|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
يوم أن مات ضمير قريتنا ـــ محمد باقي محمد صباحاً كان الوقت، ناعماً كخد أسيل، ندياً كدمعة فيوضها خير، كانت الأرض تتقهقر إلى الوراء، فيما العربة السيارة تنهب الدرب نحو القرية، فتتوالى المشاهد سراعاً، وتغيب، التربة المفلوحة الحمراء ككبد ثور علامة الخصب، مفارق الطرق المضرّسة بالصرّ والقندريس الواخز، والصخور العنيدة، المصرة على تحدّي عاديات الزمن. هل أقول إن النفس كانت محايدة في مشاعرها! أميل إلى الرضى. ربما كان هذا هو الحال على وجه التحديد! ولكن... وفجأة... باغتتني الثلة المجتمعة على كتف التلة الوادعة، التي تكوّرت كما أم رؤوم على رفات أهلينا الذين غادروا، فانحرفت النفس عن حيادها نحو سياقات الدهشة أولاً، وكان السؤال؛ أنْ مهد!؟ ثمة إذن حسّ جديد بالفقد، عزيز آخر كبير أو صغير سيغيب وإلى الأبد! ومالت السيارة ليتوقف عند أقدام التلة! لا... إنّها سارة! هل هجست –من غير أن أشعر- وأخيراً!؟ ثمّ شرعت كآبة مبهمة تتغلغل في ثنايا النفس.. تغلغل لون داكن في كأس ماء! ألف سؤال هاجَسَ النفس طويلاً: ألف مشهد! وربما ألف ألف ذكرى كانت المخيلة قد اختزنتها في متاريسها العميقات! سارة! المرأة الوحيدة، المتوشحة بغربتها النفسية، والتي هجرها زوجها يوماً ما، يبدو موغلاً في القدم، فما عادت الذاكرة تنجح في استحضاره، ومن غير أن يسطّر الأسباب! المرأة التي انضوت على طيبة متأصلة، زادها التوحّد ألقاً، فكانت عوناً للجميع! إذْ هاهي تجلب الماء من البئر لسعيد السيد، بقصد إرواء خلطة التراب والتبن، فيخفف الطين، ويلثغ بالندي، منزلاً دافئاً محمياً من حماقات الشتاء الأرعن، أو تركض بغربالها لتساعد محمد السليمان في فرز بذاره عن الشوائب، تمهيداً لإهداء حنطته عروساً محفوفة بالعطاء إلى الأرض المعطاء، وقد يكون ثمة ذبيحة تحتاج فيها أم فرهاد! إلى من يقطعّها معها، يملحّها، ويحفظها لأيام الشتاء الباردة والشحيحة، أو قطيع غنم عضّه الجوع أو أمضّه العطش، فمن غير سارة لمساعدة خضر حاج أحمد أو زوجته!! ومن غيرها لغداءات المآتم المضنية، أو عشاءات الأفراح المتماهية بطهور طفل، أو زفاف فتاة! ومن غيرها.. ومن غيرها..! أمّا أن تمرض سارة طويلاً، وتناديها الأرض على مهل واشتياق، أن يحلّ زهد الشيخوخة في الخلايا، وأن تُقعد في غرفة معتمة كئيبة، ربّما لأنّها ليست مُليصّة كما ينبغي إلى جانب أنها لم تكن –أصلاً- مُبّيضة بالكلس، أو مزنّرة بالنيلة الزرقاء، وأن يكون بابها مطلاً على صالة داخلية خربة، فلا تسمح لها –حتى-برؤية زرقة السماء نهاراً، وسواده المثّقب بالنجوم ليلاً! وأن يضعف سمعها، فلا تكاد تسمع، أن يهن فيها العظم، فيمنعها من النهوض، ويكلّ البصر، فلا تميّز الأشياء بشكل جيد، أن تنام على متاع رث، لا يعادله إلا ثيابها الأكثر رثاثة، ثم فوق هذا وذاك ينساها الجميع تدريجياً، وتقضي على هذه الحال من الوحدة، مع ذاكرة تلوب عن المورق من الأخيلة والندى، سنوات سبع، من غير أن تجد أنيساً في نهاراتها الطويلة، ولياليها الأكثر طولاً، أن تتوق إلى كل ماهو إنساني في القرية، همسة ربما، أو "صباح الخير"، أو ربما "كيف الحال"، ويعزّ!. فلقد كان هذا –في وهمي- كثيراً! زرتها مرات، لا لأنني كنت كائناً بشرياً حساساً، بل لأن أمي –هذه المرأة الرائعة –كانت تريد ذلك، مصطحبة معها شيئاً من طري الطعام والفاكهة! كانت الحياة بمعاناتها –التي تنضوي على كثير زيف- ومغرياتها قد سرقتني، كما سرقت أهل القرية. فلِمَ لَمْ تكثري من رغبتك تلك أي أماه، إذْ ربّما تذكرنا –آنئذٍ- أننا بشر.. أننا محكومون بالتواصل والتراحم والأمل! وها أنا أقرّ أمامكم بأنني دعيّ كتابة، ذلك أن الكتابة فعل ممارسة، لا فعل تعبير، فعل تغيير، لا فعل تفسير مجرد! فأنتم لن تصدقوا أن الأفعى التي كانت تعيش مع سارة في الدار كانت أكثر رحمة منا، فلم تقربها بأذى! ولن تتعجبوا إذا أنبأتكم بأن العقارب التي كان البيت –إذا جاز لنا أن نعتبره بيتاً-يعج بها، كانت تترفع بنفسها عن إيذاء كائن بشري بهذا الضعف والهشاشة! وما كانت العناكب أو السحالي أقل "شهامة". أمامكم –إذن- وأمام التاريخ، أعلن أن ضمير قريتنا مات، يوم أن ماتت سارة، وربما قبل ذلك بكثير!. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |