جريدة الاسبوع الادبي العدد 997 تاريخ 11/3/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

نظام معرفي للفوضى العالمية ـــ د.فايز عز الدين

على مدى ما عُرف من التاريخ نهضت قوى عظمى بمقاييس عصرها، زامنت قوى مماثلة، أو انفردت بحالة القوى الأقوى بما تملكه من العوامل الاقتصادية، والحربية التي تستطيع بها أن تخضع لسيطرتها من تشاء. و حين تستند عوامل بناء القوة في المجتمع، والدولة على رموز تأسيسيّة مهيئّة، فلابد –والحالة هذه- من أن يكون للعقل النظري بما يقدمه من فكر صانع، ومؤسس، ومن أطر حضارية بانية ميزة الدور الأهم في الوصول إلى علاقة متطابقة بين الفكر، والواقع الذي يشتغل عليه.‏

وبواسطة العقل النظري السليم تشهد الوقائع المرسومة في الاستراتيجيات المحلية، أو الكونية (الكوسمو استراتيجية) علاقات تفاعلية بين المفاهيم المختارة، وتعييناتها على صعيد الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية. تلك العلاقات التي تشكل المحور الناظم لحركة الكلي، والجزئي بالآن نفسه، كما تساعد على فهم حقائق الطبيعة المتشابكة، والمتداخلة، والمتقلبة للأمم بمجتمعاتها، وثقافاتها إذا لم نقل للأمة المخصوصة وحسب.‏

وبالعقل، والعقل السياسي تخصيصاً تصل الأمة إلى خطابها الصحيح على كل مستوى من المستويات، أو في علائقها مع المجتمع الدولي بمؤسساته، وقوامه، ونظمه، وقوانينه. وقد كان العقل الذي نعنيه خشبة الخلاص لكافة الأمم على عراقة التاريخ الواعي للبشرية، فيه وحسب قامت حضارات الأمم المختلفة، من حضارات ما بين النهرين، ومصر للعرب، ومن ثم حضارات الإغريق، ثم الرومان، ثم من توالى بعدهم في سلم التطور البشري.‏

وفي الحال الذي نتقصد فيه العقل حضوره أم غيابه، ونحن نناقش الشكل السياسي للاستراتيجية الكونية الأمريكية وخاصة بعد أعقد فترة حضور لها في أعقاب احتلال العراق ومافيه من تطلع استراتيجي أمريكي نحو احتلالات أخرى أهمها: احتلال منظومة الشرعية الدولية الراهنة، واحتلال إرادة الرفض الدولية لهذا الاستكبار الأمريكي المتغطرس، واحتلال مصائر الأمم عبر اختراق سياداتها، وسحق هوياتها التاريخية، وبالتالي احتلال آفاقية الحاضر، والمستقبل لتتوجه –فقط-في خدمة الحضارة الأمريكية ذات النزوع الهيمني الإمبراطوري.‏

إن أي معيار نعاير به المشهد الكوني الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية سيعطينا نتائجه وفق المقاربات التالية: الأولى أن أميركا عبر إدارتها الحالية لا تنطلق من مصالح شعبها، والأمة عموماً بمقدار ما تساق الأهداف التي يخطط لها بيت المال الصهيوني، واللوبي المستحكم اليوم في عنق الإدارة الأمريكية، ومنه القادة الصقور في قمة هرم الإدارة الحالية لبوش الابن..‏

والثانية أن استهدافات السياسة الاستراتيجية للإدارة الحالية تنتمي إلى المنطق اللا عقلي أكثر مما تنتمي لمنطق العقل وخاصة أنها تبادر إلى التلويح بالاستخدام الجائر للقوة، وتجعل الخطاب الحربي في رأس علاجها لاستراتيجياتها الكونية، بدلاً من أن تكون لديها قوة العقل المتحضر رأس كل علاج.‏

والثالثة أن أميركا تملك أقوى قوة تحققت على الأرض كما يدّعي صانع القرار الاستراتيجي في أميركا فمطلوب منها أن تعي حدود قوتها، وأن تسخر هذه القوة في خير البشرية لاستتباب الأمن الدولي، ودفع شرور الحروب، والتخفيف من حدة الانقسام الاجتماعي بين فقراء، وأثرياء، وكذلك التخفيف من الفجوة التنموية، التطورية بين شمال الأرض، وجنوبها، أو بين صنّاع التكنولوجيا، ومستورديها، وأن لا تُبقي سكان العالم في مشكلات تدهور البيئة، والتنوع الحيوي، والتوازن الطبيعي في كل مجال.‏

والرابعة أن أميركا حين تصرّ على أنه قد تحققت فيها حضارة للإنغلو ساكسن تصبح بمبادئ دستورها، وقيم نظامها الليبرالي أنموذجاً يماثل إيديولوجية كونية محررة لشعوب الأرض، وبثقة تفصح أميركا عن أن مبادئ دستورها حين استفادت منها ألمانيا، وإيطاليا، واليابان بعد الحرب العالمية الثانية 1939-1945 قد تحولت إلى أفضل نماذج للديمقراطية الأوربية. وفي وثيقة الأمن القومي المعلن عنها في 20/9/2002 اعتبر الرئيس بوش الابن أن العالم المعاصر سيبقى رهينة للتطرف، والتعصب، وعدم التسامح مالم يأخذ بالقيم الأمريكية التي تمثل الخلق الحر الكوني، فإذا كانت هذه هي القيم الأمريكية المعلن عنها لماذا تمارس أميركا سياساتها الاستراتيجية بالمسكوت عنه لتصبح أقرب للفاشية الشارونية منها للعدل الدولي والظهور بمظهر الحكم النزيه؟!!..‏

إن عالمنا المعاصر قد شهد تطورات مذهلة في حقول العلوم، والتكنولوجيا، والتقانة والمعلوماتية وقد تحرّضت بذلك البنى الأبستمولوجية (المعرفية)، وتحرك العقل الموضوعي الذي كان المهماز الأساس لمرحلة الحداثة ليتحول إلى عقل وسائلي تستخدمه شركات الإنتاج الاستهلاكي، والموضة، والفانتازيا بغايات كبرى تنصبُّ جميعها على غسل الدماغ الأممي من مفاهيم متعددة تختص جميعها: بالدولة، والهوية، والثقافة، والخصوصية والسيادة، والعقل النظري للمجتمع المعني. كل ذلك تمهيداً لدخول المرحلة البشرية العولمية القادمة مع الاجتياح الأمريكي لخارطة العالم، وبنيّة إعادة تشكيل العالم وفق منظورات الهيمنة الإمبراطورية لأمريكا في القرن الحادي والعشرين على الأقل.‏

ولو تذاكرنا بالسجال الدولي الذي تمّ في زمن المتغيرات الدولية قبيل العقد الأخير من القرن الماضي سنجد أن أميركا باسم نظامها الليبرالي الذي بلغ شأواً بالغاً في التطور لصالح الإنسان في ديمقراطيته، وحقوقه الأساسية، وعيشه، قد هاجمت نظام الواحدية الحزبية، والإيديولوجية، وهاجمت نظم الدولة الشمولية، وقاومت المركزية، والانتظام الفوقي، وأوامرية الإدارة البيروقراطية، وهانحن نراها اليوم تُهيِّئ في استراتيجيتها الكونية لنشر نظامها ومركزيتها، وتدعو إلى شمولية أوامرية تجسّد فيها كافة صور الهيمنة حتى على أبسط قواعد النظام الدولي الراهن، وقوانينه وتقاليده، وأعرافه بدون أي احترام لأية إرادة قومية، أو أممية، أو مؤسساتية فهل كل ما اتفق عليه في النظام الدولي الراهن قد فقد شرعيته، ومشروعه في الكوسمواستراتيجية لأمريكا الإدارة الراهنة؟!!‏

قيل إن محطات التحول، أو الانتقال من نظام الحداثة الغربي إلى مابعدها قد تناولت العقل لتغيّر من وظائفه، ولتصبح العقلانية محيّدة عن حركة الفعل التاريخي في مفاهيمها الكلية، والجزئية، وعليه فلا تُستدعى إلى نظام الحياة مفاهيم: المركزية، والانتظام، والاتساق لتحل محلها مفاهيم: العلل الجزئية والتشظي، والفوضى (Chaos) وما يتصل بالجوازات التصوريّة، كل ذلك باستهداف سقوط التقيّد بالعقل النظري السليم، ومآلات تطور الإنسان في هذا العصر، وكل عصر قادم.‏

وحين نتفحص في جوهر هذه الغايات سنجد أن الليبرالية التحكمية الأمريكية عازمة على استبدال نظام العقل السياسي الكلي، الموضوعي، الإنساني، الثابت على الحقوق التاريخية، بنظام يتمسك بالبحث عما ليس ثابتاً وفيه دعوة للتشظي، والانقسام فالنظام الكلي الدولي آلية مقاومة للكوسمو استراتيجية لأمريكا ولابدّ لترويج المشروع التفكيكي الدولي لأمريكا الإمبراطورية من نظام جديد للعقل الدولي يقوم على اللا عقلانية في الفكر، والواقع تكريساً للخلخلة المطلوبة في الوعي، والوجدان القوميين، والعواطف.‏

وبمنطق العمل المنظومي ترغب أميركا في استراتيجياتها الكونيّة أن تؤكد على سقوط الثوابت، وتعتبرها من منظومة عقل الماضي، ومن ثم الدخول في اعتبارات منظومة دينامية قابلة للتغيير اللا متوازن، كي لا تخضع لأي حساب عقلي متواتر، ودقيق، وتجد في مثل هذا الاتجاه قانونيات التغيّر الجديدة التي تطلبها.‏

ولو اختبرنا مثل هذه النوايا –في العقل الخاص لأمريكا القطب الوحيد المهيمن-سنجد أنها الطريقة الوحيدة لها في خلق نظام معرفي جديد للعقل الدولي أهم مافيه هو التوجه نحو متغيرات لا تنضبط في قانون المنطق، أي لها منطقها المخالف للمنطق العقلي المنسجم مع مصالح الأمم، والإنسانية المعاصرة.‏

والخلفية النظرية لإنصباب العقل الأمريكي في استراتيجياته الكونية على هذا النحو نمثل لها بما يلي: إن نظام الفوضى العالمية الذي خططت له أميركا، وتنفذه، وهاهي تجلياته في العراق حيّة على الأرض له منظوره الفلسفي لديها على أساس أن الفوضى تبقى نظاماً غير خاضع لحركة محددة... فالمنطقي مع ماهو مُشكلَنٌ ينصبُّ على أشكال منطقية، وماهو غير قابل للشكلنة لا يدخل في المجال التجريبي، كونه يستعصي على التجربة، وهذا المجال الاستحالي لابد أن يكون جزءاً من الفوضى الكونية، فالفوضى الكونية المقصودة مؤسسة على نظام، ولا نظام أي نظام اللا نظام بنسب مختلفة تتواتر بأسلوب خاص، وتدرس عن طريق الاحتمالات.‏

وما نراه في البنية المقصودة للسياسة الدولية لأمريكا أنها تريد، وتخطط، وتضع الأجندة كافة لنظام من الفوضى العالمية، لكي يدخل العالم منظومة اللاّدولتية، والفوضى، والتشظي تحقيقاً لعصر التفتت الذي ترسم له، وهذا هو جوهر في العقل الفلسفي السياسي للقطب الوحيد المهيمن.‏

فإذا كانت تحولات العقل السياسي لأمريكا تريد أن تنقل أمم الأرض، ودولها إلى نظام من الفوضى قائم على منظومات التغيير اللا متوازن كي يدخل الكون في أهم مراحل تفككه، ليعاد تشكيله وفقاً للجيوبوليتكا الأمريكية فما هي أجندتنا العقلية نحن العرب؟؟.. هل لدينا التأمل المطلوب ليكون بإمكاننا أن نجد الرد المطلوب؟؟ إنهم يخططون لكل ظاهرة، ويجتهدون حتى يخلقوا لها عناصر تحققها على أرض الواقع، فهل نحن على يقظة، أم أننا غافلون في البرهة التاريخية الأخطر؟؟‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244