جريدة الاسبوع الادبي العدد 996 تاريخ 4/3/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

قف، ربما تكون أنت ـــ إبراهيم سليمان نادر

تخجل باصرتي وهي ترتد حسيرة حينما التقت عيناي بعينه، كان يبتسم ولكن بحزن. أول مرة أرى إنساناً يبتسم بحزن كبير. صورة فريدة من فلسفة الخلق أن تتماهى الابتسامة بالحزن لرجل فقد الظل والمكان، كأنما يقول لي دون كلام (إذن هي النهاية).‏

عقد عزمه على الذهاب إلى السجن وبادر بالتأهب لتحقيق بغيته، فقد كان ألذها أن يتناول عشوة فاخرة في مطعم راق ثم يشهر إفلاسه ويسلم نفسه للشرطي بوقار، دون حاجة إلى هياج، بعد ذلك ينهي القاضي ما تبقى من الأمر.‏

ترك الرصيف وبارح الميدان، عابراً صخب (باب الطوب) وضجيج الباعة الذين تكاد عرباتهم تسد المنافذ التي يسلكها الناس. واصل سيره حتى وقف قبالة مطعم (القارب).‏

كان مطمئناً إلى مظهره من أدنى أزرار في قميصه إلى قمة رأسه، فوجهه حليق، وسترته لائقة مع ربطة عنقه البنية المخططة بالسواد التي أعطاها له عامل المكوى.‏

جال في خاطره أن وجبة (ثريد دسمة) تفي بالغرض إذا آزرتها قنينة بيرة مستوردة، تعطيه شعوراً بالشبع والسعادة، يهيئه لرحلته السعيدة إلى منفاه.‏

لم تكد قدماه تطأا عتبة المطعم، حتى وقعت عين صاحبه على بنطاله المهلهل وحذائه البالي، وسرعان ما كانت أيد قوية تمتد إلى قفاه وترده القهقرى إلى إسفلت الشارع في سرعة وسكون.‏

انصرف عن المطعم الأنيق بعد أن تبين له سلوك هذا السبيل لن يصل به إلى السجن المرموق الذي يحلم به، وينقذه من الضياع الذي يكاد يخنقه.‏

انكشفت له المصابيح الملونة، والسلع المعروضة بخبث وراء ألواح الزجاج عن معرض للألبسة في شارع (الدواسة). التقط حجراً وقذف به الزجاج فحطمه. تجمع حوله حشد من الناس على رأسهم شرطيان. وقف هو هادئاً، واضعاً يديه خلف ظهره.‏

قال له الشرطي:‏

-من فعل هذا؟‏

-ألا يمكنك أن تستنتج أن لي علاقة بالموضوع؟‏

تعجّب الشرطيان من برودة إجابته، وأدركا أن أمثاله لا يقفون هكذا، ويتحدثون مع حماة القانون بلا مبالاة، لكنهما لمحا رجلاً يجري عن كثب محاولاً اللحاق بسيارة أجرة، فهبا لمطاردته تاركين الرجل والغيظ يملأ قلبه من فشله مرتين.‏

اقترب إلى محل فيه أنواع من عصائر الفاكهة وطلب قدحاً من عصير التفاح، لكن البائع طلب الثمن مقدماً، فتأسف قائلاً له:‏

-لا تدع سيداً مثلي ينتظر.‏

أيقن صاحب المحل أنه مفلس لا يملك شيئاً، فنادى عامله وقذف به إلى الشارع، فارتمى منبطحاً على أذنه اليسرى.‏

تماثل للنهوض ببطء، وراح ينفض عن نفسه التراب.‏

خيّل إليه أن السجن أصبح حلماً، وأن أمنيته أضحت أبعد مما كان.‏

تحركت قدماه نحو شارع (نينوى) حيث أزياء النساء ومساحيق الزينة.اقترب إلى سيدة كانت تتفرج على ملابس داخلية.‏

كانت المرأة جميلة، ترتدي ثوباً جذاباً وتتمعن بإعجاب إلى الأشياء المعروضة خلف لوح الزجاج، وقد وقف بالقرب منها شرطي متجهم الأٍسارير.‏

دار في خلده أن يلعب دور المتيم الخسيس الممقوت، وقد شجعه منظر فريسته الأنيق وقدها الممشوق.‏

قال لنفسه: (صيد دسم، لن أدعه يلفت مني).‏

اقترب نحو المرأة ولمس أناملها، فالتفتت إليه، رأته يبتسم ويغمز لها بعينه اليسرى، ثم يتصنع سعالاً مفاجئاً، والشرطي يرقبه عن كثب.‏

تحركت السيدة بضع خطوات، فتبعها وخطا إلى جانبيها قائلاً:‏

-آه كم أنت رائعة وجذابة.‏

ظل الشرطي يتبعه بعينيه،منتظراً أن تشير إليه السيدة بإصبعها، إلا أنها ردت بزهو:‏

-شكراً، تستطيع أن تجتاز بي الشارع، فأنا أخاف زحمة السيارات.‏

اجتاز الشارع والمرأة متأبطة ذراعه مثل عريشة تتعلق بشجرة بلوط.‏

عند ناصية الشارع نصل منها وفر راكضاً. استبد به خوف مفاجئ من فكرة أن يكون (شيخ التكية) قد دسّ في سترته حجاباً فيه مناعة القبض عليه، فراح ينفض سترته، ويتأكد من خلو جيوبها وثناياها.‏

جال هذا الخاطر في نفسه وكان محفوفاً بإثارة من العذاب.‏

عندما قادته قدماه، لمح شرطياً يسترخي بوقار أمام حانة تتلألأ بوابتها بالأضواء.‏

قال في نفسه كمن يتعلق بقشة تنقذه من الغرق( آه، إنه الفعل الفاضح، النهاية أكيدة لا ريب فيها).‏

وقف عند منعطف الطريق، وبدأ يصرخ صراخ الثمل ويغني بأعلى طبقة من صوته الخشن. ينبح ويهذي، يشتم ويلعن الشرطة والحكومة وكل أصحاب الحانات الذين يخدعون الزبائن بالشراب المغشوش.‏

هز الشرطي عصاه، ثم أدار له ظهره وقال لرجل كهل مر من جانبه:‏

-إنه جديد على الصنعة، لدينا أوامر بترك أمثاله أحرار.‏

انتابه الأسى، فكفّ عن عربدته غير المجدية، وسأل نفسه: (أما من شرطي نبيل يقبض عليَّ، لقد أصبح السجن جنة صعبة المنال).‏

شد سترته الرقيقة وأحكم أزرارها ليدرأ عن نفسه الزمهرير اللعين.‏

أخذت السماء تنث، فالتجأ إلى حانوت لبيع السجائر، هناك رأى رجلاً يرتدي معطفاً أنيقاً، وقد ترك مظلته قرب الباب.‏

تلفّت حواليه، وبحركة سريعة خطف المظلة ومشى يتسكع على مهل، إلا أن الرجل تمكن من اللحاق به وصاح به غاضباً:‏

-هذه مظلتي.‏

-أنت تتهمني بالسرقة، إذن استدع الشرطي، أجل أنا سرقتها منك، لماذا لا تستعين؟ هاهو ذا شرطي، يقف هناك عند ناصية الشارع، ناده إن شئت.‏

أخذ الرجل الأنيق مظلته، ومشى وهو يلعن السخفاء من أمثاله. اقترب الشرطي نحوهما وهو يعين فتاة جميلة تجتاز الشارع، يلف ثنايا قدها المياس معطف أنيق، تزّين ياقته فروة ثعلب ليموني.‏

واصل سيره حتى ولج في أزقة (الميدان والسرجخانة وعمو البقال).‏

لكن قدميه كفتا عن الحركة تماماً عندما أتى ركناً خبا فيه الضوء، وهدأت عنده الحركة.‏

كانت ثمة كنيسة قديمة الطراز، كثيرة المنحنيات، هرمية السقف تدعى (مار توما).‏

من خلال الزجاج الضبابي المصدوع في إحدى نوافذها، لاح له ضوء ضئيل، وأناس واجمون.‏

كان هناك قداس جنائزي، وراهب عجوز يرتل شيئاً من الإنجيل، وآخر يعزف على الكمان.‏

استقبلت أذناه أنغاماً شجية ملكت عليه لبه، وجعلته يتسمّر على تعاريج سياج النافذة الحديدي.‏

كانت الغيوم قد انقشعت وبدأ القمر يتلألأ في نقاء، والعصافير تسقسق بخفوت على أعشاشها المتخفية في أطناف البناء.‏

شده اللحن الحزين، فانهالت عليه الهواجس والتداعيات.‏

تذكر الأمهات والورد والطموح والأصدقاء والأماني النظيفة، فهزّت نفسه وأحدثت في روحه تطوراً فجائياً وأنارت له الهوة التي تردى فيها وأيام الهوان والشهوات الدنيئة والآمال الميتة والمواهب المصدوعة والنزوات الوضيعة التي تألف منها وجوده.‏

في لحظة بارقة، استجاب قلبه بعنف لهذا الشعور الجديد، وثارت في داخله نزعة جارفة مباغتة لمصارعة حظه المغرق في القنوط والفشل.‏

خيّل إليه أنه ينحدر بسرعة خاطفة إلى قاع المدينة، ولكن ما زال في الوقت متسع وبقية من شباب، يبعث من أكفانه البيضاء، مطامع صبا وثابة، يجاهد في سبيلها بلا تعثر.‏

لقد أنشب اللحن الحزين فيه ثورة، وأوقد في نفسه الأمل، بأن يذهب غداً ويفتش له عن عمل مهما يكن عليه الحال.‏

ارتعش بدنه ليد تربت على كتفه، التفتت حواليه بفزع، فوقع بصره على سحنة قاسية الملامح، كان وجه حارس ليلي، يتأبط بندقية إنكليزية الطراز.‏

صاح فيه بحدة:‏

-ماذا تفعل هنا؟‏

-لا شيء، أتفرج على القداس.‏

-وماذا في الداخل؟‏

-جنازة يصلون عليها.‏

-هيا معي.‏

-إلى أين؟‏

-إلى مخفر الشرطة.‏

-لم أرتكب جرماً.‏

-أنت لص.‏

-لكني لم أسرق شيئاً.‏

-هذا ما يقرره غداً قاضي التحقيق.‏

في الصباح، أصدر القاضي حكمه بسجنه ثلاثة أشهر.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244