، وقد رد على تخرصاته أكثر من ناقد أدبي ومعظمهم من العراقيين.‏

س-مما يرى الناقد العراقي د.ضياء خضير أن مجموعة "مقهى الباشورة" جعلت التعبير عن القضية الفلسطينية بواسطة القصة القصيرة، يتقدم خطوة أخرى، الآن بعد ثلاثين عاماً... كيف تنظر إلى هذه الخطوة، وماهي برأيك المجاميع أو التجارب اللاحقة التي مثّلت خطوات أخرى على هذا الدرب؟...‏

صدرت مجموعة "مقهى الباشورة" في أربع طبعات أولها الطبعة التي أصدرها اتحاد الكتاب العرب في دمشق 1975، وهي تصور النضال العفوي للشعب الفلسطيني خلال الأعوام الأولى من الاحتلال (1967-1969)، وفي ظل غياب التنظيمات السياسية الفاعلة آنذاك، وقد اعتبر معظم النقاد الذين تناولوها (أكثر من ثلاثين ناقداً) أنها كانت تمثل مرحلة جديدة في القصة القصيرة الواقعية، من خلال شخوصها البسطاء (القرويين غالباً) وكيفية تماسهم مع عالم المدينة (القدس) والقضايا اليومية التي بدؤوا يواجهونها مع الاحتلال.‏

وقد أثار بعض النقاد إلى تشابه التجربة بأسلوبها الواقعي الساخر بين "مقهى الباشورة" و"سداسية الأيام الستة" لإميل حبيبي، وبعضهم ذهب إلى اعتبارها نمطاً من الواقعية الشعبية والواقعية التسجيلية.‏

هذه المجموعة في مرحلتها التاريخية (السبعينيات) كانت نمطاً جديداً من الكتابة القصصية التي تتشابه مع ما أنتجه في ذلك الحين كتاب الواقعية في مصر (يوسف إدريس مثلاً).‏

على صعيد القصة الأردنية يمكن أن نتلمس ذلك في إصدارات السبعينيات وبداية الثمانينيات لكل من فخري قعوار وبدر عبد الحق في المجموعة القصصية المشتركة التي أصدرناها عام 1972، وفي رواية "العودة من الشمال" لفؤاد القسوس.‏

وفي معظم روايات وقصص رشاد أبو شاور ومحمود الريماوي ويوسف ضمرة وإبراهيم العبسي وخليل قنديل وغيرهم, وكذلك في روايات سميحة خريس وقصص هاشم غرايبة. ثم تواصل تيار الواقعية في كتابات جيل الثمانينيات والتسعينيات، وليس ثمة مجال لحصره لكثرة الأسماء وتفاوت المستويات وطرق التناول.‏

وقد تزامن ذلك مع ظهور أنماط من التجريب في كتابة القصة القصيرة الأردنية منذ أواخر السبعينيات وما يزال هذا النهج متواصلاً.‏

س-يحار المرء في تصنيف "تحولات سلمان التايه"، هل هي رواية، أم قصص، أم حكايات، أم سيرة ذاتية، أم كل ذلك جميعاً؟.. ثم هل من عفوية في الكتابة بهذا النسق، أم أنك تقصدت أن تفعل ذلك؟..‏

ذهب الكثير من النقاد إلى اعتبار مجموعة "مقهى الباشورة" القصصية رواية نظراً لوحدة المكان والشخوص التي تتحرك فيه، وهي الشخوص نفسها في معظم القصص، ومثل هذا الرأي قيل في "تحولات سلمان التايه"، أكثر من ناقد اعتبرها رواية كتبت بطريقة ما، فالشخصية الرئيسة في المجموعة هي نفسها، وإن اختلفت وجوه المعاناة فيها، أو اختلف المستوى الاجتماعي والثقافي.‏

حين أحاول المقارنة بين "مقهى الباشورة" 1969، و"سلمان التايه" 1997.‏

أجد تشابهاً عجيباً رغم اختلاف الأسلوب، فالمكان هو البطل الرئيسي في "المقهى" في حين أن الشخص (الإنسان) هو البطل الرئيس في " التحولات"، ولذلك أسبابه؛ فالمكان عام 1969 وحتى أوسلو كان ما يزال وطناً له كل سمات الوطن الذي يمكن تحريره والعودة إليه، لا مستوطنات ولا تعديلات ديمغرافية أو حضارية، حتى على مستوى القدس العتيقة، وحين عدنا بعد أوسلو لم نجد وطناً، وجدنا خراباً جغرافياً واجتماعياً وثقافياً وعمرانياً، وجدنا أرضاً مشوهة، وناساً يتعرضون للاستلاب اليومي.‏

أذكر أن لجنة الطلبة العرب في الجامعة العبرية دعتنا إلى ندوة للحديث عن انطباعاتنا عن العودة والوطن، كنا ثلاثة من العائدين أنا والصديقان محمود شقير ونعيم الأشهب، وكانت الانطباعات متشابهة، وحين قلت إن القدس في صورتها الراهنة (بعد أكثر من ربع قرن من الاحتلال)، وما يلاحَظ فيها من عزل عنصري بين القدس العربية والأخرى الغربية تذكرني بمعازل السود في شيكاغو، وبالفرق بين نظافة أحياء البيض وأناقتها وبين القذارة والإهمال في أحياء السود (رغم أن البلدية واحدة)، قال لي أحد الطلبة: هذا ما قاله إدوارد سعيد من قبل حين زار القدس قبل عامين.‏

ثمة فرق آخر مهم، هو أن تناول القدس في "مقهى الباشورة" كان من الداخل، من بين الناس العرب داخل الأسوار وخارجها، في حين أن "تحولات سلمان التايه"، كانت تتناول القدس من الخارج من الزوايا المحيطة (جبل المكبر وجبل الزيتون والمناطق المتاخمة من الشمال)، حيث يحتشد الفلسطينيون في الرام وغيرها بعد أن حرمتهم بلدية القدس الإسرائيلية من إقامة أية مبانٍ في القدس الجديدة خارج الأسوار، وبعد أن صادرت بعض بيوتهم داخل الأسوار بدعوى أنها كانت مملوكة لليهود قبل عام 1948. وإذا كان خيط الرواية قد انتظم مجموعة ( مقهى الباشورة) بشكل عفوي، فإن التكنيك ( الرواية – القصة القصيرة) كان مقصوداً تماماً في " تحولات سلمان التايه".‏

س-في سياق متصل، لـ"الواقعي" اشتراطاته التي قد تفعل فعلها على حساب "الفني"، ولكن في "تحولات سلمان التايه"، يتعاضد الواقعي والفني دون أي تنافر بينهما، في خدمة النص-الفكرة، كيف وصلت إلى هذه الصيغة التوافقية.؟..‏

في الحقيقة وجدت نفسي عاجزاً خلال الفترة التي انقضت مابين صدور مجموعة (صدرت خلالها "زائر المساء")، وكانت تحمل إرهاصاً بتغير الأسلوب (من الواقعية الشعبية إلى الواقعية العادية)، وجدت نفسي عاجزاً عن مواصلة التعامل مع النماذج الشعبية الريفية التي كنت قريباً منها في بداياتي القصصية (مجموعة "ثلاثة أصوات" مثلاً)، وانحسرت اللغة العامية المدججة بالأمثال الشعبية، وكانت الحصيلة هذا الأسلوب الذي خرجت به مجموعة "سليمان التايه"، ومن بعدها مجموعة "مطر آخر الليل".‏

ولست أدري إن كانت اشتراطات الواقعي في قصصي الأولى(التي حوّل بعضها الصديق نزيه أبو نضال إلى سهرات إذاعية)، قد فقدت بعضاً من شروطها الفنية ولكنني أتفق معك في أن السياق الفني في "التحولات" كان له أثر على السياق الواقعي، وقد جاء ذلك لحساب تطور السرد القصصي ونضوجه، ولكل زمان مرحلته، وماكان يناسب الستينيات ("ثلاثة أصوات"، و"مقهى الباشورة")، لم يعد يناسب مرحلة التسعينيات، ولو ظل الأمر كذلك لكان فشلاً ذريعاً في تطوير السرد والتكنيك.‏

س-لماذا تبدو قصصك مجافية لعالم الطفولة، ولا حنين فيها للماضي... هل هو هروب من الذكريات... أم أن مرحلة الطفولة لا تمثّل لك شيئاً، أم أردت عبر ذلك أن تقول إن الإنسان الفلسطيني حُرم من طفولته ولم يعشها؟...‏

هذه الملاحظة أوردها الصديق موسى الصرداوي (شاعر من جيل الستينيات مقيم في السويد) حيث قال إن الطفولة غائبة أو مغيبة تماماً في قصصك، هل لاحظت ذلك؟..‏

في هذا السياق أقول إن غياب الطفولة يعني غياب القدرة على استثارة الذاكرة، إحدى المنابع الخصبة للإبداع، وحين قمت بمراجعة كتاباتي، الإبداعية وغير الإبداعية، وجدت أن ذلك صحيح تماماً. وتساءلت: هل حدث ذلك لأن الطفولة كانت مشحونة بالعذاب، وتريد الذاكرة أن تنجو من استعادته، وفقاً للمقولة التي تذهب إلى أن نسيان الشقاء هو ضرب من استجلاب السعادة الغائبة.‏

جيلنا الذي تفتح وعيه على النكبة، وكانت النكبة جزءاً من طفولته، ما الذي يمكن أن يجد فيها غير المرارة والقسوة؟... أهوال الأربعينيات وجوع الخمسينيات، ومن ثم الخروج إلى مغامرة الحياة في متاهات الغربة والتشرد.‏

ولا أدري إن كنت سأجد فرصة أشحذ فيها الذاكرة، ولكنني واثق من أن قسوة الحاضر قد تقود إلى الهروب مجدداً إلى الماضي، إلى مخزون الذاكرة، من قال إن الحاضر أكثر إشراقاً حتى من البدايات الأولى لضياع معظم الوطن، ثم ضياع بقيته، ثم ضياع الحلم بالعودة المنتصرة التي لاتنكسر فيها الأحلام إلى الحد الذي يتمنى المرء فيه أحياناً لو أنها لم تتم، فالعودة إلى أنقاض حلم هي أشد بؤساً من المنفى العابق بالأحلام.‏

إشارتك إلى إشكالية غياب الطفولة تفسر لي الآن، ولأول مرة، لماذا غاب عن تجربتي حتى مجرد محاولة الكتابة للأطفال أو إيلاء أدب الطفولة بعضاً من اهتمامي.‏

ومع ذلك فإن كتاباً آخرين أبدعوا في استعادة طفولتهم عبر الإبداع أو الكتابة السياسية، وخير مثال لذلك الصديق فيصل الحوراني في الجزء الأول من "رباعية دروب المنفى" وفاروق وادي في "رائحة الصيف" وإبراهيم العبسي في "المطر الرمادي" ورشاد أبو شاور في "أيام الحب والموت" وغيرهم كثير.‏

س-تنتمي إلى الريف المقدسي، وربما يفسّر هذا الإحساس الطبقي الذي يرافق أعمالك القصصية... هل هذا هو السبب أيضاً في موقفك الضدّي (كاتباً) من عالم البرجوازية الوطنية، وميلك إلى عالم البسطاء؟..‏

هذا صحيح تماماً، بدأ إحساساً فطرياً، ثم أصبح أيديولوجياً حين انخرطت في الحزب الشيوعي الأردني عام 1966، في المجتمع الفلسطيني تنظر المدينة إلى الريف نظرة دونية، إلىدرجة أصبح فيها التصاهر بين الريف والمدينة شبه منعدم، ومع الأسف فإن فلاحي الأرياف المحيطة بالمدن الكبيرة غالباً ما يكونون عمالاً أو حتى خدماً لدى الأرستقراطية المدن، وهو الأمر الذي يبعث نوعاً من الكراهية الطبيعية، ولكنها لا تصل مطلقاً إلى حد الاحتراب، ربما لأن الوطن الفلسطيني كان مهدداً بما هو أخطر من ذلك (الهجرة اليهودية والحركة الصهيونية)، ولكن ازدواجية المدني و الفلاح ما تزال رواسبها تتحرك في النفوس حتى بعد احتلال 1967.‏

من هنا قام البورجوازي الفلسطيني صاحب المخبز بالوشاية على العامل لديه وسلمه للمحتلين لأن بعض رجال المقاومة استبدلوا منه العملة الأردنية بالعملة الإسرائيلية (قصة "الذين مروا من هنا" في "مقهى الباشورة") كما كانت رموز السلطة (المختار أو الساعون وراء المخترة أو الرموز المستغلة للسلطة الدينية)، نماذج سوداء في قصصي الأولى.‏

كان ذلك في وقت مبكر، وأعتقد أن البورجوازية (أرستقراطية المدن)، ما تزال تنأى بأبنائها عن المشاركة في المقاومة، وظل ذلك صحيحاً حتى بعد عودة "أوسلو" 1995، وظل الفلاحون وأبناء المخيمات هم حطب المقاومة ووقودها.‏

س-بلورت قصصك عبر تجربة "الأفق الجديد" تياراً سمي باسم هذه المجلة، كان بمثابة طليعة الجيل الرائد في كتابة القصة الحديثة في الأردن وفلسطين.. الآن، وقد مضى على الريادة أكثر من أربعة عقود... كيف تنظر إلى المشهد القصصي هنا؟..‏

شهدت مرحلة الستينيات نهوضاً في الثقافة العربية والنضال السياسي والحزبي (ربما بسبب المد الناصري)، وقد تمثل نهوض الحركة الأدبية الأردنية الفلسطينية في صدور مجلة "الأفق الجديد" التي صدرت بين عامي 1961 و1966، وبرز جيل من الشعراء والقصاصين والنقاد لم يكن ليبرز لولا هذه المجلة، وأجزم أن الشاعر عز الدين المناصرة هو أول من استخدم مصطلح جيل "الأفق الجديد" في إشاراته النقدية.‏

ذلك لا يقلل مطلقاً من دور جيل الشيوخ أو الأدباء المخضرمين في حينه، أو يتنكر لجهودهم في الإبقاء على الشعلة الأدبية الأردنية منذ أواخر الأربعينيات وحتى أوئل الستينيات، ومن هؤلاء عيسى الناعوري وحسني فريز وعبد الحليم عباس وروكس العزيزي وأمين فارس ملحس وسميرة عزام ومحمود الإيراني وغيرهم.‏

ولكن (الأفق الجديد) كانت قفزة كبيرة ظهرت على صفحاتها إبداعات جديدة وأقلام جديدة لا يمكن حصرها الآن، كانت "الأفق" مرحلة نهوض أدبي، وكان رئيس تحريرها أمين شنار نموذجاً للعقل الأدبي المتفتح الذي استوعب كل التيارات، وأفسح المجال للكتاب الواقعين للتعايش مع التوجهات الدينية التي ظلت راسخة في هذه المجلة إلى حين توقفها عن الصدور.‏

س-تشهد قصصك على تحول الراوي من السخرية من نفسه ومما يحيط به في "مقهى الباشورة"، إلى المرارة والخيبة في "سليمان التايه")... لو أنك ستكتب قصة في هذه الفترة، ترى ما هي الحال التي سيكون عليها الراوي؟.. ولماذا؟...‏

ملاحظتك صحيحة، والسخرية من النفس قد تبدو أعلى صور السخرية، ولذلك أسبابه، فقد ظل المشهد الفلسطيني العربي إلى ماقبل كامب ديفيد واتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية باعثاً على الأمل في تحرير الأرض من الاحتلال والاستيطان، وكان للسخرية متسع حتى في زمن الاحتلال الثاني 1969. وبعد الاحتلال الثالث (السقوط العربي في كامب ديفيد) لم يعد ثمة مجال للسخرية السوداء، أصبح المشهد مراً، وكانت الخيبة الكبرى في عودة أوسلو التي لم تمنح الفلسطيني العائد معبراً نظيفاً من وجوه المحتلين أو عبوراً إلى القدس دون الخضوع لجنود الاحتلال وحواجزهم.‏

كان العائدون أو المقيمون غرباء في وطنهم، وما يحدث الآن في غزة هو المشهد الدال على الحالة السوداء التي يعيشها الفلسطينيون ممن تشردوا عام 1948، أو ظلوا هناك بعد عام 1967، وكما قال صلاح عبد الصبور في ذات قصيدة:‏

"يا صحبتي: قلبي حزين، فمن أين آتي بالكلام الفرح؟".‏

ومن هنا جاءت قصص مجموعتي الأخيرة "مطر آخر الليل" نمطاً من التعبير الغريب عن فقدان الوطن، هي أسفار في الخارج بدأت تتحول إلى بديل للوطن، وذلك هو ما أشار إليه أحد النقاد في معرض حديثه عن هذه المجموعة.‏

كنا رضينا من الغنيمة بالإياب، ولكن هل هو إياب حقيقي؟... ذلك هو التساءل.‏

س- الراوي مرة أخرى .. لماذا تتقصّد أن تجعله يكتشف دائماً أنه متناقض مع نفسه، ومع قناعاته الشخصية السابقة. أما من سبيل لتجعله متصالحاً مع ذاته؟...‏

هذا زمن يصعب فيه التصالح مع النفس، وحين تنظر إلى المأساة العربية الراهنة، مذابح العراق وفلسطين والسودان، ومن قبلها الصومال والجزائر والحرب الأهلية اللبنانية، تجد أن من الصعوبة حقاً أن يتصالح أحد مع نفسه، إلا إذا استطاع أن يغمض عينيه ويغلق أذنيه أو يسترخي في القطب الشمالي بعيداً عن كل هذا الدم الساخن الذي يراق كل يوم.‏

ومن يكون الراوي سوى نحن الذين نعيش واقعاً تضيق عن تصويره كل أنواع الفانتازيا الأدبية المعروفة؟.. في مثل هذا الجو العابق بالدم لا يمكن أن يتصالح الراوي مع البطل أو البطل مع الراوي، ولا مخرج سوى أن ينهض الواقع العربي الراهن من هذا الركوع المثير للأسى والإحباط.‏

س-شخصياتك القصصية هي تنويعات على وتر شخصية واحدة إلى حد كبير، لكنها قد تغير بعض التفاصيل الخاصة بها بين قصة وأخرى دون أن تتغير التقنيات المرافقة لوظيفتها الحكائية، أو على صعيد أفعالها السردية... وهذا يمنح قصصك بعض خصائص الرواية... هل تنظر إلى تجربتك مثلاً على أنها رواية متعددة الأجزاء؟...‏

نعم هي كذلك، فالتائه ليس صفة لأحد دون آخر من الفلسطينيين، تيه في الخارج وتيه في الداخل، ولعل التيه هو الصفة الوحيدة التي تصدق على الجميع، ولولا هذه المقاومة العنيدة والشرسة والمكلفة التي تخوضها بعض الفئات الفلسطينية ("حماس" و"الجهاد" وغيرهما)، لكان الضياع الحقيقي، فهذه الجذوة ما تزال هي البوصلة في عصر تحولت فيه المقاومة إلى إرهاب، وتحول فيه الإرهاب الفعلي للشعوب العربية (الشعب الفلسطيني خاصة)، إلى عمل شرعي مبرر في زمن انقلبت فيه الموازين، واختلطت القيم، وتحول الشر إلى خير، والخير إلى شر مطلق.‏

ومع ذلك فإن السوداوية تظل تلاحقنا، فكيف يمكن لأحد أن يتجاهل حتى في لا شعوره هذا القتل اليومي الذي يتعرض له الفلسطينيون والعراقيون؟...‏

تعدد الشخصيات يصب في نهاية المطاف في شخصية واحدة، مادامت المعاناة واحدة، والغربة واحدة، والوطن لا ينفرد أحد بخرابه دون أخر.‏

ولست أدري إن كانت هذه القصص تمثل رواية متعددة الأجزاء، ولكن وحدة الموضوع ووحدة المكان تجعلان منها شيئاً صالحاً لأن يكون رواية.‏

س-يبدو المكان في أولى مجموعاتك "مقهى الباشورة" بطلاً بينما يتنحّى في "تحولات سلمان التايه" لصالح الشخصية... هل تعتقد أن المكان لم يعد ذا ملامح لتمنحه البطولة التي يستحق؟...‏

فقدان المكان لمحوريته في العمل السردي يعني بالتأكيد أن ثمة خللاً ما يجب الانتباه إليه. الأعمال الروائية التي ظهرت عن عمّان حتى اللحظة لجمال ناجي أو محمد سعيد الجنيدي أو سميحة خريس أو زياد القاسم أو هاشم غرايبة أو عبد الرحمن منكو وغيرهم ممن لا أذكر، شكّل المكان فيها أساساً فنياً يجمع الشخصيات ويضبط إيقاعها الزماني.‏

في المجموعة الأولى كانت شخصية المكان (مدينة القدس) هي الطاغية، وفي "سلمان التايه" كان الشخوص هم الأكثر بروزاً (الوجوه المتعددة لسلمان التايه)، ربما تضاءل ارتباطه بالمكان، ولكن القدس تظل هي القدس، سواء جاء النظر إليها من الداخل أو من الخارج.‏

س-"أصحاب المنازل غادروها ولكن الحَمام لم يغادرها... الحَمام هو الكائنات الوحيدة التي لا تبرح مساكنها إلا إلى السماء أو إلى المذبحة"... هذا مقطع من إحدى قصصك... وسؤالي هو: هل يكفي الحَمام للدلالة على وطن؟...‏

شخصية الحَمام شخصية فريدة في التاريخ، ليس لأنه الكائن الأول الذي بشر بانحسار الطوفان وعودة الحياة إلى الأرض في قصة نوح،و لكن لأن له التصاقاً عجيباً بالمكان، فهو حين يغادره إلى السماء لا يلبث أن يعود إليه، إحساس الحمام بالوطن لا يضاهيه إحساس البشر بالوطن، فالحَمام يعود إليه حتى وهو يعلم أن مصيره أو مصير فراخه الذبح، يعود إلى المكان رغم يقينه من أن فراخه قد ذبحت، وقد لاحظت هذه الظاهرة مع الصديق د.عبد الكريم أبو خشان (جامعة بير زيت)، وأبدى استغرابه لظاهرة تمسك الحَمام بالوطن حين عاد إلى قريته المهجورة منذ عام 1948 فلم يجد فيها كائناً مقيماً سوى الحَمام، ألا يستحق الحَمام أن يكون بطلاً وكائناً دالاًّ على الوطن نفسه؟..‏

س-ثمة سخرية ملحوظة في قصصك، داخل الحوارات، وعلى لسان الراوي أيضاً، إلى أي مدى يمكن اعتبارك كاتباً ساخراً، أو اعتبار ما تكتبه أدباً ساخراً؟...‏

لا أدعي بأنني كاتب ساخر، الكتاب الساخرون من أمثال التركي عزيز نيسين يبدعون في تحويل الحدث العادي إلى حدث كاريكاتيري مضحك، وكذلك الشخصيات.‏

لقد وفقت أحياناً في اختيار بعض الشخصيات الكاريكاتيرية، ولكنني لم أمعن في ذلك كما فعل كتاب آخرون مثل محمود السعدني في مصر، وشريف الراس في سوريا وغيرهما.‏

س-توقف عدد من النقاد الذين تناولوا أعمالك عند سمة تتفرد بها، يمكن دعوتها بـ(الواقعية الشعبية)... ما رأيك بهذا التعبير، وهل المسافة بينه وبين (الواقعية السحرية) كبيرة؟...‏

لا أدري ما الذي تقصده بالواقعية السحرية، ولكن السرد البسيط الذي يوازن بين تصوير الخارج واستبطان الداخل بلغة شفافة هو نوع من الواقعية السحرية، فالنص يبقى قصصياً ولا يغرق في متاهات الخاطرة أو المقالة القصصية أو حتى القصيدة المنثورة أحياناً.‏

لقد نجح التجريب في القصة الأردنية القصيرة على يد جيل أواخر الثمانينيات والتسعينيات، ولكن ذلك لا يعني أن حصيلة هذا التجريب ستطرد القصة القصيرة من مواقعها التاريخية منذ تشيكوف وحتى يوسف ضمرة وجعفر العقيلي وإبراهيم جابر وبسمة النسور وجميلة عمايرة ومنال حمدي وسائر كتاب هذا الجيل.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244