|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
رجل الحارة ـــ د.وليد القصّاب كانوا يعدونه للمواقف العظيمة.. ما بخلوا عليه بشيء. كان أملهم للمستقبل. رسموه في قلوبهم حلماً زاهياً رائعاً. كان دائماً يظهر أمامهم بطلاً.. ثقتهم فيه لا حدود لها. يكفي أن يهتف حتى يهتفوا وراءه، وأن يتحدث حتى يرددوا ما يقوله من غير تفكير. كأنما كان يسحرهم: -أنت قمر ليلنا المظلم.. بلسم جراحنا الدامية.. ماؤنا الزلال أيام العطش. لم يكن أحد في الحارة يحل محله في نظرهم. قال لهم حكيم الحارة العجوز ذات يوم. -هل جربتموه في موقف صعب؟ ردوا مستائين من سؤاله: -لاحاجة إلى تجربة.. المكتوبُ يقرأ من عنوانه.. لم يكن شيء قادراً على أن يزعزع ثقتهم فيه، كانت ثقة ضريرة. *** لما أعلن عن انتخابات لاختيار مرشحين عن الحارة لم يرشحوا غيره. قال حكيم الحارة يومذاك: -رشحوا أكثر من واحد، حتى تكون منافسة.. ردوا مستائين: -لماذا المنافسة؟ هل يستطيع أحد أن ينافسه؟ قال الحكيم: -من يدري؟ جربوا... التجربة أكبر برهان. رموه بالتخريف: -كبر الحكيم.. أصبح يهرف بما لا يعرف.. وأصروا ألا ترى عيونهم غيره.. بذلوا كل ما يملكون حتى نجح في الانتخابات. صار ذلك عندهم يوم عيد. أضيئت الحارة، وانتشرت فيها الزينة والموائد، أقيمت الأفراح. وغنت الملاح سبعة أيام بلياليها. صفقوا له حتى كادت تدمى أيديهم من إدمان التصفيق. هتفوا باسمه حتى بُحَّت أصواتهم، ملأت صوره جدران الحارة كلها، وجدران بيوتهم جميعها. *** قال الحكيم وهو لا يصدِّق ما يرى: -لماذا تعملقونه هكذا؟.. ماذا رأيتم منه؟ قالوا ساخرين: -سنرى.. قال الحكيم: -عندما يأتي الصبي صلّوا على النبي.. صرخوا في وجهه هذه المرة، بل أوشك بعضهم أن يبطش به: -أنت تغار منه.. حاقد عليه.. قال الحكيم بأعصاب كالجليد: -أنتم تعلمون يقيناً أن هذا غير صحيح.. أنا رجل على حافة القبر.. لا آمل أن أنافس أحداً، أو أغار من أحد.. أنا –في هذه السن- لا أصلح لشيء.. ولكني أقدم لكم خبرة السنين، لا تحكموا على أحد حتى تجربوه. *** أعرضوا عن الحكيم ساخرين. هددوه بقطع اللسان إن عاد إلى الكلام مرة أخرى. حملوا رجلهم على الأعناق. وضعوه على القمة، ووقفوا ينظرون إليه بإعجاب وانبهار وأمل.. انتظروا كلامه. طال صمته. أخيراً قال باقتضاب من طرف لسانه وهو يروزهم واحداً واحداً: -انصرفوا الآن.. سأدعوكم عندما أحتاج إليكم.. امتثلوا لأمره، وانصرفوا من غير حِجَاج. كان الرجل الحكيم يختلس النظر من مكان بعيد، ولكنه لم يجرؤ على فتح فمه. طال انتظارهم شهوراً، ولكنه لم يدعُهم. وعندما رجعوا إليه بعد أن أعياهم الانتظار، لم يجدوه في المكان الذي اختاروه له، ووضعوه فيه.. طال بحثهم عنه، قال لهم ناس غرباء يرونهم لأول مرة: -وضعتموه على قمة لا تليق به.. نقلناه إلى قمة أخرى.. حاولوا الذهاب إليه في القمة الأخرى.. أوقفوا دونه من مسافات بعيدة.. وجدوا حرّاساً غرباء كثيرين يحيطون بالقمة من كل مكان، وقد وجهوا بنادقهم المحشوة إلى كل من يحاول الدنو من المكان. نادوا بأعلى صوتهم: -أين رجلنا؟.. نريد مقابلته.. صرخ فيهم المدججون: -من أنتم أيها الرعاع؟.. ما الذي أتى بكم إلى هنا؟ تراجع أهل الحارة مذعورين. تجرأ واحد منهم أن يقول: -نحن عشيرته.. قولوا له أهل الحارة يريدون مقابلتك.. صرخ فيهم الغرباء المدججون، وهم يوجهون إليهم البنادق: -أخطأتم العنوان.. عودوا من حيث أتيتم.. قال المتجرئ مرة أخرى: -ولكنه رجلنا.. وهو هنا.. وضعت أياد على زناد البنادق، وصرخ المدججون بغضب عارم اهتزت منه أرجاء المكان: -أيها الرعاع.. لم يعد رجلكم هنا.. ابحثوا عنه حيث تركتموه.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |