جريدة الاسبوع الادبي العدد 997 تاريخ 11/3/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

الخراب ـــ جميل سلوم شقير

وعندما عاودتهُ حمَّى الركض لسنواتٍ أخرى، استقرَّ به المقامُ في التدريب الجامعي حيثُ شغلتْ تفكيره إحداهنَ وصارتْ لغزاً محيراً، فلمْ يلتقيا مرة إلا وساوره وهم التقمص، يصغي إلى حديثها فيحس بأنه قد أعجب بغنة حرف النون هذا في جيل سابق، التقاها والتقاها حتى اقتنعا بأنَّ كلاً منهما صار قدراً للآخرْ، في (بوفيه) الجامعة، في حدائقها، فوق مقاعد منتزهاتها وفوقَ حشيشها الرطب، لقد بهرته بكل شيء، وبخاصةٍ غدائرها التي كانت تنساب شلالاً ينداح فوق تقبب نهديها تارةً، وتارةً يصير شرشفاً من حرير يغطي ظهرها، ومرة تجرأ ومدَّ كفه كي ينعم بملمسه، صدته بكفٍ مفتوحةٍ ونظرة عتبٍ فعلتْ مفعول صاعقة. وبعدها صارت تتكهرب عندما يلقاها بزي عمله الرسمي ثم يعطي لنفسه الحق بأن يتكلم معها بلهجةٍ فيها صرامة العسكرة فتنفرُ وتغيب. يلقاها وقد ارتدى الصيف ببنطال وقميص، يعود الحنان إلى العيون، وتصير غنة فاتنة وهو في ذهول(بناتُ دمشقَ والحياةُ تستحقُ أن تُعاش)، ووطنتْ نفسها على الاستماع إليه حتى لوكان الخطابُ من خشبٍ، تناقشه وتجادله حتى يحينَ السؤال: (هل أنت على قناعةٍ بما تقولُ حقاً؟)، يتلوى أمامها، يميل بنصفه الأعلى باتجاهٍ، وتندفع رجلهُ بالاتجاه الآخرِ خلف الكرسي مثل ذيل ثعلب، يروغ ويروغ كمن يتفادى ضربة حجرٍ، تقرر عدم لقائه، تعود الأقدار فتجمعهما، تقنع نفسها بدماثته أحياناً وتُقززها حذلقته أحياناً، وأشدُّ ماكان يغضبها سلوكه مع الطلاب أمراً ونهياً. ثم جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير.‏

شاهدته من خلال زجاج أحد المدرجات وهزتها رؤياه، وبدأت تحدث نفسها بصوت مسموع: "(ما هذا؟ مش معقول!! إنه هو وبدون شك)، انتقلتْ إلى نافذةٍ أقربَ، صارت الرؤيا أفضل، كان يقف خلف الخطيب، والخطابُ مكرورٌ ومقززٌ وليس فيه حياةٌ، والتصفيق يلهب الأكف، حماسٌ من نوع غريبٍ يدفعهمْ للوقوفِ والتصفيق، والتصفيق وقوفاً يدمي القلب أكثرْ، وتكتشف أن هناك تناغماً مابين حركة يده من خلف الخطيب وبدء نوبات التصفيق، بما فيها (هستيريا) الوقوف والجلوس من قبل الطلاب. فما أن ترتفع يده ُ اليمنى لموازاة الكتف، حتى يهبَّ الجميع وقوفاً، وعندما تصير كفه المبسوطة شاقولية يبدأ العزف على الكفوف، تعود كفه إلى الوضع الأفقي يتوقف التصفيق فجأةً، وإذا أسبل ذراعه إلى جانبه، جلس الجميع مثل رجل واحد. تصورته رجلاً آلياً، مما أعاد إلى ذاكرتها اليد المعدنية لباصات الشام القديمة والتي كانت تستجيب لإرادة السائق بغباءٍ.‏

انتظرت انتهاء الاحتفال، قررت أن تلقاه لسببٍ واحد، (أيكون.. أيعقل أن يكون بهزالة يدٍ من صاجٍ رخيص؟)، وقررتْ أن تطرح عليه سؤالاً واحداً فقط، لكنها أخيراً قررتْ ألا تفعل، أدارتْ ظهرها، مشتْ بخطواتٍ ثقيلة وموزونةٍ، أحستْ أنها تسيرُ فوق الريح، رأسها مرفوعٌ وغدائرها تتماوج فوق أردافها، أما وقد أقفلتْ أذنيها عن نداءاته، فقد توقفَ يراقب ابتعادها شيئاً فشيئاً، وقبل أن تبتلعها الزحمة، قرر اللحاق بها وقد دفعه الإحساس بالخسارة لمعرفة مكان سكنها، سارَ حائراً يحاول معرفة سبب نفور الغزال، لكنه فشل، هذا لأنه كان يغوص في محيطه حتى الأذنين.‏

وبحسها الأنثوي الذي لا يخطئ، تأكدَ لها أنه ما يزال يسير خلفها، مع أنها لم تلتفت مرة إلى الخلف، قطعت شارع النصر وانعطفت إلى حارت (باب الجابي)، ثم تلوَّت في أزقة ضيقة لا تدخلها السيارات، توقفت أمام باب خشبي ذي دهان حائل ويتقشر، أخرجت مفتاحاً وقبل أن تعالج به قفل الباب، ناداها، التفتت إليه، قالت بحذر وبصوت شبه مسموع:‏

"إنت خربان من جوَّا".‏

وانداحت حوله الذاكرة التي غطته كلياً، ثم غمرت الزقاق، نفس الزقاق، نفس البوابة، نفس رقم الدار، (67 ح خ)، واستولى على ساحة تفكيره يومٌ بهرته المدينة فيه، ثم لفَّه الذهول، منذ لحظة سقوط قدمه فيها لأول مرة في حياته، حيث كان مفتوناً بكل ما وقعت عليه عيناه، ,بخاصة حركة (التروماي) ذات (الفركونتين) التي أدهشته واستلبته أكثر من غيرها، تسيرُ فوق سكتين غائصتين في بلاط الشارع مثل الصراط المستقيم، وعندما استقلها للمرة الأولى لاحظ أنَّ سائقها لا يجلس فوق مقعد مخصص للقيادة، ومع الزمن صار بينه وبين الجابي معرفة، فمقابل الفرنك الأصفر المثقوب من وسطه كان يكرر السفر بين (المرجة) وحي (جوبر) عدة مرات، يطربه طنين جرس التحذير فيها ورجل السائق الواقف تعزفُ عليه بفرح.‏

وتذكر أن جرس التحذير هذا، لم يفلح يوماً مع جموع غفيرة سالت تغطي شارع النصر واتجهت إلى القلعة مثل الطوفان، هاله المنظر، تصلب وجهه ملتصقاً بزجاج نافذة (التروماي)، صراخٌ يدوي يتلوه ترديدٌ جماعيٌ، أعلامٌ تعلو وتهبط، قطع قماشية كبيرة تتلوى بين عصي حامليها، قرأ فيها "يسقط العدوان الثلاثي" ثم سمع الجماهير تسقط وتسقط، الإنكليز، الفرنساوي، "إسرائيل"، ملوكاً، رؤساء، وأشياء أخرى... ويكتشف لأول مرة في حياته أن الحدود مغلقة ثم يتصور أن لها بوابات ومفاتيح ضخمة تحتفظ بها الحكومة، هذا عندما سمع هتافات تقول: " افتحوا لنا الحدود، اتركونا نعبر فقط".‏

ولأنه كان قد تعلم وتربى على الخوف من الدرك، فقد هرب من حافلة التروماي وضاع في أزقة (باب الجابي) الضيقة، وعندما استوقفته طفلةٌ وسألته: (خلصت المظاهرة؟)، أدرك بأنه كان للتوِّ في قلب ما يسمى بالمظاهرة. ثم أجابها متلعثماً:‏

-لا... لا... الدرك... الدرك...‏

وانعقد لسانه عن شرح الواقعة، مكتفياً برفع يديه فوق رأسه، يمسك الهواء ويضرب به أرض الشارع، وبدا وكأنه لا يملك من أسر عينيها فكاكاً، فأجابته بقولها "إذاً إنت هربان" ولما كان لا يعرف ماذا كانت تعني كلمة (هربان)، فقد فتل لها شفته السفلى ثم هزَّ كتفيه، وبقي نهباً للبلاهة والحيرة، قررت الإجهاز عليه، اقتربتْ منه خطوة ونطقت قبالة وجهه:‏

-(جبان... وخايف كمان).‏

تلك القسوة أفلتته منها وعاد للركض، رمت خلفه حجراً ثم دلفتْ من بوابةٍ خشبية وهي ترغي بسبابٍ وشتائم لم يتبينها جيداً، لكن الفضول والإحساس بجمالها جعلاه يتوقف فجأة، ثم يعود لمحاذاة الباب الذي صفق تواً، لفتت نظره كفٌّ معدنية تتدلى على الباب، ولوحة معدنية حملتْ رقماً وحرفين. أجفله صرير الباب الذي ينبئ بأنه سيفتح ثانية، تابع الجري حتى لفظه الزقاق إلى شارع رئيس، حيث اندسَّ بين ثلةٍ من رجالٍ ونساءٍ يتجمعون فوق رصيفٍ زلق، توقفتْ حافلةً بجانب الرصيف، صعد الناس وصعد، حشر نفسه خلف مقعد السائق، فاجأته حركة يد السائق الذي أمسك بقبضة معدنية عن يساره وجذبها للأسفل، فتحركت خارج جسم السيارة يدٌ معدنية طويلة وانتصبت بشكلٍ أفقي، وبشكل لا شعوري وأمام أذن السائق انفجر ضاحكاً من انتصاب اليد المعدنية، تلقى بعدها من السائق صفعة لم يجد لها تبريراً، هرب وتموّر بين الأجساد مثل أفعى واستمر يسمع سباب السائق ويتلمس خده الملتهب أحد عشر عاماً، كي يفيق من هول الصدمة الأعظم فيجد نفسه في العاصمة مرة أخرى، فيفاجأ بأن شوارعها بدون سكة ولا صراط تسير فوقه عربة (التروماي)، كما أنه لاحظ اختفاء اليد المعدنية عن الباصات وقد حلَ بدلاً منها غمَّازٌ كهربائي مثبتٌ على جانبي السيارة من الأمام والخلف، يعلن السائق بواسطته عن نيته الانعطاف نحو اليمين أو نحو اليسار، وفي التو أقبلت سيارةٌ سوداء فاخرةٌ يعلن غمازها أنها ستنعطف نحو اليسار، وبدت كأنها تسير بدون سائق، مما شجعه على أن يقطع الشارع الفرعي اليميني بأمان، لكنه فوجئ بالسيارة العجيبة تلك تنعطف نحو اليمين خلفه وقد أوشكت اللحاق به، قفز إلى الرصيف وبدون وعي شتم السيارة، لأنه لم يشاهد فيها سائقاً كي يشتمه، (شخطت) السيارة غير عابئة بفزعه ولا بسبابه، لكنَّ شرطي المرور اندفع نحوه يلوّح بعصاه المطاطية ويهم بضربه، مما اضطره إلى الهرب ومراوغة الشرطي بسلوك أزقة باب الجابي الضيقة، خوذته تنهض عن رأسه وتسقط ثانية فوق يافوخه، جعبته تصطدم بقذاله كلما وطئت إحدى قدميه الأرض، ومع الهلوسة التي كان يعيشها فقد تذكر الله وشكره لإلهامه بضرورة التخلص من بندقيته هناك.‏

وفجأة اعترضت طريقة صبية ترمي فوق وجهها خماراً أسود، بصقت وقالت وكأنها تخاطبه: "جبان.. هربان.. وخايف كمان". وعندما كان يتابع الركض أحس بالبصقة وقد فتحت في الذاكرة ملفاً عمره أكثر من عشرة سنين: (نفس الزقاق، نفس الكلمات). توقف فجأة، استدار إلى الخلف، غابت الفتاة، غابت في نفس الباب، عاد بضع خطوات حذرة، نظر، فرك عينيه، نظر ثانية، ومن بين أنقاض الذاكرة التقط نفس الرقم، رقم الدار المثبت على لوحة معدنية بجانب القبضة المعدنية النقارة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244