|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
حوار مع الأديب والناقد د.عبد الكريم الأشتر ـــ فوّاز حجّو وأنت تحاور الأستاذ الناقد الدكتور عبد الكريم الأشتر لا تعرف من أين تبدأ معه، وذلك لأنك تشعر أنك أمام ناقد كبير متعدد الاهتمامات، ولديك رغبة في الخوض معه في كل حقول الأدب التي بات فيها خبيراً من كثرة تراكم التجارب لديه في مثل هذه الحقول. فهو في مجال التعليم الجامعي أستاذ الأساتذة الذي تخرجت على يديه كثير من الأجيال في عدد من الجامعات المحلية والعربية. وفي مجال النقد الأدبي فهو ناقد مخضرم برتبة مجتهد، وقد حاول أن يضع في طريق الحركة الأدبية معالم بارزة في النقد، وحين نتحدث عن الحركة النقدية في سورية لابد لنا من التوقف مطولاً مع نتاجه النقدي الهام، فهو من النقاد المعدودين والبارزين في سورية الذين أثروا الحركة الأدبية بنتاجهم وقد تجاوز عدد كتبه العشرين كتاباً وهي تجمع بين النظرية والتطبيق وبين الدراسة والبحث وبين التراث والحداثة. وحول تجربته النقدية كان لنا معه هذا الحوار. س1- إذا طلبنا من حضرتك أن تقدم نفسك إلى القرّاء فماذا تقول؟. ج1-فرْدٌ من جيل عاش بين القديم والحديث، وحاول أن يوفق بينهما على أسس معرفية واضحة. لم يملك الجرأة على البوح بكل مافي نفسه، فعاش يغصّ بما تبقى منه. اكتشف، في مرحلة متأخرة، أنه ضلّ الطريق إلى نفسه، فتمنى لو عاد إلى أول الطريق. يسعى دائماً وراء المحال فيعذب نفسه ويعذب من حوله. يدرك اليوم، كما لم يدرك من قبل، أنه مكتوب على الإنسان أن يظل عمره أمام الباب المحجوب يبحث عن مفتاحه الضائع!. س2-حبذا لو أطلعتنا على جانب من المعارك الأدبية التي واجهتك حول ما كتبت ونشرت في الأدب والنقد واللغة العربية، وذلك من موقعين: موقع الناقد وموقع المنقود أو في مجال النقد ونقد النقد. ج2-لا تخلو حياة كل من اختار أن يحمل القلم ويخاطب الناس، ممن يعترض طريقه بالحق مرة وبغير الحق مرة، ومن ظنّ أن الطريق مفتوحة عن آخرها فقد خدع نفسه. وفي أمثال العرب مِثل قولهم: ((لكل خِطاب جواب))، وقولهم: ((الحق مَغْضَبَة)) وقولهم فيمن يعاند الحق لأسباب كثيرة: ((عنْزٌ ولو طارت)). وقد أقامت وزارة الثقافة مؤخرا، بالاشتراك مع مؤسسة البابطين في الكويت مهرجاناً خطابياً للشاعر عمر أبي ريشة، اختارت أن تجعله في حلب. واختارت للكلام فيه طائفة من الأدباء والنقاد، فرأيت الكلمات تنصرف كلها إلى الإشادة بفن الشاعر واحتفاله بالصورة، فاخترت أن أجعل الكلام في الجانب النقدي (متابعة نقدية) إذ رأيت اهتمامه بالصورة شغله عن كل شيء آخر في شعره، حتى استحال بعضه إلى هياكل لغوية جميلة عاقت الحركة الدرامية في بعض الفصول المسرحية التي كتبها ولم يتمّها لكثرة ماكان يعاني في نَحْت الصور، وجففت عاطفته. وهو كلام كان الناقد أنور المعداوي قاله. ولأبي ريشة كلام يذهب فيه مذهب من يرى أن مهمة الشاعر الأولى أن ينحت الصور. وقد أزرى بالشاعر العربي القديم أن شعره خلا من الصور المبتكرة. ولم يتأخر لهذا عن وصف بعض الشعراء القدامى الكبار (أبو نواس مثلاً) بالسخف. فهكذا علّلتُ لقلة محصوله الشعري بالنسبة إلى عمره الطويل (ديوان واحد يزيد ويَنْقُص فيه)، وبالانصراف عن إتمام الفصول المسرحية التي بدأ يكتبها (سمير أميس مثلاً، والملحمة الإسلامية)، وعن تطوير لغته بهذه العلة. وقد كنت عرفت أبا ريشة منذ سن الصبا في حلب، واستمعت إلى إنشاده الرائع لشعره، واستمتعت بسطوع موسيقاه بما جعلني أظن أن نظرته إلى حركات التجديد في الشعر (شعر التفعيلة مثلاً) متأثرة كثيراً بقدرته الاستثنائية في الإلقاء، وروعة التغني بموسيقا الشعر الموروثة. أثار هذا الكلام المُنْتَدِين فانصرف كثيراً منهم عن أبي ريشة إلى الردّ عليّ، حتى وصلت إلى أن قلت لهم: إني أرفض أن تجعلوا من الشاعر وثناً للتعبد. أنتم تقلصون مساحة الرأي في الجانب الإنساني منه. ذكرت هذا لأصل إلى الكلام على بعض المعارك التي اكتويت بحرارتها، وقد جرّ إلى واحدة منها دعابة أجريتها من حول لهجة الحلبيين (وأنا حلبي عظماً ولحماً وعصباً)، وأخذِهم فيها ببعض الصياغات، وحذفهم بعض الحروف في مخاطباتهم وهم في هذا متأثرون لاشك بصياغات العربية السريانية (من الآرامية) التي ورثوها في منطقتهم من قبل الفتح الإسلامي. وكان السبب أنهم وزّعوا في بعض الشوارع أوراقاً تدعو إلى إصلاح بعض الألفاظ والصياغات والصور في الدارجة الحلبية. وكنت أملأ في إحدى الصحف زاوية أسبوعية، فكتبت زاوية بعنوان (كلام في كلام) جريتُ فيها على مجرى الدعابة وأتيتُ فيها على لهجة أهلنا في دمشق ومضى يومان أو ثلاثة على نشرها فتلقيت اتصالاً نُقِلَ إليَّ فيه استياء بعض الأوساط الحلبية الرسمية مما كتبت. وظننته أول الأمر يمزح فإذا هو في غاية الجدِّ. ذكرت يومها قول الشاعر: صار جدّاً ما لهونا به * * * رُبَّ جِدّ جرّهُ اللعبُ وصدرت ردود كان فيها ردّ خاض خوضاً قبيحاً فيما لا يحسن مسّه، كتبه أحد تلامذتي القدامى! وخرج به على كل المواصفات. وواحدة أخرى تشبهها كانت إثر كلامي على المدارس الخاصة من حيث نهوضها بتبعاتها وكان مدير المدرسة التي أعمل فيها شاباً فأصدر منشورات وزعها في المدينة، ملأها بالقذف. ورفع دعوى في المحاكم اضطرتني إلى الوقوف أمامها. انتهى الأمر بالتبرئة من تهمة التشهير ولكني ما أزال أحمل في نفسي من آثاره ندوباً عميقة. فقد خرجوا في الخصومة عن كل حدّ. وكنت على أبواب التقدم للدفاع عن رسالتي لدرجة الدكتوراه، وكانت عن الشاعر العباسي "دعبل بن علي الخزاعي"، أحد شعراء آل البيت. وصدر يومذاك (1962) كتاب لأستاذين من أساتذة الجامعة الأمريكية في بيروت، نال فيه أحدهما من أستاذي الدكتور محمد مندور فجعله، لإحساسه باقتراب نهايته، يتعجّل بحوثه، فيسيء إلى السمعة التي تعب في كسبها. كان يرمي فيما كتبه إلى الثأر من مندور الذي كان ضمن مناقشيه في رسالة الدكتوراه، إذ كان من رأيه في الطالب أنه لم يتجاوز في عمله بذل الجهد العضلي في الجمع والتصنيف. زرتُ الدكتور مندور يومها. وقرأت عليه ما كتب الأستاذ عنه، فرأيته في حال من الألم لم أره في مثلها من قبل. وصوّرتُ الموقف في إحدى المقالات التي كتبها عن مندور، فكان ردّ هذا الأستاذ، وقد اقتربتْ جلسة الدفاع عن أطروحتي، أن أخرج ما سماه (ديوان دعبل الخزاعي) بالعودة إلى بعض المخطوط والمطبوع (وكان فيما يبدو يعمل على جمعه من قبل). وكانت إحدى حججي في المناقشة إخراج الديوان من المخطوط والمطبوع. ففوّتها عليّ، وكنت بذلت فيها سنتين كاملتين من عمري. واجهتُ الموقف بالتسليم بما وقع، على أني وعَدْتُ بأن أكتب في الديوان الذي أخرجه الأستاذ نقداً شاملاً، ووفيتُ بعدها بما وعَدْتُ فكتبتُ نقداً شاملاً نشر في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، أثار اهتمام المختصين بتحقيق النصوص، وكان موقف الدكتور مندور من بعد، موقف الأستاذ الذي يرفع نفسهُ عن الصغائر، مما عددته درساً في الأخلاق أفدتُ منه أحسن الفائدة. هذا ما خطر لي في الساعة التي نتحدث فيها. ولو استمرّيتُ في الذكرى ضاق المجال. س3-متى يكون الكاتب باحثاً، ومتى يكون دارساً، ومتى يكون ناقداً؟ وأيضاً متى يكون مثقفاً، ومتى يكون مفكراً، ومتى يكون عالمًا؟وذلك بالمصطلح العلمي لهذه المفاهيم،وحبذا لو اقترن التعريف ببعض الأمثلة والأدلة. ج3-الفروق بينها متداخلة، ومن الصعب إقامة حدود فاصلة بينها، إلا عن طريق التغليب الكمي والنوعي. الباحث لابد أن يتحول إلى دارس في مرحلة من مراحل البحث، والدارس لابد أن يحتاج إلى البحث في مسألة أو مجموعة مسائل تكمل درسه. والناقد بعد هذا يجد نفسه مسوقاً إلى البحث والدرس في أحيان كثيرة، حتى يبني أحكامه النقدية (الفنية والجمالية) على قواعد يستخلصها لنفسه. ثم إن الباحث والدارس، من وجهة ثانية، لابدّ يجدان نفسيهما يلقيان ببعض الأحكام النقدية خلال البحث والدرس. وتبقى العبرة، في آخر الأمر، للصفة الغالبة في النتاج العام، من الوجهتين النوعية والكمية. يضاف إلى هذا اتباع الناقد لمنهج من مناهج النقد (وما أكثرها هذه الأيام!). واتباع الباحث للمنهج العلمي في بحثه، من مثل الرجوع إلى المصادر الأولى، واتِّضاح الرؤية قبل القيام بالتخطيط له، وما ينبغي أن يراعى في التخطيط، وما يلزم أن يراعى في صياغة الوحدات في الكتابة.. الخ كما يلزم الدارس أن يراعيه في درس المادة التي ينوي دراستها، مثل التأريخ للظاهرة المسرحية عبر النصوص التي جمعها أو النظر في نصوص السيرة الذاتية في الأدب العربي في القديم أو الحديث أو فيهما معاً، واستخلاص خصائصها العامة الخ... وكثيراً ما تختلط هنا صفة الباحث بصفة الدارس. ويبقى الناقد أعلاها رتبة لمجموع المعارف التي يلزم أن يحصّلها ويطبقها بحصافة قبل أن يستحقّ اللقب (معارف نفسية واجتماعية وعلمية عامة ولغوية وأدبية وتاريخية وجغرافية) إضافة إلى تكوينه الخاص (الحساسية والرهافة، وحيوية الحركة الذهنية، وغنى الوجدان، وحدّة الفكر الخ...). على أنه كثيراً ما تختلط هذه الصفات في تسمية رجل واحد. س4-كنتَ واحداً من لجان التحكيم في عدد من المسابقات الأدبية محلياً وعربياً، وكنتَ بالمقابل واحداً من لجان الحكم في عدد من المناقشات الأكاديمية لرسائل الماجستير والدكتوراه، فكيف كنتَ تمارس مهمتك لأداء هذه الأمانة العلمية، وما المصاعب التي كنتَ تواجهها حين يتعارض رأيك مع رأي غيرك من المحكّمين في هذه اللجان، وخاصة حين تجد هذا الـ(غير) متحيّزاً ومجانباً للموضوعية؟.. ج4-في لجان التحكيم الخارجية يقع الخلاف ويسوّى بسرعة على قاعدة إحصاء الأصوات. ولم أواجه أبداً نوعاً من المعاندة، أو من تمسُّكِ الأقلية بموقفها في غير حق ولا منطق. ولكني لمست أنواعاً من المساندة لمرشحين بأعيانهم، على أساس من وحدة القطر حيناً، وروابط الصداقة حيناً. وأشهد أنها مواقف قليلة كانت سرعان ما تُقوّم وتحسم. وتقع الممانعة أحياناً نادرة جداً من جانب القطر المضيف لأسباب خاصة بهم، فهذه لا دواء لها، من جانب المحكَّمين، إلا الانسحاب. وقلما يصل الأمر إلى هذا الحدّ. ومرة واحدة سلّمت لهم بحجّتهم، إذ كانت الغاية من الجائزة لا تتحقق بممانعتهم، وكانوا، لو استجابوا لنا، منعوها عن الجميع! أما الأمر في رسائل الماجستير والدكتواره، فالخلاف يقع في تقدير الدرجة، إذ تكون الموافقة على نجاح الطالب، في الدفاع عن أطروحته، محققة. والاتفاق في الرأي هنا لابد أن يحسمه النقاش، وإلا حسم عن طريق التصويت. لا تخلو المسألة، في كل حال، من بعض الميول عند أصحابها، وقد يكون الميل خفيفاً سرعان ما يعدّله النقاش. مرة واحدة ما أزال أذكرها: جاءني أحد الأعضاء في لجنة كُوّنت لسماع دفاع أحد طلابنا عن أطروحته في رسالة الماجستير. أسرّ لي أنه يستغرب أن تُقبل مثل هذه الرسالة، ويَرى أن نرفضها. وكان كأنه يستعديني عليها. فما راعني، حين انتهينا إلى جلسة المداولة، ألا يرضى لها دون درجة الامتياز! كنتُ، وأنا أسمعه، أتّهم سمعي. فلما فاتحته –بيني وبينه- فيما انتهى إليه، قال: ولمَ يُعطى غيره، ممن لا نراهم أهلاً، الدرجات العالية؟ مهما يكن الرأي في هذا كله، فالواقع الذي لاشك في صدقه، أن من الصعب أن تصفو الأحكام صفاء تاماً في جلسات التحكيم، وفي جلسات المناقشة على السواء. يصدق هذا حتى في الحكم لأرفع الجوائز. وما يزال كلام كثير يقال في بعض الفائزين بجائزة نوبل!. س5-ماذا تعني لك الأصالة في الأدب كمفهوم؟ وإذا أردت أن تؤصّل لهذا المصطلح فماذا تقول فيه؟ وعلى ذكر الأصالة يحضرني بعض الآراء لبعض الأدباء الذين يرون أن الأصالة في الشعر تقتصر على الشعر العمودي.. فما رأيك في ذلك؟ وهل يمكن لشعر التفعيلة أن يحظى بشرف هذا المفهوم، وأنت الذي درست شعر التفعيلة وواكبت حركته منذ البدايات؟. ج5-الأصالة هي الترجمة لكلمة Originalité originality وتعني الصدور عن الأصل أي شفافية المنتج عن بعض صفات الثقافة القومية أو بعض خصائصها. ومن تفاعلها مع القدرات الفردية يستمد الكاتب أصالته الذاتية التي تَسِم نتاجه. فَصِلتُهُ إذن بروح المنتَج الذي يكتبه ويستجيب له الشكل من بعد. وتستوي في هذه الأزمنة والأمكنة، أعني : لا صلة للأصالة، على الإطلاق، بمسألة الحداثة والقِدَم، ولا بمسألة التبدّي والتحضُّر. فقد يكون القديم أصيلاً، والحديث مفتقراً إليها، ويكون ابن الحاضرة أعمق أصالة من ابن البادية. والعكس صحيح. ومادام الأمر يتعلق بروح المنتَج فالشكل لا يعني شيئاً مالم تكن صلته كصلة الجسد بالروح، أعني أن تشفّ الصورة عن حقائق المضمون العميقة. فشعر التفعيلة الذي نعنيه هنا أملاه الإحساس بالحاجة إلى تحرير روح الإبداع الشعري، بعد أن ضاق المبدعون، على الإجمال، ذرْعاً بنمطية الأداء القديم في المضمون والصورة، وبقيوده الكثيرة. أما النماذج الهزيلة التي تفيض بها أنهار الصحف أحياناً كثيرة، وليس لها من هذا الإبداع إلا بعثرة الكلمات والإكثار من نقاط التعليق لضرورةٍ أو لغير ضرورة، فليست لها بالأصالة صلة لا من قريب ولا من بعيد، لم يُمْلِها موقف حيّ من الوجود، ولا تشفّ صورتها عن روح المنتج. ويحسُن لمن يتتبع فِقر هذا الحوار أن يقرأ دراسة الكاتب عن شعر التفعيلة في أقسامها الخمسة، ويقف على خصائصه وأسباب التصدي له في كتابه (ألوان-قراءة في بعض المواقف الإنسانية والحركات الأدبية). فإنا ننتهي فيه إلى أنه قد يشكّل حلقة الخلاص للشعر العمودي، على العموم. وإذن فما ننتهي إليه يعني أن الأصالة، بالمعنى الذي أردناه، لا يمكن أن تكون وقفاً على الشعر العمودي أو على شعر التفعيلة على حد سواء. فقد يجتمع في القصيدة العمودية من سمات الأصالة وحقائقها ما لا يجتمع في قصيدة التفعيلة. س6-هل ترى أن مِلفّ النقد المنهجي الذي طرحه د.محمد مندور قد أقفل أم أن هذا النقد يمكن أن نطوّره كما تطورت المناهج النقدية الغربية وشكلت اتجاهات عالمية؟ ثم مامدى مقاربة النقد المنهجي لبلورة نقد عربي إذا أردنا أن نؤصّل لنظرية نقد أدبي عربي؟.. ج6-ليس هناك فيما أعرف، نقد يستحق اسمه ولا منهج له. والمنهج هو اسم المكان من المادة اللغوية: نَهَج. والمنهج هو الطريق. والذي قصده أستاذنا الدكتور مندور أن من المنتَج النقدي العربي القديم نقداً يحكمه مفهوم نقدي متماسك، يريد ما أتبعه الحسن بن بشر الآمدي في كتاب (الموازنة) الذي أقامه على الموازنة بين أسلوب أبي تمام وأسلوب البحتري في إنجاز إبداعهما الشعري. والمنهج الذي اتبعه الآمدي، وحققه الدكتور مندور في كتابه (الموازنة) هو المنهج التأثري المؤيّد بالمعرفة الموضوعية، يعني المعرفة التي اتفق الناس على إقرارها وتصديقها. وإلى اليوم لا يستطيع أي مذهب نقدي أن يتنكر لأحكام الذوق (أعني التأثر) المؤيد بالمعرفة الموضوعية، ولو ادّعى ذلك. فالأدب، في نهاية الأمر، إبداع فردي يكوّن الوجدان أقوى عناصره وأقدرها على الفعل في النفس البشرية وأي حكم يدّعي الموضوعية لابد أن ينطلق من هذه الحقيقة، وهي الأساس فيه. وينصرف الناقد بعده إلى ضروب من التعليل المستند حيناً بعد حين، حسب الرؤى الذاتية، إلى معارف لغوية بنيوية أو تفكيكية أو تأويلية، أو سيميائية، أو صوتية الخ.... وما تبقى بعد هذا زيادات تقطع صلة النص بصاحبه في قول، وتصلها بالمتلقي في قول آخر. إن الحقائق اللغوية،على اختلاف مدارسها، هي لسان النص المعبِّر عن حقائقه النفسية والفكرية والوجدانية، وهذا كل شيء. وأي نظرية نقدية لا تنطلق، في رأيي، من هذه الأصول لا تزيد على أن تكون عارضة، تحمى، بحكم جدّتها، ثم تبرد. س7-شاع في الآونة الأخيرة ما يسمّى بالنقد الثقافي كبديل عن النقد الأدبي، ولعل أكثر المروِّجين له الناقد د.عبد الله الغذامي الذي عَدَل عن النقد الأدبي، وانحاز إلى النقد الثقافي، كونه أكثر شمولاً برأيه. فماذا يقول د.عبد الكريم الأشتر في هذا الاتجاه في النقد، بالمقارنة مع غيره من الاتجاهات النقدية الحديثة، أو على الأقل بالمقارنة مع الاتجاه الذي تمارسه في دراساتك النقدية؟. ج7-الواقع أن الدكتور الغذامي لم يكن المروّج لهذا الذي سماه (النقد الثقافي)،بل كان صاحبه والتسمية مستخلصة من النّسَق الثقافي الذي يرى أنه حكم مسيرتنا الشعرية، في الأغلب، منذ أيام النابغة والأعشى اللذين أسبغا على (ملوك) الحيرة وجلَّق (جنوب دمشق) مالم يكن فيهم، استدراراً لعطائهم. فأصبح الكذب والنفاق والتزلف من بعدهم نَسَقاً ثقافياً سرى في أغراض الشعر الأخرى واستهوى الشعراء للغرض نفسه وأصبحت النزعة إلى ما سماه (التَّفْحِيل) عامة، في شعرنا، وسماها (الشَّعْرَنَة)، لبروز هذه النزعة فيه. فوصم شعرنا كله بانخلاعه عن القصد والتزام التهويل والكذب، سعياً وراء (التَّفْحيل). واستمر، في البحث الصغير الذي كتبه عن هذا النقد، يستخرج ما يراه من صفات هذه النزعة في أغراض الشعر الأخرى، غير المديح، فلما انتهى إلى الحب-ولنأخذه مثلاً هنا-رآه (حُبَّاً نَسَقِيّاً) يرمي الشاعر فيه إلى (تَفْحِيل العشق) إذ أصبح يَعني عند أصحابه ادّعاء (الجنون والموت وفقد العقل).ورآهم يرونه (أشبه مايكنون بالمؤامرة ضدّ الفُحُولة)، إذ جعلوه (بمثابة كارثة تصيب الرجل). كل ذلك في سبيل الرغبة في إثبات ما سمّاه (السمات النَّسَقِيَّة) في الشعر العربي، وجعْله (حامل نَسَق ثقافي) يستعين بما فيه من جماليّة وتأثير على أن (يُستنسخ سياسياً واجتماعياً). وهذه هي (الشَّعْرَنة)، إذ أصبحنا (كائنات مجازية، تقول ما لا تفعل، وتكذب الكذب الجميل) بما يتجافى مع قيم العمل. فحدث بهذا فَصْلٌ رهيب بين القول والفعل، وأصبحت الصفات التي يطلقها الشعراء في الشعر (صفات مغتصبة) إذ ليست من ناتج الفعل. والسبب، في رأيه، أن ((النَّسَق الثقافي المهيمن هو النَّسَقُ الفُحُولي)). حسبنا في الرد أن نُذكِّر بشعر الحركة العذرية التي رفعت الحب عن (الوصل) بمعناه المادي، وعدّوا الوصل مفسدة له إذ قصروه (نعني: الحب) على رهافة الصلة وجمال المخاطبة والتراسل، وقالوا فيه: من لم يكن ذا عفّةٍ * * * فإنما يبغي الولد وجعْله الوشّاء ((فَرْضاً على ذوي العقل..يَشْجع به الجبان، ويَسخو البخيل ويُطْلق لسان العَييّ ويقوى حزم العاجز)). بالنسبة لما أمارسه في العمل النقدي، فإني أحيلك على ما سبق أن قلته في سؤالك السابق. ولا أرى ما يستوجب الإعادة. وقد عرضتُ لهذا في كتابي (باختصار-أحاديث في الكتب والكتّاب). الذي يصدر قريباً بإذن الله. س8-ما مدى اهتمامك بأدب الشباب على الصعيد النظري أو التطبيقي، وذلك فيما كتبتَ ونشرتَ وأذعت؟ ج8-أدب يستأهل بعضُه أن نقف عليه لاتصاله بالأحدث والأجدّ من ناحية، ولحرارة نبرته وحدّة نزوعه إلى المثالية، من ناحية أخرى. وقد تناولتُ ماكان يصل إليَّ من كتب الأدباء والشعراء الشباب، في الزاوية التي كنت أكتبها. في بعض الصحف المحلية، لسنوات طويلة. وستصدر أحاديثها في الكتاب الذي يصدر قريباً، وكنت ذكرته من قبل (باختصار-أحاديث في الكتب والكتّاب). فقد تناولت بعض دواوين الشعر التي أصدرها الشعراء الشباب (شباب الروح أو شباب الجسم) وبعض القصصيين والروائيين، وكنت ألقى بعضهم: قدري مايو، وأحمد دوغان، وعبد اللطيف محرز، ومَنْ سَمَّتْ نفسها (بنت الجزيرة)، والدكتور علي سليمان، وطلعت سقيرق، وفابيو لا بدوي، وعبد الكريم ناعم، وأميمة الخش، ودياب عيد الخ... قلّما يلقى الأدباء الشباب ما يستأهلون من عناية النقاد والتعريف بهم. وفي بعضهم مواهب ساطعة يعجَز أصحابها، في كثير من الأحيان، عن صقلها وإغنائها بعيداً من توجيه النقاد. على أن الحركة النقدية ما زالت تحجُل في قطرنا، وربما كانت هذه صورتها في الوطن العربي كله. ومازال بعض العاملين في ساحتها ينشطون ضمن انتقائية تحتاج إلى تفسير طويل. وهناك أسماء محدّدة تلمع في الساحة النقدية: خليل الموسى، محمد عزام، عبد الله أبو هيف، يوسف اليوسف، عبد النبي اصطيف وآخرون. وغاب عن الساحة نقاد ممتازون: نعيم اليافي مثلاً. على أن الثقافة النقدية اغتنت اليوم بنظريات ومذاهب كثيرة تتصل بكشوف جديدة في ميدان اللغة ابتداء من البنوية وما بعدها، والتفكيكية، والسيميائية، إلى ما اصبح يطلق عليه اليوم اسم العِلْم: علم التأويل، وعلم الأسلوب، وعلم النص، وأوشك أن أقول: علم التلقي الخ.. والشباب يتأثرون بهذه المذاهب والعلوم والنظريات، لأنهم قريبون منها. ويصبح من مهام النقاد أن يفصحوا عن أثرها في أدبهم، إيجاباً وسلباً. هذا وقد تتبعتُ بعض شعراء التفعيلة ممن كتبوها من الشباب مع نصوص من أدب المرأة الشابة في كتابي (ألوان الذي جئت على ذكره في هذا الحوار). س9-أفرزت الحركة الأدبية، في النصف الثاني من القرن العشرين، ما سُمّي بـ(أدب الأطفال) شعراً وقصة ومسرحاً. وواكب هذا الأدب بعض الدراسات النقدية، والسؤال: ما الذي لفت نظرك في هذا الأدب الوليد؟ وهل حاولت أن تخوض غماره، أو تعرض له في كتاباتك؟ وهل ترى كما يرى بعضهم أنه من نصيب المختصين فيه فقط؟. ج9-نعم، إنه اختصاص قائم بذاته، واختصاص صعب يتطلب استعداداً مفطوراً في رأيي، إذ يستلزم الدخول في عالم له منطقه الخاص وثقافته الخاصة وأسلوبه الخاص. فمَنْ يجدْ في تكوينه ما يتّفقُ ومعايشة هذا العالم، يستهوهِ أن يستكمل له ثقافته الخاصة ابتداءً، من علم نفس الطفل وما يفعل فيه، وتدرّجه في اكتساب اللغة وتفاعِله مع نمّوه العقلي والعاطفي في السنّ التي يتناولها العمل الأدبي، في البيئة الفكرية والمادية التي يضعه فيها، وفي مواجهة شخصيات العمل الأخرى ومواقفها منه ومن الأحداث المعروضة في العمل، يتهيأ له أن يدخل هذا الميدان. وسيجد، حينذاك، من الاطلاع على النماذج الأدبية العالية التي تكوّن مكتبة الطفل، باللغات التي يجيدها، زاداً لا غنى عنه، إذ هي، في النهاية، تجارب تستأهل أن يتأملها مليّاً ويفيد منها. وأذكر أني قرأت للصديق الأستاذ عبد اللطيف الأرناؤوط كتاباً صغيراً1 ضمنه فصلاً غنياً بعنوان (تجربتي في الكتابة للأطفال) حكى فيه وقائع تجربته بتفصيلاتها الدقيقة ووصفَ ما يعتري الطفل في مواجهة العالَم من قلقٍ سببه عجزه عن ربط الأسباب بالنتائج بصورة موضوعية، وهو ما ينبغي أن يعلّمه إياه العمل الأدبي(القصة غالباً) المكتوب. في كتابي (المقتطف) صور حاولت أن أصور فيها مواقف وقفتها وأنا صغير، أو وقفها الأطفال الذين عرفتهم من حولي، وما انتابهم، في التماس الحلول لها، من أوهام وشكوك ورؤى. وأحسب أن الإطلاع عليها مفيد. وفي كتابي (باختصار-أحاديث في الكتب والكتّاب) عرضت للأدب المكتوب للفتيان عبر الحديث عن كتاب (سر الرمح المنقوش) لدياب عيد. إن ما تحفل به مكتبة المدرسة عندنا، مما تستهوي قراءته الطفل، لا يكاد يزيد على ما كتبه الكيلاني منذ وقت طويل. وقد جدّتْ أحداث وتغيّرت صورة العالم، منذ كتبتُ، تغيراً هائلاً، ولابدّ أن تتغيّر، في مواجهته، طريقة المعالجة ومنطقها، في الكشف عمّا يُشبع فضول الطفل، ويجيب عن أسئلته، ويتكيّف مع الصور التي تملأ خياله وتحرّكه في وقت واحد، عن طريق الدمج بين العالَمَين اللذين لا يفرق بينهما الطفل في مراحل طفولته الأولى: عالم الجماد وعالم الأحياء. س10-تردد مفهوم ((الأدب النسائي)) بين الرفض والقبول. ووجدنا من يرفضه رفضاً للتجنيس، أو خشية من أن يُفْهَم منه التفريق بين الجنسين، فماذا تقول في هذا الشأن؟ وما مدى إسهامك في الكتابة عن الأدب الذي أنتجته المرأة العربية؟.. ج10-أودُّ –أولاً- أن أصحح خطأ لغوياً درجنا عليه. فنسبة الأدب تكون للنِسوة فيقال ((الأدب النِسوي)) و(النسوة) اسم الجمع للمرأة. ولا تصحّ النسبة إلى (النساء) ولو صحّت لغة، إذ لا يُنسَب إلى الجمع في العربية إلا استثناء (مثل دَوْلي: نسبة إلى الدولة الواحدة، ودُوَلي إلى الدُّوَل مجتمعة). أعود إلى السؤال: فمن يرفض التفريق بين أدب الرجال وأدب النساء يذهب إلى أن الأدب واحد يكتبه الرجل عن الرجال والنساء، وتكتبه المرأة عن الرجال والنساء أيضاً. وفي الحالين يُحكم على ما يكتبه كل منهما بمقاييس الجَودة وما تحقق منها في النتاجين. ويُنْقَد النتاجان نقداً واحداً لا يُنْظَر فيه إلى جنس الكاتب، إلا من حيث الانتفاع به أحياناً في فهم خصائص النص وإدراك أبعاده الفكرية والوجدانية وخفايا الصنعة الفنية فيه وسماتها الأسلوبية. والذهاب هذا المذهب في الحكم على النص لا يحطّ من قدره سواء كتبه الرجل أم كتبته المرأة، ولا يرفع من قدره في الحالين. وإنما هو إدراك ما ينطبع في النص من خصائص التكوين في الجنسين، حين يتّضح منها ما ينفع في الدرس أو ما يغنيه. فإن كان مَنْ يفرّق بين أدب المرأة وأدب الرجل يعني هذا الذي قلته، فهو مشروع في رأيي، ولا أجد سبباً في الاعتراض عليه. أما إن ذهب خِفْيَة إلى الحطّ من أدب المرأة والإعلاء من أدب الرجل، ذهاباً مع النزوع إلى تمجيد الذكورة ورفعها عن الأنوثة،فهو مرفوض من جملة جهات: 1-مرفوض من الوجهة الموضوعية، لأن الحكم فيه لا تحكمه حقائق النص قدْر ما يحكمه نزوع خارجي ينبني على فكر مسبق يقوم على موقف اجتماعي موروث ضمن ثقافة تاريخية ذات أصول قبليّة، ما تزال (برغم ما وصلنا إليه) لها الغلبة. 2-ومرفوض من الوجهة التاريخية. فقد كان لأدب المرأة، في الشرق والغرب، مكانة لا ينال منها الحساب الكمّي، إذ الرجل على مدار التاريخ، أوسع حضوراً، على مسرح الحياة، من المرأة، في جملة النشاط الإنساني العام، في الإدارة والسياسة والثقافة والحرب. يعود ذلك إلى خصائص التكوين قبل كل شيء، وصلاتها بطبيعة الحياة من حولها منذ المرحلة الرعوية إلى المرحلة الصناعية قاطبة. 3-ومرفوض من الوجهة الإنسانية إذ هو يستبطن الاستهانة بحساسية المرأة في موقف تكون هي المقدَّمة فيها والأقدر على لمسها والتفاعل معها،لقوة حدسها وغناها العاطفي. وما أظن أحداً من الرجال يستطيع أن يزعم أنه يعرف المرأة خيراً مما تعرفها المرأة. ثم إنها تعرف الرجل على نحو يختلف عن معرفة الرجال بأنفسهم. 4-ومرفوض من الوجهة الفنية، لأن مجموع آثارها في الفنون. على اختلاف أدواتها (القلم أو الريشة أو الإزميل) وعلى مدار التاريخ، إذا استبعدنا المقياس الكمي، تشهد لها بالقدرة والامتياز في كثير من مجالات الإبداع. ومن المؤسف أن ننصرف عن الإفادة من خصائص تكوينها فيما أبدعته، إلى إقامة الموازنات بين نتاجها الثقافي عادة ونتاج الرجل، في مجتمع رسخت فيه ثقافة منحازة ضدها، منذ أول التاريخ المكتوب إلى اليوم!.. وأعود إلى القسم الثاني من السؤال، فإني، بحكم ما خضعتُ له من ظروف العمل، لم أكتب عن أدب المرأة وإن كنتُ قرأتُ بعضه، ولكني كتبت عن كتبٍ بعينها دراساتٍ أو أحاديث أو مقالات صغيرة، على مثال ما كبتُهُ عن كتاب الأستاذة الأدبية الناقدة الدكتورة ماجدة حمود(الحب السماوي) الذي صاغت فيه، بحساسية المرأة المثقفة، أدوار الصلة العاطفية التي انعقدت، في رأي كثير من الدارسين، بين جبران وماري زيادة(مي)؛ لقد حولت الرسائل التي تبادلاها إلى حوار حيّ تنبض فيه روحان هائمان، استطاعت أن ترصد حركتهما على الورق، وتنقلها إلى الحياة. وكتبتُ عن بعض قصص السيدة أميمة الخش، من الزاوية التي أحاول جاهداً أن أقنع بها القارئ. وما كتبته فيهما وفي بعض شاعراتنا القديمات، مثل ولاّدة وليلى الأخيلية، والخنساء، وغيرهن. صدر بعضه في كتابي (في ديوان العرب –الجزء الأول) ويصدر بعضه في كتاب قريب يضم (أحاديث في الكتب والكتّاب) ويصدر في حلب عن دار القلم العربي. ويبقى أن أشير إلى أني في الجامعة أرعى نتاج طالباتي، في المدرّجات، وفي الإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه أو مناقشتها. وفيهن القادمات من الجزائر والعراق ولبنان والأردن والإمارات. وقد تحوّل قسم منهن فأصبح يزاملني في الجامعة، وأنا شديد الاغتباط به. وتحضرني الآن أسماء أصبحت معروفة في الجامعات وعلى الساحة الأدبية العربية، ماجدة حمود ومها قنوت وجمانة طه وإيمان القاضي ومهجة الباشا ورَوَد خباز وغيرهن. ولعل هذا الحوار يلفتني إلى العناية بأدب المرأة من حولي، فإن ما فعلته في درسه ما يزال قليلاً، برغم ما قلت. 1-تجربتي في الثقافة والأدب، دار رسلان-دمشق 2003. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |