جريدة الاسبوع الادبي العدد 996 تاريخ 4/3/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الدور التاريخي بديلاً من التضاد ـــ يوسف سليم سلامة

السؤال –أي سؤال- لا يصاغ في فراغ من ناحية، ولا يعتمد بقاؤه صحيحاً ومشروعاً على الوقائع التي بررت صياغته في لحظة تاريخية معينة. فبقدر ما تكون لحظة ما قادرة على منح التبرير المعرفي والتاريخي لسؤال ما، فإن اللحظات التاريخية التالية هي التي ستشهد على مدى بقاء هذا السؤال محتفظاً بأهميته وقيمته على المستويات المختلفة، فأي لحظة تاريخية مآلها إلى الزوال، ومن ثم فإن معظم الأسئلة التي تنتجها الثقافة بصدد الحياة التاريخية والسياسية والاجتماعية لأي شعب من الشعوب قد تصبح غير ذات أهمية نتيجة للارتباط الجوهري القائم بين السؤال والمضمون التاريخي الذي اقترن به. وليس هناك إلا القليل من الأسئلة التي تستطيع أن تتخطى في أهميتها اللحظة التي ولدت مقترنة بها فتتمكن من أن تظل حية عبر لحظات تاريخية لاحقة.‏

وعلى سبيل المثال، فقد عبر النهضويون العرب عن سؤال التقدم التاريخي بصور مختلفة لعل من أهمها ذلك السؤال الذي صيغ في صورة تقابل حاد، وتضاد لا حل له بين "الأصالة والمعاصرة". فذهب فريق إلى أن التقدم التاريخي مرهون بالعودة إلى العناصر التي تشكل عنصر الأصالة في وجود هذه الأمة وثقافتها. وغالباً ما دلت الأصالة عند هذا الفريق على الموروث الثقافي والروحي وبكلمة واحدة: لقد دلت الأصالة على ضرورة الارتباط الجوهري بين التقدم وبين استرجاع هذا الماضي بكليته، أو استجماع عناصر منتقاة من هذا الماضي انتقاء يلائم طبع هذا المفكر أو ذاك، أو يعكس مصلحة طبقية واجتماعية وسياسية عند آخر، أو رؤية ثقافية معينة.‏

وثمة فريق آخر ذهب إلى أن حل مسألة التقدم التاريخي بالنسبة للعرب لاسبيل إليها إلا بضرب من الامتزاج أو التطابق الكلي مع الثقافة الغربية المعاصرة. وقد تفاوت القائلون بهذا الرأي حماسة في الدفاع عن الثقافة الغربية باعتبارها الثقافة الأكمل من ناحية، وباعتبارها، من ناحية أخرى، ثقافة العقل والتقدم والتنوير، ومن ثم أصبحت، على نحو من الأنحاء، وسيلة وغاية لا محيص عنها في نظر كل دعاة المعاصرة.‏

وبصرف النظر عن هؤلاء وأولئك فقد حاول نفر ثالث التوفيق، بدرجات مختلفة من الأخذ بأمشاج من الماضي وبأشتات من الحاضر بقصد إنتاج مزيج منهما. غير أن هذا المسعى قد كان في التحليل الأخير ينتهي إلى تغليب أحد هذين العنصرين على الآخر نظراً لكونه يحاول التوفيق بين أضداد، والأضداد لا يوفق بينها، بدلاً من أن يستهدف التركيب فيما بين هذين الحدين، ذلك لأن التركيب هو وحده القادر على تخطي تضادهما وإنتاج بنية جديدة واقعة في ما وراء الحدين المتضادين من غير أن يعود أو يتقهقهر هذا التركيب من جديد إلى الوقوع في أحدهما.‏

وهكذا فإنه في ضوء ما تقدم من الممكن أن ننتقل من التساؤل عن الأصالة والمعاصرة إلى التساؤل عن الدور التاريخي الذي يتعين علينا أن ننهض بعبئه في لحظة تاريخية محددة.‏

لكون هذا الدور يمكن أن يكون نقطة الابتداء للتركيب فيما بين الأضداد، أو لكونه يشكل نقطة ابتداء جديدة واقعة فيما وراء التضاد الذي كثيراً ما يحبس الفكر في حلقة مفرغة. كما يمكن له أن يعيد طرح المسائل على البشر فينتقلون إلى مواجهة الوقائع والتصدي لها في العالم المعيش بدلاً من أن يظلوا ضحية لعالم الأفكار المجرد.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244