|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الفوضى البنّاءة والفتنة الكبرى ـــ حسين جمعة الفتنة لا تعشش إلا في خبايا النفوس الشريرة، ثم تمارسها بأشكال برّاقة خادعة؛ ولا سيما إذا لَبِست لبوس الحيرة بين الحق والباطل. وصناعة الفتنة قديمة، وهي تتلون وتتبدل تبعاً للزمان والمكان والأحداث والثقافة. لهذا تتخذ لدى إدارة البيت الأبيض ضروباً متطورة من التخطيط والفعل، وبخاصة حين أطلقت عليها مصطلحات مثيرة وجذابة وتبنَّت لتنفيذها آراء وأفكاراً تستجيب لنوازع إنسانية بريئة. فالبيت الأبيض بقيادة بوش الابن شنَّ حربه الأخيرة على العراق في (20/3/2003م) واحتلّه نهائياً في (9/4/2003م) باسم محاربة الاستبداد الظالم لصدام حسين وتخليصه من أسلحة الدمار الشامل التي تهدد الأمن والسلام العالمي؛ ثم بشَّر العراقيين بالحرية والديمقراطية والأمان والسعادة. وكان قد شنَّ حربه على الإرهاب في أفغانستان ـ كما زعم ـ لئلا تواجه أمريكا إرهاباً جديداً في نيويورك وواشنطن بعد أحداث 11/أيلول. وها قد مرَّ نحو ثلاث سنوات على احتلال العراق ولم يشهد أحد منّا تحقيق أي نمط من تلك الوعود، بل يلمس كل لحظة فقداناً كاملاً للحرية والديمقراطية والأمان، وضياعاً صارخاً للحقيقة لا يعادله إلا صُراخ بوش الابن كل أسبوع في حربه الكلامية على الإرهاب، وهو صراخ لم يملّ منه حتى الساعة. إن ما نشهده في المنطقة كلّها لا يمثّل إلا فتنة شريرة كبرى وفق طريقة الفوضى البنّاءة التي تبنّتها الإدارة الأمريكية في عام (2005م). وتستند هذه الطريقة إلى إقامة البناء المفترض للشرق الأوسط الكبير على أساس إشاعة الفوضى في جنبات الحياة والفكر والإعلام ولذلك فهي تلصق تهمة الإرهاب بالعرب وترفض تسمية من يحارب المحتل بالمقاوم، علماً أن هناك تبايناً شديداً بين المقاومة والإرهاب. وما يقع من أعمال إرهابية بحق المدنيين العراقيين في ظل رعاية المحتل الأمريكي وبصره يُعدّ أمراً لافتاً للنظر. فالمجرمون الذين يرتكبون جرائم القتل بحق الأبرياء لم يقرؤوا قوله تعالى: (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعاً((المائدة: 5/32)، ولم يعرفوا ما يعنيه هذا القول لأنهم جزء من المخطط الأمريكي وجرائمهم هي التي تصنف ضمن الإرهاب أما مقاومة الاحتلال الأمريكي فهو عمل بطولي. وآخر تلك الجرائم تفجير مرقد الإمام علي الهادي والحسن العسكري يوم الأربعاء 22/2/2006م، وقد أتى على تدمير المرقد بكامله وقتل معه ما يمثّله من رموز تراثية دينية ومعمارية حضارية، فضلاً عن عدد القتلى والجرحى الذين زادوا على المئة... ما جعل العالم كلّه يدينه كما جاء في تصريح الأمين العام كوفي عنان، والبيانات التي صدرت هنا وهناك؛ مثل سورية ومصر ولبنان والكويت وغيرها... ونتساءل لماذا أتى العمل الإرهابي في يوم يحتفل فيه العرب بذكرى وحدة مصر وسورية؟ ألا يعني هذا القضاء على كل أمل لتحقيق الوحدة بين العراقيين أنفسهم وتأكيد حالة الانفصال في النفوس قبل الأرض؟ ألا يعني هذا قتلاً لإرث الإخاء والتسامح الديني الوطني في العراق، فطالما عرفنا أن من يتولى هذا المرقد في سامرّاء أسرة تنتمي إلى مذهب الجماعة؟ ألا يعني هذا العمل الإجرامي تأجيج البغضاء والكراهية في نفوس جماعة على جماعة أخرى ومن ثم تفجير حرب أهلية في المجتمع العراقي؟ ألا يعني هذا العمل الإجرامي استمرار دوران العراقيين في دوامة القتل والعجز على اعتبار أنّهم مارسوا عمليتين انتخابيتين ولم يستطيعوا حكم أنفسهم بأنفسهم؛ ولهذا فهم بحاجة مستمرة إلى المحتل الأمريكي؟! هذا ما كشف عنه السفير الأمريكي في العراق زلماي خليل زادة في مواقفه وأقواله. ونتساءل هنا مرّة أخرى: ألا يمكن لجنود المارينز وحلفائهم من جنود الدول الأخرى كبريطانيا أن يمنعوا حرب التدمير والقتل الذي يمارسه متطرفون منحرفون على حين كانوا قادرين على احتلال العراق كلّه؟ وإذا كانت المظاهرات التي انطلقت في العراق قد حمّلت الاحتلال مسؤولية ذلك؛ وإذا كانت اللقاءات الدينية قد تسارعت للكشف عن الدوافع الإجرامية الخسيسة لمثل هذه التفجيرات فإن ذلك غير كاف لتفويت الفتنة الكبرى على الأمريكان؛ إذ لابد من وضع حل سريع للاحتلال والإسراع في عملية حوار وطني شامل وتكوين الحزام الأمني الفاعل لمنع أي تخريب أو عنف. إننا نرى ـ نحن الأدباء والكتّاب والمثقفين ـ أن ما يجري في العراق خاصة والمنطقة عامّة إنما يُخطط له بدقة متناهية في إطار الفوضى البناءة لإشاعة فتنة كبرى تأتي على المشروع القومي وتخدم مشروع ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير. ونرى أن الإدارة الأمريكية لم تنجح النجاح الذي ترجوه من احتلالها للعراق ولا زالت تمنى بإخفاقات كثيرة؛ فهي لم تستطع حتى الآن ـ على الرغم من كثرة القتل في الأبرياء ـ أن تشعل حرباً أهلية. ولهذا طفقت تستخدم أساليب جديدة أكثر دموية في صميم مبدأ الفوضى البناءة أقلّ ما تحققه لها تدمير البنية الاجتماعية والدينية والتراثية. فما يجري في العراق كل يوم من تدمير وقتل وإبادة جماعية لا يخدم إلا المحتل الأمريكي والكيان الصهيوني. وعلى الحكومة العتيدة أن تتمسك بالخيار الوطني لتأليفها؛ ومن ثم إعداد البرامج الكفيلة بإنهاء الاحتلال الأمريكي والقضاء على الفلتان الأمني والتخلّص من التجاذب السياسي والطائفي والإثني. فإن فعلت ذلك بحكمة واقتدار وسرعة فستكون الوسيلة الأولى للقضاء على الفتنة الكبرى التي بذرتها قوات الاحتلال الأمريكي في العراق. وإذا كانت إدارة بوش تنظر إلى الحكومة باعتبارها رافعة لمشروعها في التغيير، فإننا ننظر إلى الحكومة باعتبارها رافعة لمشروعنا الوطني والقومي في التغيير، وألا تقع هي الأخرى في أتون الفوضى البناءة، لأنها لن تحقق إلا الفتنة الكبرى. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |