|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الصحن من مشابهة الواقع إلى مغايرته ـــ د.نضال الصالح تثير رواية سميحة خريس: "الصحن"(1) اهتمام القارئ بدءاً من علامتها اللغوية، فتحرّضه على القراءة، ليس بسبب تحرّرها من الدلالة المتواترة للعناوين عادة فحسب، أي من كونها علامة واصفة، أو مفتوحاً تأويلياً بتعبير "إمبرتو إيكو" الذي رأى أنَّ على العنوان أن يشوّش الأفكار وليس أن يوحدها(2)، بل بسبب تميزها أيضاً من مجمل علامات المنجز السردي العربي، التي اتسمت، في الأغلب الأعم منها، بجهرها بمحتوى النص، أو باختزالها له، أو بتعبيرها عنه، من جهة، وبسبب التضاد الظاهر بين العلامة ولوحة الغلاف التي تتضمّن وجوهاً نحتية مشروخة في منتصفها من جهة ثانية. وماهو كنائي في العلامة/العنوان يتجاوز غلاف الرواية إلى متنها، وعلى نحو يرغم القارئ على متابعة محكي الرواية الذي لا يفصح عن دلالة العلامة، أو مرجعيتها الحكائية إلا في نهاية النصف الأول منه، أي حينما تستعيد "إلهام"، تحت وطأة إحساسها بالوحدة، وهي في صومعة "منير"، ذلك الحلم الذي كان يلحّ عليها في طفولتها: "حين كان العالم يتراءى لها صحناً كبيراً واسعاً يفيض بالحليب، وتبدو وهي مجرد هرّة صغيرة ناعمة تلعق السائل الدافئ بمتعة غريبة". تصدّر الروائية نصّها بالإهداء التالي: "إلى روح الصديق مؤنس الرزاز الذي علّمني كيف تصير الصرخة فناً، والدمعة ماسة"، ثمّ يبدأ المحكي بالتتابع عبر قسمين رئيسيين: "إلهام"، و"هو"، لينتهي، على الغلاف الثاني، بقولها: "أفاجأ بما اقترفت يداي، وأدرك أنّ الأشياء التي لطّخت دماها أوراقي ليست هي ما حدث فعلاً، ولا أنا بعثت ذات الشخوص إلى الحياة، وأنَّ ما حدث متغيّر حد الانقلاب لم يحدث في الحياة وعميت عنه العيون بفعل مرور الزمن، ولكنّ التغيرات تمّت هناك في عتمة الداخل، ثم اتخذت شكلها تحت تأثير الكشط الحادّ والمتواصل لأناملي. هكذا كنت أجلو الفحم ماساً، وأحيل الماس فحماً لتكون الرواية مغايرة للحياة بقدر ما تشبهها، مفارقة لها بقدر ما تلتقي بها". وبين التصدير والغلاف الثاني ينهض عالمٌ تخييلي مفعمٌ بالواقع، لكنه ليس الواقع. عالمٌ دالٌ على مخيّلة نشطة تمتلك بحقّ، كفاءة عالية في تحويل الصرخة إلى فنّ، والدمعة إلى ماسة، وفي إنتاجها لسردُ يُحدث قطيعة مع المرئي بقدر ما يعكسه، وينفيه على المستوى الجمالي بقدر ما يتملّكه على المستوى المعرفيّ، ويتضاد معه بقدر ما يهجس به. ولعلّ أبرز ما يميز ذلك المحكي إطاحته بمنطق الحكاية بمعناها المبذول، على الرغم من استهلال الروائية له بما يوهم بالمنطق نفسه: "كان ياما كان في قديم الزمان، امرأة شابة.."، ثمّ دفعه القارئ إلى إعادة إنتاجه، لا لأنَّه لا يُسلم نفسه بسهولة فحسب، بل لأنه، أيضاً، يتحرّر من كونه مرآة للمرجع الذي يصدر عنه، ليصبح فنَّاً بالمعنى الدقيق للكلمة، من جهة، ولتتعدّد معه فعاليات القراءة والتأويل، عبر غير مصدر معرفيّ ومنهج نقدي، من جهة ثانية. ولئن كانت قيمة النصّ الإبداعي، أيّ نصّ، تكمن في تحفيز قارئه على طرح الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات له، فإنّ قيمة هذه الرواية تكمن في تنشيطها مخيلة القارئ لإعادة تركيب الأحداث والشخصيات، وتنضيدهما من جديد للمّ أشتات الحكاية، وعلى نحوٍ يبدو القارئ معه ومن خلاله منتجاً ثانياً للنص، لا متلقياً له فحسب. يميّز القارئ في الرواية ثلاث شخصيات مركزية: "إلهام"، و"منير"، و"أستاذ التاريخ"، (والد منير)، تغري جميعاً بقراءتها، بل بقراءة الرواية كلّها، من خلال علم النفس التحليلي، الفرويدي خاصة، على مستويين: أول يتصل بالمكوّنات النفسية الممّيزة لكلّ شخصية، والتي تبدو من خلالها نماذج أدبية بالمعنى الدقيق للمصطلح، وثانٍ بعلاقات كلّ منها بالعالم الخارجي حولها من جهة، وعلاقاتها بعضها ببعض من جهة ثانية، ولاسيّما أنَّ الأولى منها، إلهام، تمثّل مركزاً بالنسبة إلى الشخصيتين الأخريين، بإرادة إلهام نفسها فيما يخصّ "منير"، ومن دون إرادتها فيما يخصّ أستاذ التاريخ. لم تكن إلهام، العانس في الثلاثين من عمرها، تثير انتباه أحد. وعلى الرغم من تلك المفارقة الجارحة بين اسمها وحياتها، فإنها كانت "تمتلك شجاعة في مواجهة الحياة، باتزان دائم ورضا حقيقي"، وكانت عبارتها الأثيرة: "ليس على الأرض ما يستحقّ البكاء" هي الفلسفة التي تعتدّ بها دائماً. كان ثمة "رضا عجيب يحيط بعينيها"، وحين ودّعت أمّها الحياة، ولِدَ شيءٌ ما داخلها دفعها إلى البحث "عن جديد يعيد الدماء إلى شرايينها"، وعمّا يبدّد ذلك الضجر الذي كان يطاردها، فأغرتها لعبة الهاتف مع منير، جارها الشاب الذي كان يسكن وأبويه الطابق الذي يعلو منزل أسرتها، حتى أصبحت تلك اللعبة "هاجسها اليومي بعد موات طويل". ولم تكد اللعبة تبدأ، حتى وجدت نفسها في "صومعة" منير، كما كان يحلو لها أن تسميها. ولم يكد لقاؤهما الأوّل يعبر دقائقه الأولى، حتى اندفعت شفتا منير إلى شفتيها، وحين لم تحس بالرعشة التي توقعتها قالت له: "لم تعجبني قبلتك"، فردّ:"أنا أيضاً لم تعجبني القبلة، لنحاول من جديد". وفيما بعد صار لقاء الصومعة طقساً يومياً لم تستطع مقاومة إغرائه، بل أشبه مايكون بالإدمان الذي لا يمكن الشفاء منه. وعلى الرغم من كلّ المحاولات التي بذلتها لإرضائه، ومن منحها جسدها له، فإنه: "لم يقل مرّة إنه يحتاجها". كان يتحوّل، وهو يجاسدها، إلى بحر عطاء، ثمَّ سرعان ما يجفّ فجأة، حتى إنه: "لم يكلّف نفسه مرّة بواجب الضيافة". كان مستغرقاً في حبّ نفسه، ولا يعنيه من العالم سواه. ولم يكد/يمضي وقت على إحساسها بأنها "تذوي، وتتعفّن"، وإنها تعاني حباً كسيحاً وشائهاً، حتى نقل إليها البقّال الذي كانت تكنّ تقديراً له منذ طفولتها أنَّ أستاذ التاريخ، والد منير، الغريب الأطوار، نُقل إلى مستشفى المجانين في عربة كان ابنه قد استدعاها لذلك بعد أن دخل حجرته وحطّم كلّ التماثيل التي نحتها. ويشكّل القسم الثاني من المحكي، "هو" وحدة حكائية مستقلة بنفسها، لكنها وثيقة الصلة بحكاية إلهام مع منير، التي عني بها القسم الأول، حكاية أستاذ التاريخ، التي تعزّز هي الأخرى العلامة اللغوية للرواية، أي: الصحن، الذي يمثّل قاسماً مشتركاً بين الحكايتين، بل بين إلهام وأستاذ التاريخ خاصة، والذي يمكن عدّه رمزاً للمسفوح من أحلام هاتين الشخصيتين اللتين تجدان نفسيهما وحيدتين في مواجهة ما يبدّد معنى الحياة. ولئن كان ثمّة القليل من الاسترجاعات التي ينتجها محكي القسم الأول، فإنَّ الأغلب الأعم من محكي الثاني يتمّ عبر هذه التقنية التي تسهم بدور بارز في الإفصاح عن مرجعيات العزلة والوحدة اللتين كانتا تلونان حياة أستاذ التاريخ بالسواد، الذي كان من عاداته في التعليم عدم إرهاق طلابه بالواجبات، وعدم معاقبة المنشغلين منهم بأحلامهم خلال الدرس. كان يأمل، طوال شبابه، بأنَّ نصفاً مذهلاً لذاته سيتجلّى يوماً، فيكتمل به، لكن ذلك النصف لم يأت، بل حلّ مكانه آخر، امرأة أخرى غير تلك التي كان يحلم بها. وحين لم يقوَ على احتمال ما آل حلمه إليه، أخذت تنتابه، بين وقت وآخر، ما دأبت زوجته على الصراخ به: "النوبة.. النوبة"، ولم يكن هو ليقرّ يوماً بأنّ ماكان يحدث نوبة، بل "وحش صغير يقبع داخلي، وينفلت كلّما أراد، دون مبررات ولا مقدّمات.. مخلوق يختبئ في أغواري، هو مني، يقتات بي ولا أملك صدّه". كانت إلهام مصدر إحساسه المدمّر بوطأة الواقع حوله، فقد كانت رائحتها، وهي تعبر أمامه أو تدخل غرفة ابنه منير، تثير وجعه بالحلم الذي اغتاله ذلك الواقع. كان "يحبّها لذاتها، لمتعة الروح"، وحين أيقن أنها ليست سوى أمل مخاتل، وأنها "تمنح كثافتها لسواه، وتتمدّد حورية عارية على أريكة الفتى ذو(3) الوجوه الكثيرة"، وأنه نفسه هو مَنْ ضيّع الحياة بإرادته، ولم يمدّ يده يوماً ليسرق النار، كما لم يعد ثمّة معنى ليحدّث الريح أو يغازل الشجر، اندفع ذلك المخلوق المختبئ في أغواره إلى غرفة الابن، فحطّم ما صنعت يداه من تماثيل. وليست الشخصيات الثلاث المشار إليها آنفاً وحدها ما يصوغ محكي الرواية، بل ثمة شخصيات أخرى تمارس أدواراً مختلفة، وبنسب متفاوتة فيما بينها، في تحوّلات الأحداث وسيرورتها. ومن أمثلة تلك الشخصيات: "رضوان، المغازل الأبله الذي كان "يوزّع لهفته لكلّ النساء"، ومن بينهن إلهام. وأم إلهام، التي قضت حياتها "كاملة كما ينبغي أن يكون "الكمال"، ووالد إلهام/ وشقيقها عبد الكريم، وزوجته، والبقّال، ورفاق أستاذ التاريخ في طفولته، وزوجته وسوى ذلك. يمكن عدّ تلك الشخصيات، أي: المركزية، رموزاً أكثر منها كائنات واقعية، ولذلك فهي تحقّق ما يُصطلح عليه بـ"وفرة المغازي"، ومن تلك الأخيرة أن "إلهام" رمز للمعرفة التي غالباً ما لا تغري الناس جميعاً بالالتفات إليها، وأنَّ "منير" رمز للقوى الباحثة عن امتيازاتها الخاصة، والتي تكتفي من المعرفة بسطوحها الخارجية، أو جانبها المادي فحسب، وأنَّ أستاذ التاريخ رمز للوعي الذي يجد نفسه محاصراً بالزائف، والطارئ واليومي. ومن أبرز ما يميّز فعاليات صوغ المحكي تحرّرها من تقاليد السرد المهيمنة، وكفاءة الروائية في إنجاز سرد حداثي يقدّم بناء النص على النص نفسه أي آليات تشكيله الجمالي، التي تتجلّى، في هذه الرواية، بوصفها نصاً داخل نصّ، أو نصاً يشتغل على نص. يمتد المحكي، كما أشرنا إلى ذلك آنفاً، على قسمين: إلهام، وهو، ويتكوّن كلّ قسم من خمس عشرة وحدة سردية: ثماني وحدات وسبعة أحلام في الأوّل، وثماني وحدات وسبع رؤى في الثاني. ولئن كان من الممكن القول إنَّ الأغلب الأعمّ من مكوّنات هذا المحكي ينتمي إلى مجال "التحفيز التأليفي"، أي خلوّ المحكي من الاعتباط أو التزيين أو الفائض السردي، ونهوض كلّ حافز أو إشارة بوظيفة، فإنَّ من أكثر تلك المكوّنات صلة بالمجال المشار إليه هو هذا التقسيم خاصة. فترجّح كلّ قسم بين عدد متساو من الوحدات يضمر في داخله إيماء إلى كمّ الأذى نفسه الذي يُلحقه الوعي الناقص بالمرأة والرجل على حدّ سواء، فانتهاء إلهام إلى العزلة من جديد لا يقلّ قسوة عن انتهاء أستاذ التاريخ إلى مستشفى للأمراض العقلية، وكذا فإنَّ ترجّح القسمين بين سبعة أحلام في الأوّل وسبع رؤى في الثاني يضمر في داخله إيماء إلى أنَّ التعارض بين شواغل إلهام وشواغل أستاذ التاريخ تعارضٌ في الوسيلة وليس في الغاية، وإلى أنَّ تسمية الروائية لمؤرقات إلهام بـ"الحلم" وتسميتها لمؤرقات أستاذ التاريخ بـ"الرؤيا" لهما ما يسوغهما في الرواية على المستويين النصي والدلالي، فعلى الرغم من إحالتهما معاً إلى ماهو "ميتا واقعي" ومن صلة الأول بالنوم وصلة الثاني بأحلام اليقظة، فإن لكل منهما صلته الخاصة بالشخصية التي يصدر عنها، إذ غالباً ما ترتبط أحلام إلهام بالراهن، وغالباً أيضاً ما تتوجه رؤى أستاذ التاريخ إلى المستقبل. لقد اختارت الروائية بنية سردية وثيقة الصلة بإنجازات الرواية الحديثة، بنية تبت صلتها بالحكاية بوصفها حكاية وتشيد حكاية بوصفها فناً، وتعبّر هذه البنية عن نفسها من خلال أكثر من فعالية، من أبرزها: بناء الزمن، والمنظور السردي، وبناء الشخصيات وعلاماتها اللغوية، وتقنية الأحلام والرؤى، والوصف، والفضاء الروائي، والمتفاعلات النصّية، واللغة، فالروائية لا تقدّم أحداث محكيّها على نحو متتابع زمنياً، بل تنثر هذه الأحداث على نحو فني/جمالي يتحرّر المحكّي معه من أغلال الواقعية عبر غير تقنية بنائية: الاسترجاع، والاستباق، والخلاصة، والحذف، وبوسائل دالة على ماهو جوهري في دواخل الشخصيات ومكوّناتها النفسية، ومن السمات المميزة لفعاليات صوغ المحكي في الرواية تعدّد ضمائر الخطاب، وتنوّعها وانبثاق سمة التعدد والتنوع من داخل حركة السرد، أي بوصفها فعالية دلائلية وليست تزينية. وعامة، فإنَّه يمكن التمييز بين ثلاثة رواة في هذا المجال: راو خارج عن نطاق مروية، يجد تعبيره الأمثل في ضمير الغائب الذي يصوغ الأغلب الأعمّ من حركة السرد، وآخر متماهٍ بمرويّه، يتمثل فيما يصدر عن شخصية "إلهام" وأستاذ التاريخ من محكيّ يشكلان مكوّناً أساسياً فيه، وثالث يمكن الاصطلاح عليه بالراوي/ الروائي، الذي يتجلى عبر تشكيل الروائية للمتن الحكائي من جهة، وعبر كلمة الغلاف من جهة ثانية. وعلى الرغم من أن كل واحدة سردية تنتج ضمير خطاب مهيمناً، فإنها تتضمن في داخلها أكثر من ضمير، وعلى نحو يثمّر تعدد أصوات، ويضع الرواية، على المستوى الفني، في حقل "الرواية البولفونية"، ولكن بالطريقة التي تخصها، وتميزها من سواها من النصوص الروائية التي تنتمي إلى الحقل نفسه، وبهذا المعنى، فإنه يمكن القول إن ثمة موشوراً طيفياً لمنظورات السرد في الرواية، يدفع بالقارئ إلى صوغ فني جديد للمحكي خلال عملية القراءة وبعدها. وبهذا المعنى، أيضاً، تحقق الرواية الأطروحة النقدية القائلة إن "الشكل في أية رواية هو المعنى"(4). ومن أبرز ما تتسم به فعاليات بناء الروائية لشخصياتها اقتصادها الواضح في الوصف، ومن أبرز ما يتسم به هذا الأخير، وفي هذا المجال، أي بناء الشخصيات، ترجحه بين ماهو خارجي وماهو داخلي، كما في وصفها لحنان بقولها إنها كانت "تفتقر إلى الجمال بمقاييسه الشائعة"، لم تكن بيضاء ولا ممتلئة باعتدال، لم تكن متبرجة ولا صبيانية، لم تكن تتابع خطوط الموضة، لم تجالس النسوة في الزيارات المنزلية". وعامة، فإن الشخصيات النسوية في الرواية تبدو شخصيات معطلة على المستويين الخاص والعام، شخصيات منهوبة الإرادة بفعل كوابح الواقع الغاشم حولها، فبالإضافة إلى حال التهميش والعطالة، التي اتسمت بها حياة "إلهام" كانت الأم "امرأة صامتة" تعطي بسخاء، ولا تدخر جهداً في "احتمال رجل لزج، ومحبة ولد بليد وابنة غامضة نصف معتوهة"، ولم تكن حياة أختها، خالة إلهام، أحسن حالاً، إذ عاشت حياتها إلى جوار رجل أشبه مايكون بالوحش الآدمي، بتعبير إلهام نفسها. وباستثناء استاذ التاريخ، فإن الشخصيات الذكورية، عامة أيضاً، تبدو شخصيات مجردة من الإنساني في الإنساني، تعيش على حواف المعنى من الوجود والحياة، كـ"عبد الكريم" الذي غالباً ماكان يقضي وقته في مراقبة أفلام الفيديو، والذي اكتفى، حين أخبرته زوجته بأنها حامل، بأن "أبدى فرحاً متزناً"، ثم عاد إلى أريكته الأثيرة ليترك انبعاجاً حاداً في جسدها كما اعتاد ذلك أيضاً. وتتسم العلامات اللغوية للشخصيات بتضادها مع واقع الشخصيات نفسها، فـ"إلهام" لم تلهم أحداً، ولم تثر اهتمام أحد. وعلى الرغم من إقبالها على "منير" فإنها لم تستطع استثارة سوى حاجاته الغريزية فحسب، ومنير نفسه كان قاتماً حيال إلهام وأبيه، ولم يكن ثمة ما هو مضيء ونيّر في تكوينه وعلاقاته مع سواه. وكما لا يبدو أنَّ ثمة شيئاً اعتباطياً في الرواية، تتسم هذه المفارقة بين الشخصيات وعلاماتها اللغوية بالسمة نفسها، فغالباً ما تتم تحولات المحكي الروائي بوصفها نفياً للعلامة من جهة، وتعزيزاً لما يمكن تسميته مستعاراً من علوم البلاغة: "طباق إيجاب"، بين ماهي عليه الشخصية في الواقع وعلامتها من جهة ثانية. وتجدر الإشارة إلى أنَّ الأغلب الأعم من الأحداث والشخصيات يتحرك في فضاءات مغلقة، في منزل أسرة إلهام وفي صومعة منير، الأمر الذي يبدو متسقاً مع المكوّنات الانفعالية لتلك الشخصيات التي يعاني معظمها إحساساً غاشماً بقطيعتها مع العالم حولها. وتمارس تقنية الأحلام والرؤى دوراً بارزاً في الرواية على مستويين: مستوى المحكي الروائي، ومستوى بناء هذا المحكي نفسه. فعلى المستوى الأول تسهم في الكشف عما يمكن وصفه بالمسكوت عنه في السرد، أو بالمضمر منه، وعلى المستوى الثاني تحرر ذلك المحكي من رتابة السرد، وتنتج سرداً رديفاً للمتن، هو ذلك المتن وقد أفصح عن نفسه على نحو يكاد يكون تاماً. وغالباً ما يبدو السرد عبر هذه التقنية بوصفه صوتاً داخلياً للشخصية التي يصدر عنها، وأشبه ما يكون ببقعة ضوء تستهدف مكون اللا شعور فيها، ويمكن أن أمثل لذلك بالحلم الأول في القسم الأول من الرواية، الذي رأت "إلهام" فيه رجلاً يمشي في دائرة مغلقة ثم يسير بوضع التفافي وهي تمضي خلفه: "بدأت أدوخ وأتهاوى من الوهن، وواصل هو السير دوراناً، شعرت بالتعاطف، لربما أردت أن ألمس ذراعه وأهمس: توقف، لا تجهد نفسك، يمكننا الخروج معاً من الدائرة. لكني لم أفعل. واصلت المشي معه حتى الصباح". وتجدر الإشارة، في هذا المجال، إلى سمة التقاطب بين ما ينتمي إلى الواقع وما ينتمي إلى الأحلام والرؤى، وإلى أن هذه السمة غالباً ما تفصح عن نفسها عبر مكونين: مكون الوعي واللا وعي، ومكون اللغة، إذ كثيراً ما تقف الأحلام والرؤى على طرف نقيض مع الواقع، أو غالباً ما تكون ذلك الواقع وقد خلع عنه واقعيته الجافة، وكثيراً ما تنتج لغة السرد فيهما معاً أنساقاً جمالية مغايرة تماماً، أو تكاد، لأنساق السرد في المتن الحكائي. ولئن كان الوصف في السرود عامة يعوّق تدفّق الزمن، فإنه في هذه الرواية يتسق وحركة الزمن، بل ينهض بمهمة استجلاء آثاره في البشر والعلاقات ومفردات المكان، وإلى حد يشكّل معه حقلاً دلالياً مستقلاً بنفسه ومميزاً من سواه من مكوّنات الخطاب، ولكن على نحو غير مباشر، يغري القارئ بالبحث عن ظلال السرد، لا السرد نفسه، كما في هذا الوصف لجزء من العمارة التي تسكنها إلهام: "الحياة ضيّقة، المكان ضيّق، العالم محدود، السلّم ليس عالياً بما فيه الكفاية، هي بضع درجات، بيته قريب وكأنه في عقر بيتها، والدرج مهمل من نسوة العمارة الغارقات في مللهنٍ ورضاهن الأزليّ. كانت هناك آثار أقدام لأحذية رياضية نسخت عن عمد على الحائط.. مقبض الدرابزين كان خشباً مدهوناً بالأبيض، شحب اللون عاماً بعد عام، تاركاً نتفاً كالحة من ذكراه.. عند أبواب الشقق المغلقة يتعفّن الهواء". وتجهر هذه السمة بنفسها في نهاية الوحدة السردية السادسة من القسم الأول، التي يتجلى فيها اندغام الوصف بالزمن على نحو يبدو كل منهما معه صورة للآخر، أو كناية عنه، أي في قول السارد: "هذه العمارة الصغيرة وهذا العالم الضيق يتسع، هناك صورة ظلّت حيّة وإن ماتت أمها، وهناك لحظات من فرح ستلتصق بالدرجات الكابية والدرابزين الذي يفقد لونه ليسجّل لون الحياة فوقه". وعلى الرغم من ندرة المتفاعلات النصيّة في الرواية، فإنَّ تلك المتفاعلات التي غالباً ما تنتمي إلى حقل دلالي واحد، الأمثال والأغاني خاصة، تسهم بدور في شعرية الرواية، بل في إلقاء المزيد من الضوء على دواخل الشخصيات. ومن أمثلتها استدعاء إلهام، في غمرة ارتعاشتها من قبلة منير الثانية، ما كانت تهدهدها به أمها في طفولتها:"يا باح، يا باح، يا عقود التفاح، ايدين إلهام الحلوين الزراف الملاح"، ومن أمثلتها أيضاً، وعلى نحو دال على وظيفة تطهيرية لعدد من تلك المتفاعلات، الأغنية التي مطلعها: "غنّي لي شوي شويّ"، بعد إخفاق علاقتها بمنير، وحلمها، عبر تقنية الاستباق، برجل يشعل معها قناديل الروح، رجل يومض الفرح في عينيه عندما تضع الصحن البرّاق بين يديه: "سيقول لي إنَّ نوراً ينبعث من سمرتي، وإنَّ شعري الذي لم يُصفّف بعناية يغريه بتمشيطه، سيعرف متى يجذبني إليه ويحيي فمي بقبلة... سأسحب أحلى مافيه من بئر العتمة العميق إلى سطح الحياة، حيث يمكن أن نغنّي بعدها بصوت قويّ عال: غنّي لي شوي شويّ.. غنّي لي وخد عينيّ". ويمكن عدّ شخصية "منير"، "العاشق الفريد الذي أحبّ نفسه حتى الموت"، نوعاً من "التناص" مع شخصية "نرسيس"، الفتى اليوناني البارع الجمال الذي ابتلته "نيميس"، إلهة الغضب العادل، بحبّ نفسه، فجعلته يرى صورته في غدير كان يشرب منه، فعشقها لتوّه، حتى هزل وهو منحن فوق الغدير، إلى أن فارق الحياة(5). ويقف القارئ في الرواية على عدد من "المناصات" ذوات الصلة بالمتداول الشعبي خاصة، من مثل وصف النساء لأم إلهام بأنها "كاملة مكمّلة"، ولعلّه من المهم هنا الإشارة إلى تلوين الروائية للفصيح من خطابات الأقوال بهذا المتداول الذي لا يكتفي بإضافة مسحة واقعية إلى الحوارات بين الشخصيات فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى طبع تلك الحوارات بروح البيئة المحلية أيضاً. وثمّة في الرواية، في هذا المجال، ما ينتمي إلى حقل "الميتانص"، أي ما يكون مندمجاً ضمن النص، وممّا يصعب على القارئ غير المكوّن تبيّن وجوده، ومن أمثلته قول السارد وهو يصف القبلة الأولى بين إلهام ومنير: "ذاقا طعم القبلة ثم كان اكتمال المعرفة، حصيلة ما عرفه البشر عن شوق الجسد الرفيع إلى الجسد"، الذي يضمر داخله إحالة على بدء التكوين حيث كان التوق إلى المعرفة المثير الأول لاكتشاف الأشياء. وتبدو اللغة مكوّناً مهماً من مكوّنات "أدبية" الرواية، كما تبدو الأحلام والرؤى حاضناً لمجمل خصائص هذا المكوّن، إذ في رحمهما تتحرّر اللغة من كونها أداة إيصال لتصبح أداة كشف تزيح عن الشخصية قشرة الواقع الجاف التي تغلّفها وتجعلها نهباً لإرادات الآخرين وتنفي إرادتها وحقها في حياة لها معنى. ولئن كانت الأحلام والرؤى بطبيعتها مرتعاً لتدفّق اللا شعور، فإنها في الرواية تبدو حاضناً لجماليات اللغة، وفضاء دالاً للتعبير عنها، ويمكن أن أمثّل لذلك بهذا المقبوس الطويل نسبياً من الحلم الثالث لإلهام: "شاطئ أزرق... فيروز القلب يمسح الهواء، أزرق فوق، أزرق تحت، والطفلة التي تلعب بالرمل، يبني بيتاً، تحفر قناة للماء.. تستحم بشعاع الشمس، ثم تحطّ ركبتيها بذهبيّ الرمل.. أزرق.. أزرق.. في سديم الأزرق تراه، طفلاً في الزاوية الأقصى من حدّ البحر، بيني.. الرمل بين يديه يصير حجارة، تقف الطفلة بذهول، تشتهي لو تمدّ يديها عبر الهواء الفاصل بينهما، لتلمس مفرق شعره، والطفل منصرف حدّ الغياب إلى الجدار الذي يعلو بين يديه"، ويمكن القول إنَّ ثمة عدداً من الأحلام والرؤى أشبه ما يكون بقصائد نثر، بفعل اللغة التي تنزاح الصورة فيها عن مرجعها الواقعي لتصير فضاء مفعماً بالدلالات، كما في هذا الجزء من الحلم السادس: "هيّا.. لا تتردّد.. اغرس نصلك حاداً في عنق الجرح المفتوح واتركه يجوس اللحم.. لا تفزع لصهيل الدم.. اعصر روحي من دمها.. صفّها حتى القطرة الأخيرة.. ثمَّ جفّفها في عين الشمس". ولولا تلك الهنات اللغوية القليلة التي لم تسلم الرواية من أذاها على غير مستوى: نحوي، وصرفي، وأسلوبي، لبدت اللغة مصفّاة جمالياً تماماً، وخالية من أيّ شائبة يمكن أن تعكّر صفو القراءة. وبعد، فإنَّ الرواية إضافة مهمة إلى تجربة سميحة خريس، كما هي إضافة مهمّة إلى التجربة الروائية العربية التي تقدّم، يوماً بعد آخر، الكثير من القرائن الدالة على تقدّمها وتطوّرها بآن. هوامش وإحالات: 1-ط1، دار أزمنة، عمّان، 2003. 2-نور الدين، صدّوق، "البداية في النص الروائي"، ط1، دار الحوار، اللاذقية 1994، ص70. 3-كذا في الأصل، والصواب: "ذي". 4-هالبرين، جون، وآخرون: "نظرية الرواية، مقالات جديدة"، ترجمة: محيي الدين صبحي،ط1، وزارة الثقافة، دمشق 1981، ص 284. 5-للتوسّع، انظر هاملتون، إديث. "الميثولوجيا". ترجمة: حنا عبود، ط1، اتحاد الكتّاب العرب، دمشق 1990، ص 129. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |