جريدة الاسبوع الادبي العدد 996 تاريخ 4/3/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

على شفا مملكة الجحيم ـــ موفق نادر

إنها رحلة تبدو شائكة منذ البداية، حيث للجحيم مملكته الشاسعة الموغلة في الغرابة أبداً، تظلّ تنذر بالويل والثبور كلَّ من لا يتقن القبس من جمرها الوثني المقدّس، إنها ملكوت من الجمال والسحر والبراعة التي يتربّع على عرشها الفنّ العظيم، وفي مقدمته العالية يتسامق الشعر بكل بهائه وجلاله، ناثراً شغبه الجميل على حواف الكون، ممسكاً بتلابيب القلب البشريّ، مكمن الانبثاقات العاطفيّة الفوّارة، وجوهر الرعش النبيل الذي من دونه تترهّل الحياة وتصير بلا جدوى سوى للحاجات المرذولة!‏

هو الشعر إذاً...َ! كل كلام عنه يستلزم منّا أن نصغي إليه بكل جوارحنا، مثلما يقتضي السير على شفير الهاوية..‏

ومن الصعوبات التي يحسب لها ألف حساب، أن تتعرّض لما كُتب عن الشعر، نقداً وعرضاً وتمحيصاً!!.. فأنت هنا ناقد للنقد، وطامح أن تكون شريكاً في بصيرة من رأى وقال، حاملاً عنه وزر بعض ممّا سطّر.‏

وأول ما يقرّبني من كتاب الأستاذ "محمد رضوان" الموسوم بمملكة الجحيم، والصادر عن اتحاد الكتاب العرب أنه اختار موضوعته ممّا هو أثير عندي ألا وهي فكرة الحكاية كما يستغلّها الشاعر، وكيف تتقاطع خيوطها الدرامية وتتصل بالقصيدة بوشائج متينة.. فأنا أزعم –مثل كثيرين- أنَّ صلة رحم فنيّة تربط بين الفنون الأدبية جميعاً، يتماهى بعضها في بعض، وتسري أنساغ هذا في عروق ذاك. وقبل الدخول إلى عالم "مملكة الجحيم" لابد من استعراض سريع يشفّ عن فصوله:‏

للكتاب عنوان فرعي هو: "دراسة في الشعر العربي المعاصر-الحكاية أنموذجاً" ثم بدأ بتوطئة سمّاها: حكاية الشعر عرض فيها المنعطفات المهمّة التي كان على الشعر العربي أن يتخطّاها منذ الجاهلية حتى اليوم؛ ليمتلك خصوصية حداثية بكل ما تحتمل الكلمة من معانٍ، ومنذ هذه اللحظة يبدو الناقد واثقاً من مقولاته وأدواته معاً، حينما يبدأ بالطعن وإلغاء ما لا يطمئن إلى صحته من دعاوى وأفكار سبقته...‏

العنوان العريض لمتن الكتاب "الحكاية الشعرية" ينقسم إلى عنوانين فرعيين:‏

أ-في المفهوم.. ونجد تحته عنواناً فرعياً آخر هو: مفتتح قابل للتنوّع.‏

ب-الآفاق والتنوّع.‏

تحت العنوان الأول يعرض الباحث أفكاره عن أهميّة بحث الشاعر عن أدوات جديدة وأشكال متنوعة للخلق، تشكّل الحكاية جانباً مهمّاً فيها استجابة لحركة التطور المعقّدة في الواقع بكل صنوفه.. ويقول في ذلك: "والحكاية الشعرية هي من الأشكال الجديدة التي برزت في الشعر العربي الحديث والمعاصر، مستكملة شروطها الفنية، واستطاعت أن تقدّم قفزة هامة في مجرى تطور حركة الشعر العربي، وأغنت القصيدة الحديثة أبعاداً فنيّة وتعبيرية، بحيث جعلتها في مرحلة تطورية جديدة اخترقت المألوف، وأضافت كشفاً فنيّاً جديداً للقصيدة المعاصرة (ص14).‏

ثم يلمّح الباحث إلى أهم الينابيع التي استقى الشعراء المعاصرون حكاياتهم الشعرية منها، فيذكر الحكاية التراثيّة والسير الشعبية ثم الخرافات والأساطير واصلاً إلى هذه النتيجة الهامة:‏

"إن الحكاية الشعرية، بما تحمله من أبعاد فنيّة وفكرية وشعبية، تمتلك قدرة هائلة على الانتشار بين الناس، مهما حملت من تعقيدات وإشكالات تتعلّق بمفهوم الحداثة أو بغموض بعض جوانب النص، حيث يبقى العنصر القصصي هو الأساس في عملية الإدراك الشاملة لدى الناس"(ص18). ويثبت الأستاذ رضوان مثالاً على هذه المرحلة المبكرة من القص الشعريّ قصيدة: "شنق زهران" للشاعر صلاح عبد الصبور، مؤكداً أنَّ هذه القصيدة تكتسب أهميّة خاصة باعتبار ريادتها في هذا الاتجاه، جنساً أدبياً يمتلك فرادته، وأسلوباً قادراً على استيعاب معنى الحداثة الشعرية، بكل أبعادها الفنيّة والفكريّة، ضمن إطار الزمن الذي أُبدعتْ فيه.‏

وتحت العنوان الفرعي الثاني "الآفاق والتنوع" يستمر الكتاب حتى نهايته بتناول شعراء مهمّين احتلت الحكاية نماذج شهيرة من قصائدهم الباهرة، وهم على التوالي:‏

أمل دنقل في قصيدته: "مقابلة خاصة مع ابن نوح".‏

أدونيس في قصيدته: "تحوّلات الصقر".‏

عبد الوهاب البيّاتي في قصيدته: "الرجل الذي كان يغني ".‏

محمود درويش في قصيدته:‏

"سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا".‏

سعدي يوسف في قصيدته: "عبور الوادي الكبير".‏

بدر شاكر السيّاب في قصيدته: "حفّار القبور".‏

وقد لا يكتفي الناقد بهذه النصوص المسمّاة لإغناء فكرته، فيعرّج على قصائد أخرى لهؤلاء الشعراء، يقتبس منها شواهد ونماذج كثيرة! كما أنه، مدخلاً إلى حالة كلٍّ منهم، كان يلجأ إلى وضع عناوين فرعية يريدها إضاءة لما يتّجه إليه، نجحت في ذلك غالباً، وعتّمت أحياناً حينما بالغ الباحث في رصّها بالمجاز!! وهذه ميزة يمكن التوقف عندها في أسلوب الأستاذ محمد رضوان عبر هذا الكتاب، حيث استغلق معنى بعض الجمل بسبب لهفته –ربما- على جعل لغته متألقة، مكتنزة بالدلالة، فجاءت غامضة غموضاً لا يليق بلغة النقد والدراسة، مثل قوله في أحد العناوين: "مفتتح قابل للتنوّع"، وفي عنوان آخر "محمود درويش وتضاريس الحكاية".‏

أو قوله: "سعدي يوسف.. المنفيّ –في كل الأمكنة-إلى الشعر.. وأزمة العناوين هذه تطال العنوان الرئيس للكتاب، حيث لا أعتقد أنَّ أحداً من القرّاء سيلمح ولو فكرة من مضمون الكتاب إلا بعد قراءة مقدمته، وقد يمتدّ اللبس إلى ماهو أبعد من ذلك!!..‏

جاء في الصفحة السابعة والستين عن الشاعر "سعدي يوسف" مايلي: "إنما الذي يعنينا الآن، تلك الميزة التي اتسمت بها قصصه الشعرية المتداخلة مع الحكاية كمفهوم منفتح، وغير مؤطّر؛ فهو في هذا الجانب-كما ذكرت منذ قليل- أحد رموز التجديد في حركة الشعر العربي المعاصر.‏

فالتجديد لديه، بالمعنى الحداثي للكلمة، هو امتداد مدروس ومتقن تاريخياً لمعطيات الزمن وصراعاته وكل تناقضاته الشعرية والحياتية –تراثاً وإبداعاً.‏

فهولا يبني القصيدة على أساس واهٍ، أو على أساس قطع الظاهرة الجديد، عن صلتها بالماضي؛ فجاء إلمامه بتقنية القصيدة ومعمارها الفنّي واعياً؛ ومدركاً لأبعادها التاريخية –العربية والعالمية-...". ص67 ونحن مع فهمنا لما في هذه الأقوال من معانٍ، نظلّ نتمنّى لو أنها صيغت بأسلوب أقلّ ثقلاً.. ولكنّ الباع الطولى للناقد تبدو في أماكن كثيرة من هذه الدراسة المهمة، منها امتلاكه البارع للأدوات النقدية من جهة وللذائقة المتبصّرة القادرة على استخلاص العبر من النموذج المدروس، تسعفه ثالثة أثافيّ النقد ألا وهي الثقافة النقدية الواسعة والعميقة في آن...‏

وقبل أن نعطي أمثلة على كل ذلك، نذكر للكتاب حسنة أخرى مهمة هي: بسطه لكل هذه النماذج من الأدب الجيد، والتي قد لا يكون تسنّى للقارئ الاطلاع عليها، فتأتي الدراسة لتقدّم فكرة واضحة عنها تعيض غالباً عن الرجوع إليها في مصادرها، ولابدّ هنا من الإشارة إلى أن الكاتب قد أحسن انتقاء النماذج التي اعتمدها لدراسته، فهي بغضّ النظر عن أية قيمة نقدية أخرى، تشكّل منعطفات فنيّة في إبداعات أصحابها!! فكلّنا نذكر أن قصيدة محمود درويش: "سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا"، وقصيدة أدونيس: "تحولات الصقر"، و"حالات الأخضر بن يوسف"، عند سعدي يوسف مثّلتْ جميعاً ارتقاءً فنيّاً شغلت المثقفين والنقّاد بالحديث عنها زمناً طويلاً!!..‏

وأوضح ما يدلّ على رسوخ الأدوات النقدية عند محمد رضوان: "هذا الجهد الكبير للحفاظ على المنهجية والموضوعية، عندما بنى دراسته على تبويب حسن يقود فيه العام إلى الخاص، والكلي إلى الجزئيّ المتفرّد من جهة ثم راح يستقرئ النموذج بتأنٍ وحذاقة قبل أن يطلق أحكامه الفنية والقيمية.. ورغم سوء طباعة الكتاب المتمثّلة برداءة التنضيد والإخراج، وصغر حجم الحرف صغراً مفرطاً، وتداخل العناوين، وغرائبية لوحة الغلاف، ممّا يوحي بأن الناشر أراد أن يقذف هذا الكتاب عن كاهله كيفما كان!.. رغم ذلك كله تظل قراءته ممتعة ومفيدة غاية الفائدة.‏

ومما يلفت النظر أن الناقد يسير مع النصوص لحظة بعد لحظة، يتقرّى أحداثها ومكوّناتها قبل أن يبوح بأفكاره وآرائه حولها، ليكتشف أن هذه النماذج الشعرية-وإنْ تشابهت في اقتباسها من جمرة الفن القصصي –اختلفت باختلاف أساليب أصحابها وطرق تناولهم للأحداث والجزئيات التي بنوا منها عوالمهم الفنيّة.‏

ويجهد الباحث في محاولته الابتعاد عن المجّانية في استخلاصه للأحكام، كما يبدو جليّاً في هذا القول عن قصيدة الشاعر "سعدي يوسف":‏

"هكذا يتعمّق الحسّ الدرامي بالمأساة، مأساة الوجود الإنساني المخضّب بالرحيل والنفي والموت، يقدّمه سعدي عبر صور شعرية حسيّة متحركة مبنيّة على تفاصيل وجزئيات حياتنا اليومية المتحرّكة، برؤية بصرية عالية تلتقط الجوهري منها، لتشكّل نقطة تحوّل في التقاط أطراف الحدث وصياغته شعراً، عبر صورة شاملة تحيط بكل الصور الجزئية وتفاصيلها، لتقول فكرتها دون لغو وإسراف في اللغة أو تراكم زائد لصور ومفردات قد تثقل بنيتها الفنيّة، وتفقدها شيئاً من معنى الشعر وروحه..".ص70.‏

أو قول الأستاذ رضوان في قصيدة "محمود درويش":‏

"فسرحان يلخّص الإنسان الفلسطيني المبعثر في الكون –قاتلاً ومقتولاً- يرسمه درويش بروح القصّ والشعر معاً، على خارطة الوطن المسلوب عبر تيّار الشعور والحوار الداخلي، والرمز و السرد المكثّف، حيث تتداخل وتتقاطع الصور الحسيّة والأفكار والمشاعر، لتخلق مناخاً دراميّاً من الإحباط والضياع ومرارة الواقع..". ص 57.‏

وبتبصّر وحسن دراية –كما يليق بناقد مثّقف- أشار الباحث إلى اختلاف الشعراء السابقين في استغلالهم لفكرة القناع الدرامي، سواء اقتبسوه من التراث العربي أم خلقوه، وقد تكون محبته الغامرة لهؤلاء الشعراء جعلته شديد الإعجاب بما أحدثوا في هذا الاتجاه، وانتبه أنَّ بعضهم قد يورد الحادثة التاريخية منتزعة من سياقها، بعد أن يلبسها رداءً جديداً من الوقائع، كما عند الشاعر "أمل دنقل" الذي أورد الطوفان بدلالة معكوساً عمّا وصلنا عبر القصص التراثي المختلف، حيث لم يعد هذا الطوفان عنده فرصة لاضمحلال ماهو فاسد ونتن بعد أن استحالت إمكانية صلاحه، فصار زواله ضرورة تحتّمها جدليّة الوجود وطبيعة الحياة!!..‏

إنما الطوفان هنا لا يخرج عن دلالة ذلك الخطر الذي يجرف الهويّة ويجتثّ الجذور دونما هوادة أي أخطر ما تعانيه مجتمعاتنا العربية منذ زمن، حتى يتحدد انتماء العربي ببساطة ووضوح من خلال وقفته حيال هذا الطوفان حقيقة ومجازاً...‏

يعبّر محمد رضوان عن هذه المفارقة بلغة نقدية تمتلك سمتها ودلالتها المفيدة بلا مواربة:‏

"هكذا تُبنى القصيدة –الحكاية عبر حركة التحام وتداخل مع الواقع المعاصر، نكتشفها شيئاً فشيئاً في حركة طوفان من نوع آخر، حركة تغرق الأشياء المكونة للحياة –للحضارة بصفة عامة.‏

فالطوفان هنا يمثّل الغزو بمعناه الشمولي، كمقدمة للخراب الاجتماعي والثقافي والسياسي؛ على نقيض المعنى الدلالي للأسطورة-الطوفان، الذي يمثل إنقاذ البشرية من المهانة والفساد والشرور". ص30.‏

وتبدو ثقافة الباحث –وهي حجر الزاوية في أي مصاولة نقدية –أكثر ما تبدو من خلال حسن غربلته للظاهرة-موضوع البحث، ومحاولة اكتشاف روائزها الظاهرة والباطنة من خلال تسليط الضوء على كلّ إشكالاتها، ثم يجيء الحكم ليفتح جدلاً مع المتلقي لا ليصادر رأيه مسبقاً، وليعلمه أنَّ نهايات الأحكام ستظلّ مفتوحة في كثير من المسائل التي تقبل الحسم، هاهو يعبّر عن شخصية صقر قريش في قصيدة أدونيس الشهيرة "تحوّلات الصقر":‏

"إننا أمام شخصية متناقضة ومتوحّدة في آن معاً ... قلقة... متوتّرة وخلاّقة، يحتدم فيها زرادشت والحلاّج –وهيجل وابن عربي، وباطنيّة الإسلام-المنابع الثقافية لأدونيس- ضمن معادلة الخير والشر، وصيرورة الحياة والكون، لذلك فالحكاية الشعرية لديه خرجت عن أن تكون حكاية مستقلّة بكافّة عناصرها الفنيّة والموضوعيّة".35.‏

وختاماً أشير إلى أن الباحث أجاد دائماً الوقوف عند الشاهد الأكثر دلالة ودقة ممّا ساهم في توضيح المقاصد والغايات التي سما إليها، لولا أنَّ كثيراً من هذه الاقتباسات حوت أغلاطاً طباعيّة قد تلتبس على القارئ غير الحصين، وتسيء إلى بنية النصوص وجمالها..‏

هذه ملاحظات تلفت النظر إليها في كتاب "مملكة الجحيم" ضمّنتها هذه المقاربة المتعجّلة، تاركاً للنقّاد المتخصصين أن يروا أكثر مما رأيت وأبعد غوراً.. لكي نحتفي جميعاً بكلّ كلمة جادّة يحبّرها عقل نيّر لا غاية له سوى التقدّم بثقافتنا ولو خطوة، في زمن تبدو فيه الثقافة أهمّ جبهة في معترك الحياة وصراعها الكبير..!.‏

"مملكة الجحيم": دراسة،من إصدارات اتحاد الكتّاب العرب، عام 2001.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244