|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
جمالية المصاحبة اللغوية في مجموعة: تجليات في حضرة الورد والدم للشاعر عبد الكريم حبيب ـــ وليد العرفي يقوم الفعل الإبداعي في مجموعة "تجليات في حضرة الورد والدم" على ثنائية التناقض الذي ينكشف عن حدث إدهاشي يجذب متلقيه إلى متابعة الشاعر ليلج فضاء شعره الذي انعكس فيه هذا التناقض –التكاملي- إلى الشكل حيث يمازج الشاعر في شعره بين الشكلين: البيتي ونظام التفعيلة إذ تبدأ القصيدة التي جعل عنوانها اسماً للديوان كله والتي ستكون موضوع مقاربتنا هذه –بالمطلع الشعري البيتي حيث الاستهلال برومنسية تسترعي انتباه المتلقي وتجذبه بهذه الندائية:
ثم تبدأ القصيدة وأقول تبدأ إذ لا يغير وجود أو عدم وجود هذا المطلع في القصيدة: "ليد يؤرجحها البنفسج في حضور الياسمين/ وتغيب تبحث في الندى/ عن ظلِّ ورد لم يدنسه الأنين" حيث تتخذ القصيدة شكلاً سردياً يعتمد على القصّ عبر الحوار الفردي الذي يُشكّله الاستفهام والنداء: "أكذا تزنبق فيك إحساس الشبق/ ينمو على شطي شفه/ ويذوب في خدر الأرق يا أنت لو تدرين ما معنى الغرق/ أتظل تغرق في بساتين المدى". وترتبط البنى التركيبية في هذا النص عبر حرف العطف الواو غالباً إذ تتوالى الجمل متوازية في الوقت الذي يكون الشاعر نفسه هو الراوي والمؤثر في الحدث: أنا يا حبيبة متعبٌ فيَّ النشيد وأراكِ ترحلين في ثوبِ الضلالة للهدى أنا يا حبيبة نازفٌ فيَّ الوريد/ وأراكِ تمتهنين ما حصنته خوف العِدى فأنا الذي يخشى الورود/ وأنا الذي يشكو الصّدى" وإذا كانت القصيدة عملاً فنياً قبل كل شيء فهي بلا شك عمل يعتمد اللغة –الأداة- في نسيج النص ويتأتى عنصر الإدهاش في العمل الإبداعي مما يخلقه الشاعر في هذه اللغة من تجاوز خلاّق على نحو غير متوقع ولكنه ممتع مقنع وهذا ما تحققه المصاحبة اللغوية عبر تركيب نسيجها السياقي للنص وبما تشعُّ فيه من دلالات وإيحاءات تتجاوز فيه إمكانات اللغة العادية وشحنتها بطاقة إبداعية وهذه سمة تميز نص الشاعر: عبد الكريم الحبيب إذ تعجُّ قصيدته بمثل هذه المصاحبات اللغوية التي تقوم على عنصر ربطٍ غير متوقع من خلال التركيب الإضافي الذي يُدهش المتلقي بتجاوزه المألوف: "يا يقظة اليخضور في ذهن البراعم/ عندما تجتاحها سحبُ الغوى. مُرّي كخفق العطر عند تنهد الحبق/ مرّي بذاكرة النواقيس التي نسيتْ رنين القرع في يوم الأحد". حيث تصير البراعم إنساناً يفكّر والسحب تحسُّ وترتعش والعطر والحبق ينبضان بالحياة والنواقيس لها تاريخ (يحفظ وينسى) إنها المصاحبات اللغوية غير المألوفة للقارئ العادي، ولكنها تخلق بفضل مافيها من قوة قادرة على الإيحاء والدلالة المرمزة قادرة على خلق مناخ شعري يستطيع المتلقي من خلاله أن يتواصل مع النص ككل حيث تعتمد هذه المصاحبات على الشفافية فلا تبتعد كثيراً لتنزلق في غموض الشعر الحديث ولا تتسطح فتقع في نثرية الكلام المنظوم المقفّى. إنّها لغة الشعر التي تتشكّل فنياً كما أشار رمان ياكبسون: "من لغة تجعل من رسالة لفظية أثراً فنياً". والقصيدة تعتمد على مفتاح بيتي جاء معتمداً الغنائية باعتمادها إيقاعياً موسيقياً خفيفاً ومفتاحاً أصبح يشكل لازمة في القصيدة إذ يقول هذا المفتاح: "السلم دقّ الباب فانتفض الشهيد/ السلم دقّ الباب مَنْ يفتح/ السلم دقّ الباب فافتح يا ندى". فيأتي تكرار هذه البنية التركيبية لتشكّل بنية القصيدة المقطعيّة التي تُساعد في إحداث إيقاع لغوي آخر يردف التفعيلة من خلال هذا الترداد التكراري بقوله: "السلم دقّ الباب فانتفض الشهيد/ يجرُّ في المنفى دمه" فهذا المفتاح الذي يتألف من تركيب مسند ومسند إليه يقوم على علاقة نحوية ينتقل بين صيغة الماضي والمضارع ثم يتناوب بين التركيب الإخباري المعتمد الفعل المضارع الدال على الديمومة والاستمرار والتجدد والتركيب الوصفي الذي يشير إلى السكونية والثبات في الحدث الموصوف: "السلم دقّ الباب فانتفض الشهيد/ يجرُّ في المنفى دمه/ دمه المورّد في خدود حبيبتي كي ألثمهْ. دمه المسوّر بالتعاويذ والظنون الواهمة/ دمه المحرم آه سبحان الذي قد حرّمهْ". ولعلّ ما يكشف عنه متن هذه القصيدة اللغوي هو ممازجة الشاعر بين لغتي التراث والأصالة من جهة ولغة الحداثة والمعاصرة من جهة ثانية ففي النص (القصيدة) نفسها تتجاوز الكلمات التالية: الفلاة، النواة، قذى، الأوزار، البرية، تبّت، يراع، الغسق، المدى، الحلم، الشظايا، حضور، الألق، البنفسج، الفجر، رغبة. ولعل الأمر الأهم وهو محاولة الشاعر الاستفادة من العلوم والمعارف الأخرى وتوظيفها في حقل الأدب إذ تتناثر في لغته الكلمات التالية: فمن حقل الفلسفة: إحساس، رغبة، ذاكرة، الحلم، الأرق. ومن حقل الواقع المعيشي: الشظايا، المخبرين، إعلان. ومن حقل الدين: صلب المسيح، الكنائس، المآذن، الخطيئة، تكبير، تبّت يداك أبا لهب، الرب، يوم الأحد. ومن الأسماء والرموز: سيناء، خيبر، العرب، أبو لهب، المسيح، نوح، صلاح الدين. ولعلّ في وعي الشاعر ولا وعيه هم الإبداع الذي يريد دائماً أن يبحث عن جديد اللغة إذ الشعراء كما يرى أرشيبالدماكلش: "يدأبون دائماً على الخوض والاصطياد على حافة نهر اللغة البطيء الجريان لعلهم يعثرون على ما يمكنهم اصطياده وتسخيره لاستعمالهم الخاص". بهذا الفهم نجد أن الشاعر عبد الكريم حبيب يهتم كثيراً بانتقاء مفردته محاولاً أن يكون له أسلوبه الشعري المصفّى مما قد يعلق في ذاكرته من الشعراء الآخرين بفعل التأثير والتأثر أو توارد الأفكار لتكون له بصمته الخاصة التي لا تشبه إلاَّ نفسها ولأن هذا العمل اللغوي ليس بالأمر السهل فإنّنا نجده يستنطق اللغة بخلقه مفردات جديدة تُحدث إيحاءً وتختزن طاقة إيحائية أقدر على موازاة الفعل الإبداعي وتحريك المتلقي باشتقاق مفردات مثل: تزنبق –تسوسن. "أكذا تزنبق فيك إحساس الشبق/ أنهدت كيف تسوسن الصدر المعبأ بالشظايا من عيون المخبرين." إن قصيدة الشاعر عبد الكريم حبيب: "تجليات في حضرة الورد والدم" تتواتر فيها الوظيفة الندائية والاستفهامية والانفعالية بانتقالها من صيغة المخاطب إلى المتكلم وبالعكس: "وأنا الذي عرّيت روحي في الغسق، لأغيب مثل الشمس في هذا الأفق/ لأغيب مثل الآه تخفي لذّة الآتي الدفين/ يا أنتِ لو تدرين ما معنى الغرق إن هذا التنوع في الأساليب يجعل النص أكثر قدرة على الحركة وكسر جمود المشهد الشعري الذي يضجُّ بهذا الانتقال من وظيفةٍ إلى أخرى تحقّق في تكاملها قدرة إيحائية للنص تمنحه الوصول إلى متلقيه بأسرع رسالة وأبسطها: "قالوا: بأنَّ العين تزني إن رأت/ عورات بعض المحصنات/ أتُرى يقام على عيون العرب حد إن رأت قلم الغزاة يغوص في لُبِّ الدواة". إن ماتحمله مفردات هذا المقطع –التركيب-من رمزية شفّافة تكسب النص إيحاءً وطاقةً خلاقتين فترتبط دلالة المفردة بما يتصوره ذهن المتلقي من خلال رمزٍ عادي يشحنه تركيبه السياقي بهذه القوة في التأثير والجمال معاً. *تجليات في حضرة الورد والدم: مجموعة شعرية صدرت عن اتحاد الكتاب العرب للشاعر، دمشق 2002م، وهي أول عمل شعري له يصدر حتى الآن. |