جريدة الاسبوع الادبي العدد 996 تاريخ 4/3/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

ما أشبه عنف اليوم بعنف البارحة اليابانيون يحيون ذكرى معسكرات اعتقالهم في أميركا ومحرقة طوكيو قبل ستين عاماً ـــ حصة منيف

كم من موجات عنف اجتاحت المجتمع الأمريكي منذ أن حطت سفن كولومبوس على شواطئ العالم الجديد؟..‏

مسلسل يبدو وكأنه لن ينتهي ويتكرر مرة بعد مرة. بدأ بسكان البلاد الأصليين، حتى اسمهم بدّلوه وسموهم "الهنود الحمر" وما لبثت أن بدأت حملات منظمة لإبادتهم، موجة بعد موجة، مرّة إثر أخرى، بالقتل والعنف وتسليط الجراثيم والأمراض عليهم بحيث لم يبق من عدد يقدر بخمسين مليوناً من سكان أميركا الأصليين إلا ما لا يزيد عن ثلاثة ملايين كما تقول الإحصاءات الأميركية. هؤلاء لم يسلموا بدورهم ليعيشوا كبقية أبناء البشر حيث حشروا في مستوطنات معزولة لتتفشى بينهم الجريمة وإدمان الخمور والمخدرات.‏

الموجة الثانية: كانت السود الذين اقتنصوا من إفريقيا وحمّلوا وهم مقيدون بالسلاسل على سفن تعبرعباب المحيط الأطلسي في طريقهم إلى العالم الجديد. يسامون سوء العذاب طوال العبور فيموت منهم من يموت، أما من يصل فلا يجد أمامه مصيراً أفضل، بل إن قدرهم وذرّيتَهم هو حياة قهر وجوع وذل في مزارع البيض ثم في مصانعهم.‏

أما إثر الحرب العالمية الثانية فقد امتد القمع ليشمل كل من يحمل أفكار الحرية والعدالة الاجتماعية في المجتمع الأميركي مهما كان عرقه أو لونه أو دينه، ضحية هذه الموجة كانت المثقفين والمفكرين والفنانين الذين ألصقت بهم تهمة الشيوعية، إذ أخذ هؤلاء يستدعون أمام لجنة مكارتي سيئة الصيت ليحاسبوا على أفكارهم وليوصموا بمعاداة الوطن، ومن الأسماء المعروفة عنهم شارلي شابلن وآرثر ميلر.‏

أما الآن فقد جاء دور العرب والمسلمين، فبعد أن استغل ما سمي بالعالم الحر قوى التطرف الإسلامي لمحاربة الشيوعية وأي فكر حر في العالم الثالث حتى انقلبوا عليهم واتخذوا منهم ذريعة لشن حروب لا نهاية لها ضد كل من ينطق بالضاد ويدين بالإسلام. بدأ هذا قبل هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001 والتي مالبثت أن اتخذت ذريعة لاضطهاد العرب والمسلمين، سواء أكانوا في ديارهم أم في ديار الغرب. فإلى أي مدى سيمتد ويمضي هذا العنف الأميركي؟‏

نمط من العنف لابدّ لنا من أن نتذكره في هذه العجالة لأنه ربما كان ينبئ بما سيتعرض له العرب والمسلمون المقيمون في أميركا. هذا النمط هو الذي تعرّض له الأميركيون من أصول يابانية إبان الحرب العالمية الثانية والذي نادراً ما يتم الحديث عنه.‏

فإثر ضربة "بيرل هاربر" عام 1942 التي تمكن خلالها الطيران الياباني من تدمير الأسطول الأميركي في المحيط الهادئ والذي كان يرابط في ميناء "بيرل هاربر" صبّت السلطات الأميركية جام غضبها على اليابانيين القاطنين في الولايات المتحدة، خاصة في جزر هاواي والشاطئ الغربي الأميركي، فقد جمع ما يزيد على المائة ألف من هؤلاء ونقلوا إلى أماكن نائية في داخل الولايات المتحدة حيث زجّ بهم في معسكرات اعتقال ظلوا محتجزين فيها إلى مابعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بعد أن ألصقت بهم، ظلماً وعدواناً، تهمة الخيانة والعمل كجواسيس لليابان، بلدهم الأصلي.‏

لم يسمع العالم الكثير عن تلك الجريمة اللا إنسانية حينذاك، أو بعد إطلاق سراح هؤلاء الأبرياء إلى أن بدأت أخبارها تتسرب بعد مرور عقود من الزمن. وفي يوم التاسع عشر من شباط من كل عام يحيي اليابانيون الأميركيون ذكرى هذه الجريمة المشؤومة،وهو ما فعلوه هذا العام أيضاً.‏

تحدثت كاتبة أميركية يابانية الأصل هي "ليليان ناكانو" عن هذه الجريمة في مقال نشرته صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" وحذرت من أن جريمة مماثلة قد تشهدها الولايات المتحدة في وقت قريب، ضحيتها هذه المرة هم العرب والمسلمون. تقول الكاتبة التي تقطن في جزر هاواي وهي من الجيل الثالث للمهاجرين اليابانيين إلى أميركا في مقالها: "التاسع عشر من شباط كان اليوم الذي قلب حياة اليابانيين الأميركيين رأساً على عقب كنت في سن المراهقة حينذاك، وأعيش مع عائلتي في جزر هاواي عندما وقّع الرئيس الأميركي "فرانكلين روزفلت" الأمر التنفيذي رقم (9066) والذي كان نقطة البداية في نقل ما يزيد عن (110.000) أميركي من أصول يابانية واحتجازهم في ظروف لا إنسانية في معسكرات وميادين لسباق الخيل حولت إلى معسكرات اعتقال".‏

وتضيف ناكانو: "بعد الهجوم على بيرل هاربر ساد جو مَن التوتر والشكوك والهستيريا في الولايات المتحدة، خاصة في الشاطئ الغربي وجزر هاواي. سبقت ذلك عقود من التشريعات المعادية لليابانيين والآسيويين عامة أرست قواعد الأحداث التي تلت إصدار الرئيس روزفلت لذلك الأمر التنفيذي. فقد تم جمعنا دونما محاكمة وبصورة غير مشروعة على الرغم من أنه لم يكن لنا أي دور في أمر الهجوم على "بيرل هاربر" شحنّا من جزر هاواي إلى ولاية كاليفورنيا، ومن ثم إلى ولاية "أركنساس"، وانتهى بنا المطاف في ولاية "وايو مينج" في شمال غربي الولايات المتحدة حيث احتجزنا لسنوات وحتى نهاية الحرب".‏

وتمضي ناكانو فتقول:"بعد أن أطلق سراحنا إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية أخذنا نحاول التقاط بقايا حياتنا المهمشة وإن بقينا نواجه التمييز العرقي والعداء المستمر. اضطررنا لسنوات لكتم غضبنا وشعورنا بالمرارة والعار من سوء المعاملة التي تعرضنا لها. أما الآن فإن الكثيرين من الأميركيين من أصول يابانية يجتمعون في المدن الأميركية الكبرى مثل لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو وغيرهما ليحيوا ذكرى احتجازهم الظالم. /هدفهم من ذلك هو اطلاع الأجيال الشابة من مختلف الأعراق على ماتعرضوا له من قمع في تلك الحقبة المؤلمة، وما يجب على هذه الأجيال أن تستنبطه من دروس، غير أن ما يحز في النفوس هو أن نجد مواطنين أميركيين آخرين يتعرضون لنفس حملات التمييز العنصري والعداء التي سبق لنا أن تعرضنا لها ظلماً وعدواناً، وهم المواطنون المسلمون والعرب".‏

وتضيف ناكانو قائلة:"عندما وقعت أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 بكينا الأرواح التي أزهقت في ذلك اليوم.‏

غير أنني وجدت نفسي أشارك المسلمين الأميركيين مشاعرهم وأتعاطف معهم بعد أن أصبحوا كبش فداء وضحية نفس النوع من التنميط الذي سبق لنا أن تعرضنا له قبل ثلاثة وستين عاماً. أصبح هؤلاء يعيشون في نفس النمط من الشكوك، وغدوا ضحايا لجرائم الكراهية والهمجية والعنف، وكل هذا باسم الوطنية والأمن القومي.‏

"يوم التاسع عشر من شباط"، كما تقول ناكانو، "هو يوم لا أتمنى أن يواجهه أحد، فهو لا يذكرنا بدروس أحداث واجهناها في الماضي البعيد بل بأحداث نواجهها في كل يوم الآن. علينا ألا ننسى الكلمات الشائنة التي تفوّه بها الجنرال "جون دو ويت" الذي كان مسؤولاً عن الدفاع عن الشاطئ الغَربي الأميركي في عام 1943 عندما قال: "الياباني يظل يابانياً". وكذلك إعلان "هنري ستيمسون" وزير الحرب الأميركي حينذاك، عندما قال: "السمات العرقية لا تجعل من المواطن الياباني أهلاً للتفهم والثقة".‏

وتضيف ناكانو: "كم من المؤلم أن نرى الأميركيين العرب والمسلمين يتعرضون للشكوك والنبذ بدعوى كونهم إرهابيين محتملين لمجرد أنهم ينتمون لجنس معيَّن ويدينون بدين معيَّن".‏

وتشير الكاتبة إلى المعركة التي خاضها المواطنون من أصول يابانية في السبعينات والثمانينات وعلى مدى عشر سنوات لكشف ما تعرضوا له من ظلم وجور إلى أن أصدرت الحكومة الأميركية في عام 1982 اعتذاراً كان بمثابة اعتراف رسمي بأن احتجاز اليابانيين إبان الحرب العالمية الثانية إنما كان خطأً من الناحيتين المعنوية والقانونية، وتضيف:"هذا الاعتذار أمدّنا بالأمل بأن أحداثاً مثل هذه لن تتكرر من جديد.‏

"غير أننا نرى الآن هجمات تتجدد على الحريات المدنية باسم ما يطلق عليه مسمى "الحرب ضد الإرهاب"، وإصدار ما سمّي "بقانون الوطنية" إثر هجمات الحادي عشر من أيلول، وسياسة الحكومة الأميركية التي تبيح اعتقال أشخاص أبرياء وتوجيه التهم لهم جزافاً إنما يخلق نفس الجو الذي قد يودي بنا إلى مستقبل نرى فيه معسكرات اعتقال أخرى في الولايات المتحدة يحتجز فيه العرب والمسلمون هذه المرة".‏

وتعلن ناكانو أن من يتبنون إيديولوجيات يمينية في الولايات المتحدة يحاولون إعادة كتابة التاريخ لتبرير سياسات الحكومة الأميركية حيث يتم تصنيف الناس على أساس انتماءاتهم العرقية، وأحد الأمثلة على ذلك كتاب أصدره "ميشيل ماكلن" في عام 2004 يدافع فيه عن اعتقال اليابانيين إبان الحرب. يحمل ذلك الكتاب عنوان: "دفاعاً عن الاعتقال: عدالة قضية الاحتجاز على أساس العرق في الحرب العالمية الثانية وفي الحرب على الإرهاب". فهذا الكتاب، كما تقول ناكانو، لا يردد فحسب أصداء الادعاءات التي سبق للأميركيين من أصول يابانية أن سمعوها على مدى سنوات، بل يعلن أن الاعتذار الذي صدر لصالح هؤلاء والتعويض عليهم، إنما يسيء إلى جهود الولايات المتحدة للحفاظ على أمنها القومي. ويضيف إن أولئك الذين يدّعون، في زعمه، الدفاع عمن يتعرضون لحملات تمييز عرقي ويدافعون عن الحريات المدنية إنما يلوّحونَ بهراوة من شأنها أن تضرّ بحربنا ضد الإرهاب، "هذا ما يقوله هذا الكتاب الشائن كما تعلن ناكانو.‏

وهي تختم مقالها بالقول:"ليس هناك ما يبرر لأحد على الإطلاق شن حملات التمييز العرقي أو إنكار الحريات المدنية، لا في عام 1942 ضد اليابانيين، ولا في عام 2004 ضد العرب والمسلمين".‏

بعد هذا لابدّ لنا من أن نتساءل: هل سيجد أبناء جلدتنا القاطنون في الولايات المتحدة ما لاقاه اليابانيون قبل ستة عقود من الزمن؟.. سؤال يواجه الأيام التالية!!‏

وطوكيو تحيي ذكرى حريقها‏

يوم التاسع عشر من شباط إذاً هو اليوم الذي يحيي فيه الأميركيون من أصل ياباني ذكرى احتجازهم في تلك المعسكرات المشينة. ولكنهم، على الرغم ممالاقوه من قمع وعنت تحت حراب حراسهم ولسنوات، كانوا أحسن حظاً من أبناء بلدهم الأصلي، منذ أيام أحيت العاصمة اليابانية، طوكيو، ذكرى الهجمات المدمرة التي تركتها كومة من الرماد والأنقاض منذ ستين عاماً. ففي ليلة التاسع/ العاشر من آذار من عام 1945 والحرب العالمية الثانية تكاد تضع أوزارها بعد انتصار الحلفاء على ألمانيا واليابان كانت طوكيو ضحية لغارات أميركية خلفتها يباباً وقتلت من أبنائها ما يتراوح بين ثمانين ألفاً ومائة ألف مواطن في غضون ثلاث ساعات، أزهار الربيع كانت تكاد تتفتح، واليابانيون يظنون بأنهم ربما يوشكون على تنفس الصعداء بعد أن أصبحت قواتهم على وشك الاستسلام، وعند ذاك انقضت ما يزيد عن ثلاثمئة طائرة على عاصمتهم لتلقي أكثر من ألفي طن من القنابل الحارقة على بيوت الخشب والقش المحيطة بالمدينة لتحولها إلى كتلة ضخمة من اللهب وكومة من الرماد والأنقاض.‏

وقائع إحياء الذكرى الستين لهذه الجريمة أحيتها طوكيو اعتباراً من التاسع من آذار وامتدت على مدى أسبوع شهد العديد من المحاضرات والعروض والمعارض. وتقول وكالة الصحافة الفرنسية إن اليابانيين الذين عايشوا الحرب العالمية الثانية لا يصدقون إن عاصمتهم خرجت من تحت الرماد من جديد وأضحت واحدة من أكبر وأهم مدن العالم بعد أن حوّلتها القنابل الأميركية الحارقة إلى كومة محترقة منذ ستين عاماً. وتنقل الوكالة عن "يوشيكوهاشيموتو" البالغة من العمر 83 عاماً والتي شهدت تلك المحرقة قولها:"لقد ركضت في وسط أتون من النيران، وكنت أحمل ابني الرضيع بين يدي كانت شرارات النار تدخل إلى فمه فأخذت أدخل أصابعي لأنتزع تلك الجمرات الصغيرة الحارقة. ولقد كبر ابني الآن وأصبح مديراً لمصنع في طوكيو، ولدي ثلاثة أبناءٍ وستة أحفاد رزقوا هم أيضاً بأولاد وعادت السعادة لتحل علينا. ولكن ذكريات الحرب ما زالت تسكنني وتعشعش في داخلي".‏

وتضيف هاشيموتو وعيناها تغرورقان بالدموع: "غطت طوكيو سحابة سوداء كثيفة بعد القصف. وبدت الشمس حين أشرقت في صباح ذلك اليوم وكأنها ظهور للقمر في سماء حالكة".‏

أما الفنان (تيرو كانو) الذي نظّم معرضاً لرسوم تمثل تلك المحرقة فقد نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية قوله إنه وجد نفسه وحيداً ليلة القصف عند نهر بالقرب من منزله. وأضاف "ذكريات القصف لا تفارقني أبداً، أقول لنفسي باستمرار إن السلام قد ينتزع منا بشكل مفاجئ وفي أية لحظة‍‍!".‏

طوكيو إذن كانت ضحية حريق لم يبق ولم يذر. الفرق بينها وبين هيروشيما التي كانت ضحية أول قنبلة ذرية تلقى في التاريخ وأختها ناجازاكي التي تلقت القنبلة الثانية هو أن هيروشيما فقدت (140) ألفاً من سكانها في غضون لحظات، وأُزهقت أرواح عدد مماثل في ناجازاكي في غضون لحظات أيضاً. أما طوكيو فقد لزم الأميركيين أن يقضوا ثلاث ساعات من القصف المكثف ليزهقوا أرواح ما يتراوح بين ثمانين ألفاً ومائة ألف من مواطنيها الأبرياء.‏

هل هناك بقعة في الأرض ستسلم من آثار الديمقراطية الأميركية الفذة؟؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244