جريدة الاسبوع الادبي العدد 996 تاريخ 4/3/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

رسالة الملائكة لأبي العلاء المعري ـــ د.مصطفى العلواني

اتفق معظم كتاب التراجم المتقدمين الذين ترجموا للمعري فيما كتبوا وترجموا عنه أمثال ابن العديم في (دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري) وياقوت الحموي في (معجم الأدباء) والقفطي في أنباه الرواة وابن الجوزي في (مرآة الزمان) أن رسائل المعري ثلاثة أقسام:‏

الأول: رسائل طوال تجري مجرى الكتب المصنفة ككتاب "رسالة الغفران" وكتاب "رسالة الملائكة".‏

الثاني: رسائل دون هذه الرسائل في الطول كـ"رسالة المنيخ".‏

الثالث: الرسائل القصار التي جرت بها العادة في الكتابة.‏

وإذا كانت "رسالة الغفران" تعد من أعمال المعري الفنية الخالدة التي راعت العقول والقلوب، واحتلت مكان القمة في الأدب العربي والأدب العالمي فإن "رسالة الملائكة" عمل فني خالد له قيمته الأدبية والصرفية وتعبر عن مرحلة متأخرة من عمر المعري. وتتألف "رسالة الملائكة" من مقدمة حوارية دارت بين أبي العلاء والملائكة على غاية من الفن والروعة والخيال، ومن جَوابٍ على مسائل صرفية صعبة ومتشعبة وذات خلاف، ولم يقف المتأخرون على هذه الرسالة بنصها الكامل ولكنهم أطلعوا على مقدمتها في الأشباه والنظائر كما وجدت منها نسخ في ليون والجامع الأزهر والمكتبة التيمورية وحيدر أباد. وبدأت تظهر منها نسخ مطبوعة بدءاً من عام 1910م تشمل المقدمة الحوارية فقط ظناً من الناشرين أن هذه المقدمة هي "رسائل الملائكة" الكاملة.‏

وصادف أن أهدى ورثة المرحوم محمد المنير وهو من أعيان دمشق طائفة من كتبه إلى المكتبة الظاهرية بدمشق وكان من جملتها "رسالة الملائكة" فسارع المجمع العلمي إلى تحقيقها وطبعها ليطلع عليها المهتمون وينتفع بها الدارسون. وبذلك ظهرت في السبعينات أول نسخة كاملة من "رسالة الملائكة" وهي النسخة التي تشمل المقدمة والإجابة على المسائل الصرفية.‏

سبب تأليف "رسالة الملائكة":‏

ألف المعري هذه الرسالة جواباً على مسائل صرفية سأله عنها الشيخ أبو القاسم علي بن محمد بن همام وقد صرح المعري بذلك في المقدمة حيث قال: "ولما وافى شيخنا أبو القاسم علي بن محمد بن همام بتلك المسائل ألفيتها في اللذة كأنها الراح يستفز من سمعها المراح فكانت الصهباء الجرجانية طرق بها عميد كفر بعد ميل الجوازاء".‏

كما بلغ عدد المسائل التي أثارها أبو القاسم ثلاث عشرة مسألة: كالقول في "إياك" والقول في "أية وغاية وثايه" والقول في "اسم وحقيقة الحذف منه"، والقول "في اثنين واثنتين وسيد وميت" وغيرها.‏

وأبو القاسم هذا حسب ما تدل عليه الرسالة عالم من علماء الصرف يقصده المهتمون للانتفاع بعلمه وقد وصفه المعري فقال عنه:‏

"وهو أدام الله الجمال به يلزمه البحث عن غوامض الأشياء، لأنه يعتمد بسؤال رائح وغاد وحاضر يرجو الفائدة وباد، فلا غرو أن كشف عن حقائق التصريف، واحتج للنكره والتعريف وتكلم في همز وإدغام وأزال الشبهة من صدور الطغام.‏

سبب التسمية وتاريخ كتابة الرسالة:‏

لم يتوافر لدينا ما يشير إلى سبب تسمية هذه الرسالة، ولكن من المرجح أن تسميتها تشير إلى أهمية الحوار الذي نشأ بينه وبين الملائكة على سبيل الخيال.‏

ولعله قصد إلى هذه التسمية ليلفت النظر إلى الأفكار والآراء أو الخواطر التي نطق بها المعري على لسان الملائكة وهنا تكمن البراعة وتتوهج اللمحة الأدبية الرفيعة وتتفق معَ ما عرف عن منهج المعري في "رسالة الغفران". ولا يتوافر نص تاريخي حتى الآن يُعَيِنُ الزمان والمكان اللذين كتبت فيهما هذه الرسالة غير أنه قد أشير إلى المكان إشارة غير مباشرة بالنص حيث ألمع المعري بأن مسائل أبي القاسم وافته وهو مقيم في داره لا يريم، كما قال: (فأما أنا فجليس البيت إلا أكن الميت فشبيه بالميت).‏

أما الزمن فقد وقع خلاف فيه مابين الأستاذ الميمني الراجاكوتي في كتابه عن أبي العلاء وبين المستشرق الروسي كراجوفسكي في مقدمته للرسالة التي طبعها عام 1932. فالأستاذ الميمني يذهب إلى أن الرسالة قد ألفت في عام 435هـ تقريباً في حين يشير المستشرق الروسي إلى أنها ألفت في الزمن الذي ألفت فيه "رسالة الغفران" أي قبله بقليل. ولدى النظر في هذين الرأيين وبما كتبته بنت الشاطئ عن "رسالة الغفران" وما يستدل عليه من الجو النفسي لنص رسالة الملائكة ونص رسالة الغفران يظهر أن هذه الرسالة كتبت تقريباً في "الزمن الذي حدده الأستاذ الميمني أو بعده بقليل وليس في الزمن الذي حدده المستشرق الروسي. وإذا كان الزمن الذي كتبت فيه رسالة الغفران هو 424هـ (بنت الشاطئ-روح جديدة في رسالة الغفران)، فإن تاريخ كتابة "رسالة الملائكة" هو ما قبل 424هـ حسب رأي كراتشوفسكي، وما يتبدى من مقارنة النصوص غير ذلك.‏

وأية ذلك يعود إلى ما نستشفه من النصوص المعبرة عن وضع أبي العلاء النفسي بسبب بلوغه سن الأشياخ وشعوره بنهاية المطاف، بما جعله يعرض عن الأدب والأديب حيث يقول:‏

فأما أنا فجليس البيت إلا أكن ميتاً فشبيهاً بالميت ولو أعرضت الأغربة عن النعيب (عراضي عن الأدب والأديب وأصبحت لا تخشى نعيباً ولا يطيق هرمها زغيباً، (النعيب الزغيب بمعنى واحد وهو صوت الغراب)، وفي مكان آخر من رسالة الملائكة يقول: ((وقد بلغت سن الأشياخ وما حار بيدي نفع))، في حين لا نلمس مثل هذه الحالة في "رسالة الغفران"، فـ"رسالة الغفران" تتسم بعواطف مشبوبة وتطلعات متوهجة وجولات حيوية هي أقرب إلى الشباب منها إلى عجز الشيخوخة.‏

قيمة الرسالة: يذهب بعض الباحثين ومنهم الأستاذ محمد سليم الجندي عضو المجمع العلمي العربي بدمشق (وهو الذي قام بتصحيح مطبوعة المجمع إلى أن قيمة هذه الرسالة تعود إلى المسائل الصرفية التي عالجها المعري، فهي تمثل تمكنه من هذا العلم تمكناً "نادراً" وتفوقاً "ذكياً" في معالجة نوادره وشوارده ومعضلاته. ولعل المسائل الصرفية وبراعة المعري في الإجابة عنها قد جعلت للرسالة طابعاً صرفياً وبخاصة بين القدماء والمحدثين ولم يلتفت أحد إلى الحوار الذي يعبر عن شخصية المؤلف، وخصائص أسلوبه، وعالمه النفسي، ووضعه الفكري في مرحلة متأخرة من العمر.‏

وقد نبخس المعري كثيراً إذا نظرنا إلى هذه الرسالة على أنها رسالة في الصرف، ونظلمه أيما ظلم إذا اقتصرنا على طول باعه في هذا الجانب، مغفلين أسلوبه الفني المتميز وحالته النفسية وما يتردد في ذهنه من مرام فكرية أو أهداف اجتماعية فقد ألف كثير من العلماء في الصرف وصدر كثير منهم عن معرفة كبيرة ودراية فائقة، ولكنهم دخلوا في عداد العلماء، ولم يسطعوا في سماء الفن أدباء متميزين كما تأتى للمعري.‏

سئل المعري عن مسائل صرفية معينة فبماذا يجيب وهو ذلك الإنسان الفريد المتميز هل يجيب كما يجيب أي عالم وإذا أجاب إجابة علمية كغيره فماذا يصنع بما يخفق في قلبه ويشيع في نفسه ويتردد في عقله.. إن له نظراته ومشاعره التي تتحرك في أعماقه وهي تتوثب إلى انبجاس وتدفق، والإنسان الذكي-فكيف بالعبقري وهو الذي يستخدم الفرص المتاحة للإفصاح عما يصبو إليه إفصاحاً مدهشاً لينثر درره المتوهجة وجواهره الفريدة ومراميه البعيدة.‏

المقدمة الحوارية:‏

يبدأ المعري في التمهيد للحوار بالتعرض لأمر كان قد أمضه، وأثر فيه أشد التأثير، وهو ماكان عليه أهل العلم في عصره من ضيق ذات اليد، وتنكر الزمان والمجتمع. يفكرون في موضعهم المادي فيتألمون ويشاهدون الأمراض الاجتماعية فيشيرون أو يلوحون أو يرمزون، ولكن دونما فائدة أو جدوى، فهم غرباء بل في الحقيقة هم أشد غربة هكذا كان حال العصر، وهكذا كان طبع المجتمع، فها هو ذا المعري يقول لأبي القاسم وهو ممن أدركتهم حرفة الأدب وألحت عليهم ظروف المجتمع وطبائعه (وليس مولاي بأول رائد ظعن إلى الأرض العازبة فوجدها من النبات قفراء، ولا بآخر شائم ظن بالسحابة خيراً). فكانت من قطر صغرا وما أنت بمسمع من في القبور ثم يبدي المعري تواضعاً ولكنه تواضع العلماء فهو بعد أن شاخ وألحت عليه الشيخوخة لا يؤثر أن يزداد في صحيفته خطأ في النحو فيخلد أو سقطه في اللغة فتشيع، فلا يريد أن يسأل ولا يريد أن يجيب، لذلك تراه يقول لأبي القاسم ((وحق لمثلي ألا يسأل فإن سئل تعين عليه ألا يجيب فإن أجاب ففرض على السامع ألا يسمع فإن خالف باستماعه ففريضه ألا يكتب ما يقول فإن كتب فواجب ألا ينظر فيه فإن نظر فيه فقد خبط في عشواء)).‏

ورغم فرح المعري بمسائل أبي القاسم فلم يعد يروق له الاشتغال بهذه الأمور، فهو هذيان لا يجدي نفعاً في الحياة الدنيا، وإن كانت هذه حاله في الدنيا فهل يكون علمه ذا غناء في الحياة الأخرى؟. من هنا يدخل المعري إلى مقدمته الحوارية فها هو ذا قد قارب أجله أو كاد وقد حصل من العلم الكثير، ولكنه لم ينتفع منه في دنياه، ولا يظن أنه سينتفع منه في أخراه......‏

أتراه ينتفع منه في مدافعة ملك الموت فيشاغله عما هو فيه من مهام، فيدخله في متاهة لغوية خيالية تتصل بلفظة ملك، فانظر إليه يقول: (افتراني أدافع ملك النفوس فأقول أصل ملك مالك وإنما أخذ من الالوكه وهي الرسالة ثم قُلّب فيعجبه ما سمع فينظرني ساعة لاشتغال بما قلت فإذا هم بالقبض قلت وزن ملك على هذا فَعَل...).‏

ويروح المعري في تصريفات واشتقاقات لغوية طويلة ولكن ذلك لا ينقذه مما هو فيه حيث يجيبه ملك الموت في النهاية((وإن كان لك عمل صالح فأنت السعيد وإلا فاخسأ)). ولكن المعري يمضي منتقلاً من ملك إلى ملك حتى يصل إلى ملكي القبر فيناقشهما في اسميهما، ولكن لا يقابل ذلك إلا بتهاون وعدم مبالاة حيث يقول: ((فإذا عجبت مما قالاه أظهرا لي تهاوناً بما يعلمه بنو آدم وقالا: لو جمع ما علمه أهل الأرض على اختلاف الأزمنة لما بلغ علم واحد من الملائكة. وأقول قد صارت لي بكما وسيلة فوسعا لي في الجدف إن شئتما بالفاء وإن شئتموا بالثاء.. فيقولان أو أحدهما إنك لمتهدم الجول(جدار البئر) إنما يوسع لك في ريمك (قبرك) عملك ثم يسهب المسرى في أمور لغوية إلى سقر إلى جهنم وغيرها حتى يصل إلى جماعة من ضمان الأدباء يعني خشارتهم قصرت أعمالهم عن دخول الجنة ولحقهم عفو الله فزحزحوا عن النار وهم يخاطبون رضوان فيقولون يارضو على الترخيم فيستنكر عليهم هذه المخاطبة التي لم يخاطب بها من قبل ثم يلتمسون منه الدخول إلى الجنة ليعلموا أهلها العربية السليمة ويفسروا لهم معاني تسمياتها الغريبة من سندس وطوبى وعبقرى وغيرها، يشرحون أصولها، وكيفية تصريفها واستخدامها استخداماً صحيحاً فصيحاً ويبرعون في الإقناع أشد البراعة ولكن رضوان يقول لهم:‏

((فانصرفوا رحمكم الله فقد أكثرتم الكلام فيما لا منفعة فيه وإنما كانت هذه الأشياء أباطيل زخرفت في الدار الفانية فذهبت مع الباطل))، فإذا رأوا جده في ذلك رجوه في مخاطبة بعض علمائهم الذين حصلوا في الجنة، فيخبرهم فيؤثرون الخليل بن أحمد الفراهيدي فيشرف عليهم من الجنة قائلاً: ((وإنما افتقر الناس في الدار الغراره إلى علم اللغة والنحو لأن العربية الأولى أصابها تغيير. فأما الآن فقد رفع عن أهل الجنة كل الخطأ والوهم فاذهبوا راشدين)).‏

وهكذا يؤكد المعري على أن من أدركتهم حرفة الأدب ليس لهم حظ في الدنيا، ولا يغني عنهم أدبهم وعلمهم أي غناء في الحياة الآخرة هذا ما يظهر من مرامي المعري القريبة.‏

غير أن إحساسي وشعوري يحدثانني بأن هناك مرامي أبعد من ذلك، قصد إليها المعري ولم نستطع استنباطها، وقد يأتي من يفعل. فمن خلال الحوار ومن خلال ما أثاره هو سواء على لسان الملائكة أو لسان ضمان الأدباء أو غيرهم إشارات ورموز لأبعاد خفية ودنيا فكرية واسعة تحتاج إلى يد صناع لتكشف عنها البرقع حتى نقف على الحقيقة وما يؤنس من خلال رحلتي مع المقدمة الحوارية أن المعري قد أدرك ما فاته من رسالة الغفران.‏

ويبقى أن نقول كلمة أخيرة في المسائل الصرفية فقد عالجها المعري معالجة العالم المحيط الذي جمع علوم الأولين والآخرين، غير أنها تبقى مسائل ذات قيمة علمية وليست شردة من شردات الخيال الرائعة التي فاقت وبهرت وأعود لأؤكد في النهاية أن القيمة في هذه الرسالة هي للمقدمة الحوارية، ولو وفرت بنت الشاطئ عليها نفسها، ونظرت إلى إشاراتها ورموزها ودرستها مع رسالة الغفران بنسق واحد لجنيا "الكثير ولعله يتم وإن غداً لناظره قريب".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244