جريدة الاسبوع الادبي العدد 996 تاريخ 4/3/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

لا.. لن نعود إلى الخيام ـــ خيري الذهبي

الرسام الدانمركي الذي وضع تلك الرسوم السيئة والمسيئة عن رسول الله ( أحمق، بل مجرم هيّج عن قصد أو عن غير قصد كل الحزن المتراكم في الصدور بين ثقافتين تحاولان أن تصلا إلى كلمة سواء فيما بينهما، كما كان الأمر في صدر الإسلام الراشدي، ثم الأموي، حيث كان الإسلام الدين التعددي ربما لأول مرة منذ ظهور الديانات التوحيدية، فمن شروط الإيمان الإسلامي (الديكريتو) أن تؤمن بكتب الله، لا بكتاب الله، بل بكتبه كلها المعروفة منها لنا أو غير المعروف أي مالم يصل إلينا، ومن شروط الإيمان، الإيمان برسل الله، أي ليس برسول الإسلام محمد ( فقط. إلى آخر ما يعرفه المتبحرون بشؤون الإيمان وعلم التوحيد خيراً مني..‏

ونحن في القرن الحادي والعشرين نعمل كمفكرين ومثقفين على ردم الهوة بين حضارتين لم تستطيعا إدارة ظهريهما لبعضهما بعضاً أبداً، فقدكانتا مشتبكتين أبداً منذ فجر التاريخ، وهذا الاشتباك إما أن يكون سلمياً كما حصل في فترات الزهو الحضاري وصمت المدافع، وإما أن يكون حربياً كما حصل في فترات ضعف أحد الطرفين واستقواء الطرف الآخر كما يحصل حالياً في ضعفنا المشين واستكبارهم المهين.‏

ارتكب الرسام الدانمركي حماقة ما أظنها حماقة، ولكنها دراسة الآخر ومعرفة رد فعله، وكان رداً صاخباً سرعان ما غيَّر اللاعب فيه قوانين اللعبة ليرى ردة فعلنا، فأعلنت صحيفة استرالية عن اكتشاف صور جديدة للتعذيب في (أبو غريب) في العراق. ولنلاحظ التحكم بالعولمة القائمة حالياً وخزة في أقصى شمال العالم تلاها تشنج، ووخزة في أقصى جنوب العالم لم يتلها التشنج المطلوب. والمتلاعب به على جانبي العالم هو نحن، بقايا حضارة كانت جميلة معطاء وتحولت إلى ما نرى الآن.‏

ما دفعني إلى كتابة ما تقدم قراءتي لإعلانات على جدران دمشق تقول ما معناه، نجوع بلا طعام، ونعطش بلا شراب،و..... انتبهوا إلى خطورة الإعلان.... ونعود إلى الخيام.‏

أعوذ بالله. ولم نعود إلى الخيام؟ ومتى كنا في الخيام حتى نعود إليها؟ أي فكر أسود غبي متعاون مع عدوه ضد نفسه ذلك الذي أملى على كاتب الإعلان هذه الفكرة: نعود إلى الخيام؟.. ومن...؟ نحن الشاميين، سكان بلاد الشام أول من بنى المدن وعمرها، أول من بنى البيوت، وأقام المعابد والأسواق. نعود إلى الخيام...؟ ومن؟ نحن؟ أول من دجَّن القمح، وابتدع الزراعة ودجَّن الحيوان، وصنع الحضارة، واخترع اللغة. اللغة الآرامية لغة العالم لقرون بلا دولة كأميركا، ولا جيوش كإنكلترا أو فرنسة بل بقوة الثقافة فقط نعود إلى الخيام؟ ومتى كنا في الخيام، ومتى جئنا من الخيام حتى نعود إليها؟ وأية رغبة سوداء انتحارية تدفع قائلها إلى قول هذا؟ أرجو سحب كل هذه الإعلانات المشوهة لأفكار أبنائنا والرامية إلى إعادتنا ولو افتراضياً إلى زمن لم نعرفه، ولم نكنه، ولن نعود إليه.‏

منذ حوالي الربع قرن قرأت مقالاً في الأهرام للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وكان عنوان المقال: "عد إلى بلدك أيها الحجازي"!!!..وكان العنوان خطاباً من مصري متعصب يخاطب أحمد حجازي مفترضاً أنه قادم من الحجاز، فهو يطالبه بالعودة إلى الحجاز مفترضاً أنه قادم من الحجاز، فهو يطالبه بالعودة إلى الحجاز ولماذا؟ لأنه مسلم، و... حجازي. أليس اسمه (حجازي)‏

ومنذ أكثر من ربع قرن قرأت مقالاً لكاتب إسرائيلي هو ميخائيل بارزوهار وفيه يقول: "من الخطأ تسمية العرب أبناء الصحراء فهم آباء الصحراء لأنهم حيثما ذهبوا صنَعوا صحراءهم الخاصة".‏

هذا الكلام العنصري لدى بارزوهار منكر على العرب الشاميين والمصريين والبابليين - العراقيين ما قدموا للحضارة، بل الأحرى هم من بنوا أسس حضارة الإنسان إذا ما أضفنا إليه خطاب المتعصب المصري لأحمد حجازي في طلب عودته إلى الحجاز فهو غريب عن مصر، ثم أضفناهما إلى الإعلان الذي يقول نعود إلى الخيام ألا ترون أن الحماقة لدى بني الإنسان تتضافر؛ وأن علينا أن نعلن للجميع بأنا لم نأت من الخيام، فنحن بناة الجامع الأموي بكل تلاوينه منذ أن كان معبداً لبعل، ومعبد بل في تدمر، ومعبد بعل في بعلبك، وطريق الكباس في الأقصر ونحن بناة الأهرام. نحن لسنا أبناء الصحراء، ولا آباء الصحراء نحن أبناء المدينة، وآباء المدنية بغض النظر عما يرسم لنا الحمقى والموتورون.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244