جريدة الاسبوع الادبي العدد 996 تاريخ 4/3/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

معاهدة: 21 محرم 897هـ ــــ محمد قجة

عودة إلى أواخر شهر محرم 897هـ. أي قبل 529 سنة بالتمام والكمال، مملكة غرناطة تستعد لمصيرها الأسود. جيوش مملكة قشتالة وأراغون تحيط بالمدينة.‏

أرسل الملك "الصغير" أبو عبد الله مندوبيه لمفاوضة الملكين ايزابيلا وفرديناند حول شروط الاستسلام. وتم توقيع معاهدة تسليم غرناطة يوم 21 محرم 897. وقد تضمنت المعاهدة 67 شرطاً حسب الرواية العربية. بينما بلغت تلك الشروط 56 شرطاً حسب الرواية القشتالية. ويبدو أن هناك تفاصيل في النص العربي لبعض الشروط.‏

وأبرز نصوص معاهدة التسليم كانت:‏

1-تدخل جيوش ايزابيلا وفرديناند غرناطة يوم 2 ربيع الأول 897هـ الموافق 2/1/1492م.‏

2-ضمان سلامة سكان غرناطة وأموالهم وبيوتهم وأعمالهم.‏

3-عدم إكراه السكان على تغيير دينهم والسماح لهم بإقامة شعائرهم والمحافظة على مساجدهم وعاداتهم وتقاليدهم وأوقافهم.‏

4-إطلاق سراح الأسرى لدى الجانبين.‏

5-السماح لمن أراد الهجرة إلى المغرب بذلك وعلى نفقة إيزابيلا وفرديناند خلال ثلاث سنوات.‏

6-المحافظة على المدارس واللغة العربية وعدم إكراه السكان على تغيير لغتهم وتعليمهم.‏

7-عدم فرص غرامات أو ضرائب على السكان تؤدي إلى تهجيرهم وطردهم.‏

8-عدم إلزام السكان المسلمين بوضع شارة على ملابسهم كالتي كان اليهود يضعونها بأمر من السلطات القشتالية.‏

9-أن تبقى القوانين السارية على السكان المسلمين في محاكمهم وحياتهم الخاصة ولا تفرض عليهم قوانين جديدة. وقد أقسم الملكان على احترام المعاهدة، وصدّق عليها الفاتيكان.‏

****‏

تلك خلاصة الشروط التي نصت على استسلام غرناطة، ولكن المهمّ، ما الذي تم تنفيذه منها.‏

دخلت جيوش ايزابيلا وفرديناند غرناطة في الموعد المحدد، أي يوم 2/1/1492م.‏

وفي اليوم نفسه، وبينما كان الموكب الملكي يجتاز شوارع غرناطة، اندفع أحد الفرسان ويدعى "بدرو أفيلا" وأخذ يقتل الناس الموجودين في الشارع ويتلذذ بعمله، ولحقه آخرون من زملائه. لقد تم خرق المعاهدة منذ اللحظات الأولى.‏

وبعد ثلاثة أيام فقط، أي يوم 5/1/1492 استولى الملكان على أكبر مساجد غرناطة ويدعى "مسجد التائبين" وحوّلاه إلى كاتدرائية أطلق عليها اسم "سان سلفادور".‏

واستمر خرق المعاهدة بشكل منهجي ومستمر.‏

كانت مدينة "مالقة" قد استسلمت قبل ذلك بخمس سنوات (1487م) بموجب معاهدة مماثلة وقعها فرديناند نفسه. ولكن تلك المعاهدة خرقت بأكملها، وتم ترحيل سكان ملقة أو قتلهم أو تحويلهم إلى عبيد وخدم. وصودرت سائر الممتلكات الخاصة والعامة.‏

وليس الملكان إيزابيلا وفرديناند أول من خرق معاهدة ولا آخر من يخرق اتفاقاً. فالتاريخ يكتبه المنتصر، وقوانين التاريخ يسطرها الغالب، وهكذا بدأ التضييق على سكان غرناطة بقصد طردهم من بلادهم، والسعي إلى "توطينهم" في أماكن أخرى خلف البحر. وبدأت عملية إفراغ أحياء ومناطق من سكانها وتحويلها إلى "مستوطنات" يحتلها مئات الألوف من الذين يتم جلبهم وإسكانهم في الأماكن التي تم تفريغها من سكانها.‏

تم تجميع سكان غرناطة في حي "البيازين". وهو يحمل الاسم نفسه حتى اليوم. ويقع إلى الشمال من المدينة.‏

وبدأت بعض الأسر القشتالية المتنفذة الغنية عملية شراء الأراضي بشتى الوسائل والحيل، وكان أكثر المدراء والضباط الكبار من تلك الأسر، مثل أسرة "مندوزا" الذي عيّن حاكماً عسكرياً على غرناطة. وأسرة "سيسيزوس".‏

بعد سبع سنوات من استسلام غرناطة قام "سيسيزوس" بعملية همجية كبرى. ويروي المستشرق الإسباني "كوندي" أنه تم في يوم واحد تجميع أكثر من مائة ألف مجلد من الكتب العربية النفيسة في ساحة باب الرملة في غرناطة، وأمر سيسيزوس بإحراق تلك الكتب، وخلال ساعات كانت النيران قد التهمت تلك الكتب بما فيها من ذخائر علمية وأدبية وفلسفية وخطوط رائعة وزخارف وتجليد فني باذخ.‏

وقد أدت هذه الحادثة الشنيعة إلى توتر النفوس، والشعور بأن ما بقي من نصوص المعاهدة ليس إلا حبراً على ورق، وأدرك السكان أنهم كانوا مخدوعين حينما ظنوا بأن المعاهدات يمكن تطبيقها. وهكذا لجأ بعضهم إلى الجبال القريبة "جبال البشرات" وأعلنوا الثورة، رغم مشاعر اليأس التي في نفوسهم.‏

إن الضغوط التي تعرض لها السكان، والظلم والقهر والاعتداء على الحرمات والممتلكات... كل ذلك ولّد ذلك الشعور بالإحباط. فاندفع الثائرون يبحثون عن خلاص بأية وسيلة.‏

تشير الإحصاءات إلى أن سكان ممالك إسبانيا بأكملها عام 1500 م يبلغ عددهم بين ستة وسبعة ملايين. كما تشير الإحصاءات نفسها إلى أن السكان الأندلسيين لم يكونوا في مملكة غرناطة فحسب، بل كانوا موزعين في مناطق ممالك قشتالة ونافر وأراغون بأعداد متباينة. وعددهم الإجمالي في تلك الفترة (مليوناً ومائة وخمس وثلاثين ألفاً) منهم سبعمائة ألف في مملكة غرناطة وحدها، والباقي يتوزعون في شتى المدن وبخاصة بلنسية وإشبيلية.‏

وبدأ هذا العدد بالنقصان السريع نتيجة سياسة التهجير ومحاكم التفتيش ومصادرة الأراضي والممتلكات والمحاصيل، واتهام الثوار بالإرهاب والتمرد، وقمعهم بأبشع صور القمع.‏

وخلال عامين 1500 حتى 1502 هاجر ثلاثمائة ألف أندلسي باتجاه المغرب في ظروف بالغة الصعوبة.‏

وخلال القرن السادس عشر، استمرت الثورات وكان أكبرها ثورة 1570 في جبال البشرات بقيادة شاب من أصل أموي يحمل اسماً إسبانياً هو "فرناندو كردوبا" وذلك بعد إلغاء اللغة العربية قسراً من الاستعمال.‏

وأخفقت تلك "الانتفاضة والمقاومة" لأنها لم تتلق الدعم اللازم من خلف البحار. وتمكن "دون خوان" من إخمادها بمجازر رهيبة، وهو صاحب القول المشهور: "لا رحمة ولا هوادة، لأن خير الأندلسيين في هذه البلاد هم الأموات".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244