جريدة الاسبوع الادبي العدد 996 تاريخ 4/3/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

مفاجأة النص في إبداعات (نجاح إبراهيم) ـــ اسماعيل الملحم

في نصوصها، كمافي قصصها القصيرة وفي روايتها الوحيدة عطش الاسفيدار تقتحم الأديبة نجاح إبراهيم مناطق غير مكشوفة لكنها مناطق مزدحمة بالمثيرات المادية وبثقافة شعبية شبه راكدة في عالم يتغير بتسارع كبير. تتكئ في مواضع عديدة من النص في البادئة وفي المتن والختام على موروث من التراث الصوفي والأدبي لا ينتميان إلى عصر واحد، لكنها تسلط الضوء على فقرات من هنا، وأخرى من هناك تفصح عن ثقافة لا تتوقف في جانب من جوانب الحياة والفكر والأدب.‏

لكن قلمها الجوال يعبر الذاكرة ويخترق المخيال الشعبي. يتلطى النص حيناً وراء أقنعة مختلفة المصادر فلاتتوغل في المحرم حتى النهاية فهي تحافظ على مسافة بين دلالات النص وإشارات المرور. تتغافل حيناً، وحين تفضحُها العبارةُ لا تعدم وسيلة للتحايل عليها فتخلع عليا لبوساً مختلفاً.‏

قد لايكون اكتشاف السلوك الدفاعي مباشراً في النص فسرعان ما يحدث تبدل مفاجئ في المسار يعيد المتلقي إلى الماضي.‏

في نصوصها كمافي قصصها القصيرات غنية حتى الشبع بمفردات بيئة تتفاعل مع مكوناتها فتغدوان معاً نسيجاً متكاملاً أعلى من عناصره، تغزل هذه المفردات بمغزلها هي وليس بالاعتماد على غيرها وتنسجها بوساطة نولها وليس بأنوال الآخرين.. يأتي النص مدوزناً على الرغم من تقطيعه ووضع عناوين فرعية لأجزائه... تجوب البيئة الفراتية تصنع من عجينتها حكايا تخالط حكايا الجدات... مليئة نصوصها بحكايات الانتظار وتصوير الحرمان وبما اعتادت عليه المخيلة الشعبية من اتكاء على قدر يبدل ألوان جلده ببساطة إنه الفرات حين يغضب وحين يستكين.‏

"يهرب الوقت فتذبل الأوراق ويشح العمر ولا نملّ الانتظار".‏

منشغلة بزمن مدمى لا تملك له ضبطاً:‏

-أخاف عليكَ من الذبول.‏

-أخاف عليكِ أرذل الأمر.‏

الحبل مشدود إلى حدين ننتظر الآتي فيسرقنا الانتظار(نفح هواء هذا اليوم الخريفي البارد الرماد وذراه في الوجوه والأهداب).‏

كأن الفرح لا يأتي إلا كما البرق. نحن مسكونون بالحزن: (لقد صار أباً.. ومن مكانه رفع بصره إلى السماء شاكراً حامداً طائراً.. لكن صوت النساء سمّره في مكانه.. زوجتك ماتت).‏

في كل ما كتبت، ظلت تطلب التمايز وتجيده وإن اختلفت مستوياته بين مجموعة قصصية وأخرى أو في روايتها الأولى والوحيدة حتى اللحظة عطش الإسفيدار., وإلا لماذا اختارت الإسفيدار وهو اسم فارسي للصفصاف وشجر الغَرَب.‏

ولماذا نبشت السذّاب فأضحى للبخور عندها رائحة مميزة وخصوصية؟‏

ولكنها لا تؤخذ بما أنجزت وهو كثير نسبة إلى عمرها الأدبي، بل والزمني أيضاً. فهي باحثة وجودية لا تكتشفها الوسائط الأدبية المؤطرة في الأجناس المعروفة عند دارسي تاريخ الأدب العربي... تصنع نبضها مناخاً في فضاء أدبي لا ينتمي لجنس محدد ولكنه لا يفارق الأجناس الأخرى..‏

تختار عناوين مجموعتها بحيث تدخل في تكاثف النصوص أكثر مما تدل على القصة القصيرة، كمافي مابين كمأة وزحل، والقيامة وأجراس الدم وغيرها من عناوين من أهدى من قطاة إلى أحرقوا السذاب لجنونها.‏

كاتبة لا تقتحم المتلقي في إيديولوجيات جامدة ولا تسرق الوقت بشعارات وعبارات فضفاضة. تتقن الدخول في تفاصيل المكان من السباحة بالفرات إلى حياة القرية النائية إلى المدن المتنامية حيث يكون التمدن قشرة خارجية ليس منه إلا تدافع الأكتاف. يلوب الإنسان في نصوصها على جرعة ماء والنهر يهدر قربها وعلى لقمة هانئة والأرض حبلى بكل طيب وحلال. حياة محاصرة بطبيعة قاسية وإرادة مشلولة.‏

تشعر بقصور اللغة عن المعنى لديها، (كل لغات العالم لا تفي... أحتاجها لغة تخلق اللحظة، تلبس حالتي الآنية). وتتنامى الاستحالة في ذلك لأنها امرأة متطلبة (لغة ألوانها شفافة تتسع لعشقي ولوني، تتراكض في دمي سرب زرازير، تدكّ أقبية الشريان وتسرد الأبجديات).‏

ويبقى عاجزاً. أي مخلوق وهي المرأة لا تعطي حتى تحقق امتلاك رجلها وتصل إلى تحقيق رغبات دفينة توارث عصوراً في ظل الهيمنة الذكورية. لكنها تطل على عالم الرجل من وراء البراقع.. تثير فضوله وتحرك فيه رغباته وشهواته الأبدية. وحين تكتشف فيه كعب أخيل تفنن عليه بفتنتها، حين أدرك ذلك (سقط الرجل ميتاً شهيداً أكداس البراقع).‏

ينتاب المتلقي شعور يحاصره بسؤال ملح، أتقرأ النص أم تقرأ صاحبته؟ منذ البداية في (احرقوا السذاب لجنونها) وإلى النهاية من حدها الأول فيما يشبه الإهداء، (أحسن احتضاني، لأتقن التشكل) ولغاية الخطوة الأخيرة.‏

ما طلب الرجل المرأة يوماً أن تحسن العطاء ليعد بالنعيم.. لتطلب علة العلاقة الزئبقية بين الرجل والمرأة، حيث تظل هذه الأخيرة غير عابئة بشيء أكثر من هواية التطلب لديها، تحني غصنه ينحني لها، لكن الانحناء قد يصل به إلى حدود الانكسار.‏

رواسب تاريخ طويل تُسأل المرأة عما لا يُسأل عنه الرجل:‏

"وطفة هل انتهت مرحلة العذرية عندك بتكور بطنك؟".‏

يتكور بطنك؟ /ولم كل هذا الفرح المخبوء؟/ كيف أينع الجسد؟ أهي رطوبة دخلت في اليباس، أم يباساً عشق الرطوبة؟ صمت وفرح.‏

نص أم نصوص؟ يفيض عن سطوره وصفحاته وبعضها تتآكل حروفه نص يغوي في التماعاته وتراقص صوره. وشهوة التلقي ترى فيه التفاحة التي أغوت آدم كأن في بعض معانيه صورة لخدي حواء وقد تضرجا بالأحمر القاني...‏

كيف تقرأ نصاً يقرؤك؟.. يجيئك صوت من لا صوت.. لا يضلُّك السؤال فيغيب عنك المعنى، لا تدع اشتهاءك يخونك فتنزلق إلى هاوية يتعنقد القلق عندها..‏

تمازجنا حتى صرنا كياناً أوغل فيك وتتخلل بي؟ تصير العبارة سحر مباءة تنسبها إلى شخص حكايتها (وطفة).. وتأتي جواباً لقول منسوب إلى ابن أبي طالب:‏

سبحان من أمسكها بعد مواج مياهها/ وأجمدها بعد رطوبة أكنافها. فجعلها لخلقه مهاداً وبسطها لهم فراشاً/ فوق بحر لجي/ راكد لا يجري.‏

هل يكون حرق السذاب بعد هذه الجولة قمين بهذا العطاء الجميل؟ ينشر رائحته الطيبة؟ أم يكون وسيلة لرد حسد العين؟‏

إنه الجنون الذي يحرك السؤال فلا يطفئ اشتعال الرغبات. لأنه يعد بالأجمل على درب الإبداع الصعب المستصعب.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244