جريدة الاسبوع الادبي العدد 996 تاريخ 4/3/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

حافظ الأحلام DREAMS KEEPER حين يكون العالم منوطاً بقصّاصيه ـــ جينا سلطان

بين رحلة الأمس ورحلة اليوم تنمحي الفواصل وتختفي الحدود، ضمن أساطير قديمة ألهمت الإنسان الأول أن يتعرف من خلالها المبادئ الأولى للكون.‏

هندي شاب غاضب يسافر، مع جده قصّاص الحكايات، إلى مجلس اجتماع الشيوخ حيث تُبعث الأٍساطير من مرقدها فيحدث التواصل الكوني بين كل الناس.‏

في أثناء الرحلة يتصادم عالمان متباينان: عالم مادي تسوده قوة المال والسلاح، وعالم روحي يتكامل فيه السلام والتوازن. ولأن شعباً من دون قصص كالريح بين حشائش الجاموس"، يبدأ الجد بقصصه اختراق عالم حفيده المادي لإيقاظ كل المكتسبات السمعية والبصرية السابقة. فشباب اليوم هم محاربو الغد أي "حافظو الأحلام"، وتحت اسم الأحلام تنضوي حقائق الكون الموغلة في القدم، والتي تشكل نقاطاً مضيئة، لمن يريد أن يسير على الدرب الأحمر القويم.‏

ولأجل قدسية الأحلام واستمراريتها قدم المؤلف جون فوسكو قصة/رؤيا متكاملة غنية بالتفاصيل الصغيرة التي لا يمكن تجاوزها دون التوقف ملياً عندها، كقصة الحجر الذي حمل ذكرى أب غائب، ودفع ابنه الشاب إلى أن يغدو محارباً يحقق قدره.‏

الحكاية الأساسيةهي قصة "الفتى النسر" الذي سعى وراء رؤيا خاصة تنير له طريقه. وقد تداخلت هذه الأسطورة مع حالة الحفيد واندمجت معها إخراجياً في مواضيع عدة من الفيلم وخاصة حين اندفع لإنقاذ رفاقه من الغرق مخلّصاً نفسه من وزن الشر الذي اقترفه بحقهم سابقاً. وهذا توازى مع مصارعة الفتى النسر للأفعى حاملة القوى الرهيبة، لدرجة أن الاثنين في النهاية لم يعيا فعل المحارب الذي قاما بإنجازه. لعبة المخرج الماهرة دفعتنا إلى أن نتساءل هل الاثنان تناسخ لواحد أم هو فعل تطهّري توافقي؟.‏

من خلال هذه القصة يطرح المؤلف مقولة الفيلم الأساسية عن أحقية الرؤيا وعلاقتها بالمعاناة والشجاعة والعزيمة وارتباطها بالحكمة والقوة اللذين تأتيان من الداخل: "من داخل روح الإنسان، عندما يدرك علاقته بالدائرة العظمى وتوحده مع الكون بكل مافيه من قوى عندما يدرك أنه في مركز الكون توجد قوة أعظم منه، هذه القوة لا يمكن ارتداؤها مثل القميص ولا يمكن حملها مثل السلاح. إنها في داخل المرء".‏

لا توجد في الفيلم بطولة فردية وإن ظهر الجد مع حفيده بشكل أشد كثافة من غيرهم إلا أن الضوء لم يسلط على وجه القصاص العجوز إلا مرة واحدة، ليبقى صوته العميق وهو يسرد حكاياته، يرن طويلاً في نفوسنا. بينما انعكست على وجه الحفيد تداخلات الأزمنة بشكل ساحر أخاذ مؤكدة المرة تلو الأخرى أن الشر موجود فينا كما هو في الآخر. "فالقيوط"-رمز المكر والخداع-قد يكون- "أنا في لحظة ما" و"هو" في اللحظة الأخرى حسب درجة الاستعداد والتلقي.‏

يمكن اعتبار الفيلم بشكل ما رداً على مقولة الهندي الأخير في فيلم "الرقص مع الذئاب" كما أوردها لمحاً مؤلف العمل جون فوسكو. وقد قيل منذ زمن بعيد إن الرجل الأبيض ستعتلي وجهه البهتة وهو يرى أبناءه وبناته يتبنون الأساليب الهندية ليتعلموا مالم يفهمه آباؤهم". فدعوة التواصل الكوني مفتوحة أمام الناس، تبيّنها أسطورة "تيهان" الهندي الأبيض ذي الشعر الأحمر ونظيره المعاصر.‏

والمؤلف لا يطالب بعودة الزمن إلى الوراء بل يدعو إلى التقدم والارتقاء. فالزمن قد تغير حقاً ولكن الناس لا...‏

دائرة التكامل التي يدعو إليها الفيلم تشمل الحيوانات أيضاً، فالقصاص يتوقف لتكريم كل حيوان نافق على الطريق، بينما الكميت الهزيل في أسطورة "البطن القذر" يقود شاباً مسكيناً إلى المجد والترقي أي يخلق منه محارباً. وهذا يقودنا إلى مفهوم الخطأ الذي كرس خطيئة الإنسان فهو برأي العجوز قد حصل حين توقف الإنسان عن الإنصات إلى ذوات الأربع. انتزع نفسه من الدائرة ولم يعد بإمكانه سماع الغراب (يبقي عيناً على المستقبل وأخرى على الماضي).‏

تداخل صور القيوط الغامضة توحي لنا بأن الهزيمة واردة وحتمية فلابد من تقبلها أولاً في النفس ومواجهتها (ابن القصّاص المدمن) لكي يتمكن المهزوم من إيجاد طريقه نحو مركز نفسه منطلقاً من إيمانه بالروح العليا.‏

قضية هامة لفت النظر إليها بقوة المؤلف والمخرج معاً وهي الروح الجماعية، فكلمة أنا والتي تمثل السلطة، لا وجود لها في لغة الهنود الحمر. بل يملكون كلمة نحن، وقد عززت الفكرة بتضحية ابنة الزعيم من أجل قبيلتها. وبقصة الفتاة المطرزة وإخوتها السبعة والتي تعكسها لنا السماء دوماً مذكرة أنهم دائماً موجودون لمساندتنا، فقط إن نظرنا وأنصتنا، فالإجابات موجودة منذ الأزل والمساعدة كذلك، فلا يتبقى إلا السعي وتقبل الغفران.‏

قام المخرج ستيف بارون بنقل هذه الأساطير بطريقة ساحرة تستولي على النفس وتوصل أفكارها الضخمة بتلقائية أخّاذة. وخاصة أسطورة عابرة المياه وروح الرعد التي التقى من خلالها عالمان مختلفان، ما كانا ليوجدا أصلاً إلا من خلال أسطورة كهذه. وهذا يؤكد استمرار الأسطورة من خلال القيمة المبنية عليها. فالحفيد حين يموت جده يخلفه في قص الحكايات ومع أن الطريق الأحمر يزداد وعورة هذه الأيام كما يقول المؤلف من خلال الجد فإن إكمال المسيرة عبر تناقل الحكايات بأسلوبها الساحر نفسه قد يساعد على أن يجد كل منا رؤاه الخاصة لتساعده على تحقيق دربه، وفي رسم مساره الخاص ضمن النظام الكوني الكلي.‏

وحين يكمل الحفيد القصة التي لم يتمكن الجد من إنهائها يغدو الافتتان واحداً،وتتخذ الأسطورة مجدداً بعدها المهيمن على النفس بما فيها من جمالية محببة للقلب وإيقاع داخلي يوحد بين النفوس ويدعوها إلى السلام الداخلي المتوازن.‏

وفي هذا يتجلى أجمل رد على صناع الرقص مع الذئاب ومشروعهم حول الهندي الأخير.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244