|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
محيي الدين صبحي والموت اللذيذ ـــ غادة الأحمد يشق عليَّ أن تمرَّ الذكرى الثالثة لرحيل الناقد الكبير محيي الدين صبحي دون ذكر له على أية صفحة من جريدة أو مجلة سورية أو عربية. ذلك مصير لا أظن أن كاتباً أو مثقفاً لا يشفق على نفسه من أن يلقاه وهذه جريرة لا أحسب أن مثقفاً أو كاتباً لا يخشى من أن يكون، من حيث لا يعلم ولا يحتسب، شريكاً فيها. شق علي لدرجة الخوف أن يغيب الكاتب والمثقف عن السمع والبال ما إن يختفي عن العين، كأن للأثر ولصانع الأثر وجوداً جسمانياً وحسب، وحين يغيب جسم الأثر أو صانعه لا يعود له وجود؛ ذلك أننا عندئذ قد نسأل أنفسنا عن حقيقة ما نسميه ثقافة وما نحسبهم صانعيها. قد يخطر لنا أننا لا نريد حقاً ثقافة، وأن الثقافة في واقع الأمر من بعض اجتماعياتنا. وأننا إذا وفيناها ما تستحقه من لياقة افترقنا عنها وافترقت عنا إلى لا معاد. حين مات محيي الدين صبحي مات مكلوماً مهدوداً ولم يجد سوى قليلين ليقيلوا عثرته، وفقد العزاء في الغالب واعتزل وانعزل. فليس للكآبة كما نعلم حلفاء، وليس للبؤس صديق. تلك بالتأكيد لوحة مظلمة قاتمة لكنها ليست فريدة ولا استثنائية. فالنسيان لف ذكر حافظ الجمالي، وفارس زرزور، وكثيرين غيرهما ممن شكلوا المشهد الثقافي السوري على مدى سنوات طوال، وإنه لمن المحزن أن تكون نهاية أديب وناقد كبير مثل محيي الدين صبحي خبراً في جريدة ثم حفل تأبين في مؤسسة، على الرغم كل السجال والنزال والكتابة العاصفة والقتال على أكثر من جبهة، فهو لا يشبه فقط محارباً توسد الموت في فراشه، لكنه يشبه حياتنا على أكمل وجه. كان محيي الدين صبحي منازلاً، وكان من قلة يملكون وجهة نظر ورؤية في نقدنا وثقافتنا، ثم إن جرأته وجسارته حقيقيتان. لقد اشتغل محيي الدين صبحي في ميدان الفكر والثقافة والنقد، لكن المحور الرئيس في حياته الثقافية، كان اهتمامه بالنقد، وفي هذا ألف كثيراً وترجم الكثير، وتوزعت مؤلفاته النقدية بين القديم والجديد في نقد الأدب والأدباء، ومنها (دراسات تحليلية في الشعر العربي المعاصر، 1972)، و(دراسات ضد الواقعية في الأدب العربي، 1980)، و(دراسات كلاسيكية في الأدب العربي، 1980)، و(شعر الحقيقة: دراسة في نتاج معين بسيسو، 1982)، و(الرياء في شعر البياتي، 1986)، و(نظرية الشعر العربي من خلال نقد المتنبي في القرن الرابع الهجري، 1981)، و(د.إحسان عباس والنقد الأدبي، 1983)، و(قصائد رؤيوية من العصر الحديث إلى الجاهلية، 1988). وبين مترجماته التي صارت مرجعاً لكل باحث أدبي: (نظرية الأدب والنقد الأدبي تاريخاً موجزاً، 1973). وأهمية مؤلفاته في النقد، لا تقل من أهمية عن مؤلفاته في الجانب الفكري، ومن بينها (ملامح الشخصية العربية 1978، و(الأدب والموقف القومي، 1976)، و(الأمة المشلولة كتابه الأخير عام 2000). وما كتبه محيي الدين صبحي قبل رحيله في "وقفة مع الموت" نتذكره في قوله: (كثيرون تمنوا الموت بعد عام 1967، وكانوا بعيدي النظر إلى درجة بعيدة على اعتبار أننا لا نزال إلى اليوم نسدد فواتير تلك الهزيمة، وقد استشهد الصديق غسان كنفاني الكاتب المبدع عام (1972) فوفر على نفسه رؤية الكوارث العربية من 1972 إلى اليوم، وهذا مثال على الانحدار العربي الذي يجعل الموت محبباً مهما بعد العهد به)، وقال: (إن سقوط العراق كارثة أكبر من نكبة فلسطين، لأن العراق يمكن أن يستعيد فلسطين بما يملك من موارد ورجال وموقع، بينما لا تستطيع فلسطين أن تستعيد العراق، من هذا المنظور نرى عمق الجرح الذي أصاب الجسم العربي، فضلاً عما يحمل الاحتلال من إهانة للأمة بتاريخها وجغرافيتها وكينونتها) وأضاف: "أخشى أن أقول إن هذا هو زمن الموت اللذيذ، لا بين أحضان الغواني بل وسط ساحات الوغى. فلا ألذ من أن يستشهد الإنسان وسط الجنود الغزاة ووسط الصهاينة الأعداء". محيي الدين صبحي في تجربته الحياتية وفي نتاجه الثقافي والمعرفي كان نموذجاً للمثقف العربي الذي حاول الخروج من إسار التخلف والتمزق العربي إلى فضاءات التقدم والوحدة، ومثل كثير من المثقفين العرب، أصابته تطورات الواقع العربي السلبية بإحباطات، دفعته إلى الانكفاء، والعزلة وصولاً إلى الموت بعد سقوط بغداد مباشرة. السلام على روح الناقد الكبير محيي الدين صبحي في ذكراه الثالثة التي تنتظر منّا رد الجميل.... وسلام علينا نحن الأحياء الأموات. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |