جريدة الاسبوع الادبي العدد 997 تاريخ 11/3/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

رؤية نقدية في محنة التراث الآخر ـــ محمد علي سرحان

"رؤية ابن خلدون في أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ومغالطات المؤرخين في الوقائع والحكايات ليست مجرد نقل تسجيلي أصم".‏

يبدو الطريق إلى دراسة التراث والثقافة مهمة ليست سهلة وتحديداً حينما يفاجأ المثقف العربي بالكم الكبير الذي يقتحم معترك الموضوع من قبل تيارات علمانية وإيديولوجية ودينية تتنافس على كسب الرهان في سباق مع الزمن، ويغري الباحث المغربي السيد إدريس هاني بأن صورة الصراع في هذه التيارات اكتملت خارج حقل التراث أساساً وهي حينما اقتحمته لم تكن تطمح إلى أكثر من كسب جولة في مسلسل التباري الثقافي وإثبات الذات، والقضية أساساً تفرض نفسها على عالمنا العربي والإسلامي بمنظومتها الفكرية والقيمية يختلف فيها البحث ومصادر البحث، السيد والمفكر صاحب سلسلة كتب "مابعد الرشديّة" و"العرب والغرب" وغيرهما من أعمال فكرية وثقافية قيمة غير معروفة بشكل كامل في المشرق العربي رغم أنه من المفكرين الشباب المتنورين في عالم السياسة والثقافة والفلسفة العربية ليس الفرق بينه وبين أبو يعرب المرزوقي التونسي سوى خيوط شفافة في دراسة التراث العربي والتأريخ للحقبة المعاصرة من منظور ديني تنويري لا نجد فيه صبغة التعصب والجمود بل صبغة الانفتاح على الآخر برؤية واقعية ونقدية، حديث إدريس على أطروحة حسين مروة شيخ الأدباء والمفكرين العرب وفيلسوف النزعات المادية في الإسلام، يؤكده بطبيعة الحال على إنها مغامرة مبكرة، ومهمة شاقة وصعبة على صعيد القراءة الشمولية للتراث بعد تناول كافة جوانبه واعتمدت آليات التداخل في مكوناته المعرفية والفلسفية والاجتماعية والتاريخية كانت قد أطرَّت رؤيتها ضمن المنظور المادي الجدلي، التي كان لها دوراً مميزاً للانفتاح الفكري على تاريخ البؤساء والمحرومين والنزعات الاجتماعية والاقتصادية التي ظلت قابعة على هامش الأسطورة –الخرافية العربية لوقت مديد من الزمن والتمسك بالماضي وعدم اقتفاء المستقبل.‏

يستعرض الباحث في (محنة التراث الآخر) العديد من الآراء لحسن حنفي ودوره في إعادة قراءة التراث العربي على قاعدة الاختيار الذاتي والخصوصية العربية والإسلامية انطلاقاً من تراثنا العقلاني حيث تمثل (مدرسة المعتزلة) أوج هذه العقلانية رغم ملامح الإيديولوجية التلفيقية التي بمقدار ما تحرص على صياغة رؤية إيجابية وثورية للتراث، فإنها تتساهل في نقدها للتراث الذي قدمته مدرسة المعتزلة، ومن روادها (الجاحظ) إذ هنالك تباعد نقدي في دراسة عينات التراث وتياراته.‏

كما يتطرق إلى مشروع الجابري فهو على الرغم من سعة معالجته يمثل تجربة نقدية لا تمثل بأي حال الرؤية الجذرية النقدية للتراث وهي توظيف أبستمولوجي على سبيل صياغة رؤية نقدية ضمن هواجس معرفية وآلية مشروع الجابري غامضة وتوليفية تتقاطع عندها المناهج والمخططات الأيديولوجية كاتجاه ماركسي تأويلي وخطابات الحداثة والسلفية تسوقنا إلى نتيجة هامة لمشروع أيديولوجي يهيمن عليه فكر سياسي وتطغى عليه رؤية سلطوية في تلك الشواهد تعتبر خيارات بارزة على صعيد التفكير العربي المعاصر، وهي في مأزق تجزيئي، وتشطيري مفصلة حسب متوالية هندسية قلما نجد فيها نقد جذري للتراث ولا تفسح المجال للتراث الآخر.‏

وحسب التداخل الثقافي والمعرفي وتكامل التراث مع النقد حيث يصر د.طه عبد الرحمن على عدم الاهتمام لمقاربة الجانب السياسي والاجتماعي في ضوء تداخل مع الثقافة والتراث أو مع النقد فإن ذلك بمجمله غير ذي مصداقية. وشرط المعايشة والاستئناس بمعطيات التراث الآخر من أجل إنجاز فهم مشروع التراث أساسه البعد التاريخي لمظاهره الأساسيّة، واعتماد منظومة الأفكار المؤسسة للتراث الآخر وملابساته كمعطيات ولتكوين صياغة متكاملة للتراث علينا الانطلاق من التراث الآخر وليس تهويل التراث مقابل خطاب الحداثة بل تهوين التراث أمام منجزاته، وهنالك موروث يبرز النزعات العقلانية في خطاب الحداثة ولأن الحديث عن محنة التراث الآخر تقتضي عادة إعادة النظر في المعطيات التاريخية، وبكيفية نقد الخطاب التاريخي العربي: [الكتابة التاريخية كما هي في الواقع]، وبالتالي: [علم الكلام واللسان] والأهم من ذلك يجري في سياقه هو مجال [الحكمة والعقل]، حيث برأي الكاتب المغربي بان الدور الأبرز يظهر في فلسفة المدرسة الإمامية وقد كان الاختيار لمصطلح [الحكمة] أمراً مقصوداً إذ ثمة ما يميز بين الفلسفة (Philosophie) والحكمة (Theosolophie) فالاشتغال الفلسفي عند الإمامية ظل مجالاً لتقاطع ثلاث تيارات:‏

1-التيار الأول: المشائية.‏

2-التيار الثاني: الإشراقية.‏

3-التيار الثالث: مقتضيات الموروث الإمامي بأصالته.‏

وهي بالأساس فلسفة تبحث في علم متكامل بالروحانيات، والفلسفة الإلهية، ولعل الفيلسوف الشيرازي عد صدر الروحانيات والفلسفة الإلهية وهنالك أشكال انطولوجيا في فلسفته إضافة لأبحاث إشراقية عند شهاب الدين السَّهروردي لتكتمل عند للباحث والمثقف الصورة المشرقة لنموذجين من الفلسفة الإمامية، وهنالك تغييب كامل أو شبه كامل لفلسفتهما رغم أن (هنري كوربان) بهذا الخصوص إضافة لمدرسة (الحكمة) التي تزعمها أحمد بن زين الدين الأحسائي) في كتابه "محنة التراث الآخر ينقلنا السيد المفكر في الفصل الأول إلى محاولات جادة لنقد الخطاب التاريخي العربي، لأننا ندرك تمام الإدراك أن الأحداث التاريخية تعرض في كليتها، فهل تلك الكلية للعرض من حقائق التاريخ أم من صياغات المؤلفين؟!.‏

إذ نحن دائماً حسب –جيل جاستون- أمام تاريخ يؤدي دوراً أيديولوجياً؟! ص19.‏

لذا فإن الخطاب التاريخي العربي يشكو أكثر من أي قطاع معرفي آخر من شدة الفقر العلمي على أن التطور العلمي والبحث العلمي ومناهج التفكير العلمي المعاصر تجد فيها ابتكارات مذهلة في مجال البحث التاريخي فبعد قرون عديدة لنستوخي للمؤرخ العلمية والمقدرة على ضبط تفسير حقيقي لما يجري في الماضي، إذ لا نجد أمة دونت شعرها وأدبها وخطابها مثل الأمة العربية، وهم مشدودون ومتماهون في تاريخهم البعيد حتى الآن؟!.‏

فإن كان هيردوت أو ابن خلدون، قرأا الأحداث وفق الخيال الذي تسمح به بيئتهما التاريخية فإنَّ أرلوند توينبي لم يفعل أكثر من قراءة الماضي بعقلية معاصرة جداً.‏

ويلاحظ هنا بأن المحاولات الفلسفية –المثالية- التي بدأت من كانط إلى هيغل لم تأت بشيء غير أنها عكست طموح هؤلاء لتحقيق رؤية معينة عن العالم والحياة والتاريخ، بنوع من الاستقراءات لمناهج بحثية محددة كأن التاريخ من وجهة نظر هيغل ليس سوى تجلي الروح في حقبة معينة، فكل ماهو واقعي هو عقلي بالضرورة وانعكاس للروح في المطلق، وإذ يعتبر هذا المنطق استقالة الفكرة التاريخي، باعتبار أن الزمن يظل ممسرحاً تجري عليه حياة البشر، بعنف التاريخ وقسوته وربما تتجلى فيه عوامل المكر والخداع، إن علاقة الواقع بالفكر عند هيغل تثير مشكلة خطيرة، إذ لا يمكننا بناء العمران والكنائس والمباني بالفكر وحده أو بالفلسفة وحدها دون أن يكون هنالك قوة عاملة وإرادة هندسية تستطيع أن تؤسس لواقع معين، بينما ذلك لا يمكن في الواقع –الطبيعي- فكل ماهو خارج عن الإرادة الهندسية للبشر، الأشجار، الحيوان، الجبال، النجوم الخ.. لا يمكن للعقل البشري أن يبني جزءاً يسيراً منها بل يمكنه اكتشافها وفق قوانينها هي: وكذا التاريخ يمكن أن نكتشفه ولكن بقوانينه هو، وليس بقوانين ورغبات البشر على أي حال.‏

إن الصراع الحقيقي بطابعه السلمي أو الدموي الذي يجري الآن بيننا وبين الآخر هو صراع على ميدان المعرفة والعلم والخيرات واستطاع العقل العلمي المعاصر حشد كل طاقاته وإمكانياته بهدف لا يخرج عن نطاق الصراع الحقيقي الدائر فالنسبية بمنطوقها الفلسفي تشكل إلى حدود معينة معادلة لكنها لا تلغي اليقين، أو طرفي المعادلة والشك والسؤال في ميدان المعرفة والعلوم المتعددة هل يمكننا الظفر بمعطيات دقيقة عن التاريخ أو المستقبل هذا ما تذهب إليه المادية التاريخية؟ بينما المذهب المثالي التاريخي له رؤاه الخاصة كمذكرات يتسلى بها الأمراء والملوك في القرون الوسطى والعرب كانوا ولا يزالون يميزون بين التاريخ والأسطورة أي بين علم الواقع، أو علم الحقائق وبين الرؤية الفلسفية المثالية التأملية لا في زمان ولا في مكان بينما الآخر استطاع عبر العلم والتكنولوجيا أن يكتشف عبر (فويجر) أو محطة (مير) فلسفة علمية تحدد معالم كثيرة من التاريخ والمستقبل البشري، ولعل العرب المسلمون معنيون بالحياة أنقياء، وكانوا أناساً متحمسين للفكر والمعرفة والفلسفة والأدب إذ تتطلب الديانة الإسلامية من الناس أن يفهموا القرآن ليس من أجل أنفسهم فحسب بل من أجل فهم ما حولهم بعقل ورؤية صافية لأن المعرفة والقراءة والكتابة كانت بعيد الإسلام منتشرة بفضل القرآن حيث لقن الوحي سنن الله (ولن تجد لسنة الله تبديلاً) وسنن الإسلام واضحة (القراءة والعلم واليقين والفراسة) بينما على عكس الكنيسة الرومانية التي منعت عامة الشعب من (قراءة الإنجيل) فكان مقتصراً على رجال الدين فقط فهم وحدهم المطلوب منهم قراءته على الناس من على منابرهم وما على الناس إلا الترديد آمين، آمين، والوضع الآن بعد امتلاك المعرفة ووسائلها صار العلم والمعرفة والقراءة ملك للجميع وهنا تكمن أهمية انتشار معارف الأمم وتطور العلوم وبالأخص علم اللغات والاتصالات لقد كان التاريخ والمعرفة حقاً صناعة عربية تميز بها العرب وتميزت بها بلادهم طيلة مئات من السنين وكانوا حضاريين بالتواصل مع الآخر بينما كان السحر والكيمياء من مستلزمات تاريخ الشعوب الأخرى وأساطيرهم تميز العرب برؤياهم المبدعة بين التاريخ الحقيقي والأسطورة وفرقوا بين الواقع والخيال حتى أن السفارة العربية كانت متطورة بقوانينها وعاداتها وتقاليدها أكثر مما كانت عند الآخر الذي استفاد منها كل الفائدة فيما بعد.‏

ابن خلدون أحد أهم مؤسسي فلسفة التاريخ عند العرب، وقام بتسييس التاريخ ككتابة تاريخية واقعية تنطلق من الظروف والسياسات والأحداث والملابسات التي تتشابك في لعبة سافرة أو نمطية والبحث عن رؤية فلسفية لمعطيات التاريخ، وينقلنا السيد مؤلف الكتاب إلى أن عبد الرحمن بن خلدون يفيدنا في إبراز ظاهرتين:‏

*الأولى: تتعلق بموقف المؤرخ من الفئات والفرق والتيارات المعارضة، أي يخبرنا بأن المؤرخ ينتمي إلى السلطة فيعتبر كل الناس وفئاتهم العامة معارضة في حقبة تاريخية معينة، فيتحول لممارسة تهميش الآخر وتعزيز كيان السلطة السياسي وضرب كيان المعارضة السياسي دون وجود حل وسط بينهما، ويكون الصراع بينهما سافراً. نتيجة لغياب احترام الآخر؟!..‏

*الثانية: تتعلق بما يمتلكه مؤرخ السلطة من تدبير فلسفي وتبريري وتحريفي لموقف الآخر ويمسك بكل مستلزماته المادية والمعنوية للهجوم على الآخر بينما الآخر يقف بموقف الدفاع وهنا تكمن محنة الآخر.‏

ابن خلدون هنا يمثل الظاهرتين معاً، فهو يمثل من جهة مثال المؤرخ الغارق في انتماءاته السياسية والروحية تجلت آثار ذلك في تاريخه وفلسفته، وبالتالي يمثل المؤرخ البارع في إعادة صياغة الحدث التاريخي أو المعطى التاريخي والتكيف مع التيار العام وبالتالي ينحى منحى التيار الفلسفي الغالب ويلحظ ذلك في اضطراب تشكل أفكاره ولا تتجاوز وظيفة نقاد ابن خلدون و"نصوصه" دون البحث في كونه يمثل في الوظيفة الأولى لفلسفته نصيراً لا مثيل له لظلاميّة فلسفية وسياسية مطلقة لنلاحظ التناقض بين مثالية مفرطة وعقلانية تاريخية سابقة لأوانها في ميدان فلسفة التاريخ، لقد كان ابن خلدون أسيراً عند تيمور لنك وقدم له معلومات قيمة عن البلدان العربية وتاريخها وعاداتها وتقاليدها وامتدح انتصارات المغول والتتار بتفاصيل مبالغ فيها بحيث تحوَّل من أسير إلى ضيف بمرتبة شرف وقد قدم له تيمور لنك خدمات جليلة بأن يكون مستشاره ومؤرخ حملته وحسب (إيف لاكوست) فإن ابن خلدون كمؤرخ مغربي صار ذو قيمة عند الفاتح المغولي (محنة التراث-ص39 )‏

لقد عاش ابن خلدون في بيئات عربية متناقضة بين المشرق والمغرب إذ برز لديه وضعان فكريان متناقضان وهذا ليس غريباً إذ الفرضية الأساسية هي اعتبار فكر ابن خلدون فكر جدلي يحتوي على التناقضات ويحللها بدقة، كمجرب سياسي وفيلسوف عصره وخاصة في كتابه "العبر".‏

رؤية نقدية في محنة التراث الآخر‏

-كتاب: محنة التراث الآخر "النزعات العقلانية في الموروث الامامي.‏

-المؤلف: المفكر والكاتب المغربي السيد إدريس هاني.‏

-دار النشر: دار الغدير –لبنان.‏

-التاريخ: 1998.‏

-الحجم: 446 صفحة من الحجم الكبير.‏

مؤلفات السيد إدريس هاني:‏

1-مابعد الرشدية: دار الغدير، لبنان2000م.‏

2-العرب والغرب: دار الاتحاد، لبنان، 1998م.‏

3-محنة التراث الآخر: دار الغدير، لبنان، 1998م.‏

*الكاتب والمؤلف متخصص بالفلسفة الإسلامية وعلومها وأصول الفقه والتشريع، والألهيات والحكمة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244