|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
عالم الرأسمالية والتخلّي عن الحضارة الإنسانية ـــ ت.محمود منقذ الهاشمي يجب أن يُخلق الرأي العام الجديد بصورة شخصية وغير إقحامية. والرأي العام القائم تكفله الصحافة، والدعاية، والمنظمة، والتأثير المالي وغيره من التأثيرات التي تكون تحت التصرف. وهذه الطريقة غير الطبيعية في نشر الأفكار يجب أن تعارضها الطريقة الطبيعية، التي تنتقل بها الفكرة من إنسان إلى إنسان وتعتمد حصراً على حقيقة أفكارنا وتقبّل السامع للحقيقة الجديدة. والطريقة غير المدجَّجة بالأسلحة، التي تتّبع الكفاح الفطري والطبيعي للروح الإنسانية، يجب أن تهاجِم الأخرى، التي تواجهها، كما واجه جالوتُ داودَ، في الدرع القوي للعصر. وليس هناك تشبيه تاريخي يمكن أن يقول الكثير حول الصراع الذي لابد أن تنجم عنه الفاقات. ولا ريب أن الماضي قد شهد صراع الفرد ذي التفكير الحر مع الروح المقيَّدة لمجتمع بأسره، ولكن المشكلة لم تقدّم نفسها بالمقدار الذي تقدّمه به اليوم، لأن تقييد الروح الجماعية كما تقيّدها اليوم المنظّمات الحديثة، والهوجائية الحديثة، والعواطف الشعبية الحديثة، إنما هو ظاهرة لم يسبق لها مثيل في التاريخ. فهل سيمتلك إنسان اليوم القوة لإنجاز ماتتطلّبه الروح منه، وما يود العصر أن يجعله محالاً؟ وفي المجتمعات مفرطة التنظيم التي لها سلطة عليه بمائة طريقة، عليه مرة أخرى أن يصبح بطريقة ما شخصية مستقلة فيصدّ بذلك تأثيرها. وسوف يستخدمون كل الوسائل لإبقائه في ذلك الوضع من انعدام الشخصية الذي يناسبهم. وهم يخافون الشخصية لأن الروح والحقيقة، اللتين يودّان كمّهما، تجدان فيها وسيلة للتعبير عن نفسيهما. ولسوء الحظّ، فإن سلطتهم كبيرة كِبرَ خوفهم. وهناك تحالف قوي بين المجتمع في كلّيته وظروفه الاقتصادية. وبصلابة شرسة أدّت تلك الظروف إلى تنشئة إنسان اليوم كائناً من دون حرية، من دون رباطة جأش، ومن دون استقلال، وباختصار كائناً بشرياً مليئاً بالنقائص إلى حد أنه تُعوِزهُ خصائص الإنسانية. وهي آخر الأشياء التي يمكن أن نغيّرها. وحتى لو سلّمنا بأن تلك الروح لابد أن تبدأ عملها، فإننا لن نكتسب السيطرة على هذه القوى إلا ببطء وبصورة ناقصة. وبما أن ذلك مطلوب من الإرادة، فإنه يوجد في ظروف حياتنا ما يرفض السماح به. وما أثقل المهمات التي على الروح أن تأخذها بيدهاَ إن عليها أن تخلق القدرة على فهم الحقيقة التي هي صحيحة حقاً حيث لا يجري الآن تداول شيء إلا الحقيقة الدعائية. وعليها أن تخلع النعرة الوطنية اللئيمة عن العرش، وتبوّئ الوطنية النبيلة التي تهدف إلى الغايات الجديرة بالجنس البشري كافة، في الدوائر التي تحافظ فيها المسائل الميؤوس منها في النشاطات السياسية الماضية والحاضرة على توهّج العواطف القوموية حتى بين الذين يودّون في قلوبهم أن يتحرروا منها عن طيب نفس. إن عليها أن تجعل فكرة أن الحضارة هي اهتمام كل الناس والبشرية كلها معترَفاً بها من جديد في الأماكن التي تُعبَد فيها الحضارة القومية بوصفها وثناً، وعليها أن تحافظ على إيماننا بالدولة المتحضّرة، ولو أن دولنا الحديثة، التي خربتها الحرب روحياً واقتصادياً، ليس لديها الوقت للتفكير في مهمات الحضارة، ولا تجرؤ على تركيز اهتمامها على شيء إلا مسألة كيف تستعمل كل الوسائل الممكنة، حتى الوسائل التي تقوّض تصوّر العدالة من أساسه، لجمع المال الذي تطيل به وجودها. إن عليها أن توحّدنا بإعطاء مثال فريد للناس المتحضّرين، وهذا في عالم سَلَبَت فيه إحدى الأمم جارتَها كلَّ إيمان بالإنسانية، والمثالية، والاستقامة، والمعقولية، والصادقية، وكل ذلك على السواء قد جاء تحت هيمنة السلطات التي تجعلنا نغوص في الهمجية بصورة أعمق على الدوام. ويجب أن تصل إلى الاهتمام المرتكّز على الحضارة حين تستحوذ الصعوبة المتزايدة في جني الرزق على تركيز الجماهير على الهموم المادية أكثر فأكثر، وتجعل كل الأمور الأخرى تبدو لهم مجرد ظلال. وينبغي أن تمنحنا الإيمان بإمكان التقدّم حين يصبح ردُّ فعل الاقتصادي على الروح أخبث كل يوم ويسهم في الإفساد الأخلاقي دائم التنامي. وعليها أن تمنحنا أسباباً للأمل في وقت تخذلنا فيه باستمرار، لا المؤسسات والجمعيات الدنيوية والدينية وحسب، بل يخذلنا كذلك الناس، الذين يُنظَر إليهم على أنهم قادة، وفيه يُظهر الفنانون وأصحاب المعرفة أنفسهم داعمين للهمجية، والمشاهيرُ الذين يحسبهم الناس مفكرين، ويتصرفون في الظاهر على أنهم كذلك، ينكشفون حين تأتي الأزمة، بأنهم ليسوا أكثر من كتّاب وأعضاء أكاديميات. وكل هذه العوائق تعترض سبيل إرادة الحضارة، فاليأس البليد يرفرف حولنا، وكم هو مفيد أن نفهم الآن رجال الانحطاط الروماني-اليوناني، الذين وقفوا أمام الأحداث عاجزين عن المقاومة، وبتركهم العالم لمصيره، ارتدّوا إلى ذواتهم الداخلية!. ونحن مثلهم، تشوّشنا تجربة الحياة. ومثلهم، نسمع الأصوات المغرية التي تقول لنا إن الشيء الوحيد الذي يمكن له بعدُ أن يجعل الحياة محتملة هو أن نعيش من أجل الحاضر. ويقال لنا إن علينا أن نتخلّى عن أية رغبة في التفكير أو الأمل في أي شيء يتجاوز مصيرنا الشخصي. وعلينا أن نجد الراحة في الاستقالة. ومعرفة أن الحضارة تتأسّس على نوع من نظرية الكون، لا يمكن اللجوء إليها إلا من خلال اليقظة الروحية، وإرادة الخير الأخلاقي للجنس البشري على وجه العموم، تُرغمنا على أن نوضّح لأنفسنا تلك الصعوبات على طريق إعادة ولادة الحضارة التي من شأن التأمّل العادي أن يسهو عنها. ولكنها في الوقت ذاته ترفعنا فوق كل اعتبارات الممكن أو المحال. وإذا أمدّتنا الروح الأخلاقية بأرض ثابتة وافية في مجال الأحداث لجعل الحضارة واقعاً، فإننا سنعود إلى الحضارة، إذا عدنا إلى نظرية مناسبة في الكون والاقتناعات التي تُحدِثها هذه الأرض حقاً. التعريف بكاتب المقال: *ألبرت شفايتسر.كاتب وفيلسوف وموسيقار وطبيب حائز على جائزة نوبل للسلام |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |