جريدة الاسبوع الادبي العدد 996 تاريخ 4/3/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الحدُّ الفاصل ـــ أسامة الحويج العمر

في سالف الأيام، كنتُ أسهرُ مع أصدقائي حتى ساعات الصباح الأولى، حيثُ كنا نملأ الحيَّ صخباً بضحكاتنا وأحاديثنا التي لا يربطُ بينها رابطٌ سوى السخرية من كُلِّ شيء.. بما فيها نحن، ثم يعود كلُّ منا إلى منزله ثملاً من الإرهاق والنعاس والضحكات التي لم يتوقف رنينُها على إسفلت الواقع بعد، ونظلّ نائمين حتى المساء.. لنعاود الكرة من جديد، وكان هذا الأمرُ يُزعجُ والديَّ إلى أقصى الحدود، فكانا يوبخاني حيناً، ويمتنعان عن التحدث معي أياماً عدة أحياناً أخرى، وفي أحد الأيام سمعتُ أمي تقولُ لأبي أثناء تناولهما طعام الإفطار في شرفة المنزل: إنه جنونُ مراهقة.. طيشُ شباب لا يلبث أن يزول بعد حين، فيردُّ عليها أبي قائلاً بصوتٍ رفعته أمواجُ الانفعال: هذه وقاحة! عندما كنتُ في مثل سنه لم أكن أجرؤ على النظر في عيني والدي.. ياله من جيل فاسدٍ عديم الأخلاق! ألم تري علاماته المتدنية في امتحان منتصف العام؟..‏

أما أنا فكنتُ أمدُّ لهم لساني عن آخره ثم أركضُ متوجهاً إلى حيثُ يجتمع الأصدقاء متزحلقاً على الدرابزين مُطلقاً صافرةَ السعادة!‏

إلى أن جاء اليوم الذي طفح فيه الكيل، فطردني والدي من المنزل وهو يُطاردني بالعصا من غرفة إلى غرفة، أما أمي فكانت تركضُ وراءنا وهي تولول، إلى أن تمكنت من الوصول إلى الباب الخارجي وبدأتُ أقفزُ على درجاته قفزاتٍ بعيدة المدى والعرقُ يتصبَّبُ مني بغزارة.‏

ما إن أصبحت في الشارع حتى وجدتني أسيرُ بصورةٍ آلية باتجاه بيت خالي، كان خالي رجلاً في الخمسينيات من عمره يعيشُ وحيداً منذ وفاة زوجته قبل ثلاث سنوات ولم يكن لديه أولاد. وكنتُ أحبه وأحترمه كثيراً.‏

عندما فتح لي الباب كان يتحدث مع أمي في الهاتف وعلاماتُ القلق باديةٌ على وجهه.‏

بعد أن اغتسلتُ جلسنا سويةُ إلى مائدة الطعام، لم أجرؤ على النظر في عينيه، ظلَّ الصمت المثقل بالحرج شريكنا إلى أن ازدردتُ آخر لقمة. فجأةً رفع نظره إليَّ وقال بصوته الرخيم: يا بُني.. الساعة الثانية عشرة ليلاً هي الحدُّ الفاصل بين الخير والشر! لقد أثر فيَّ كلامه كثيراً، فأخذته على محمل الجد، ومنذ ذلك اليوم وأنا أسيرُ في دربِ حياتي واضعاً قدماً بعد الساعة الثانية عشرة ليلاً.. وقدماً قبلها!!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244