جريدة الاسبوع الادبي العدد 997 تاريخ 11/3/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

شيفرة دافنشي: الرواية القنبلة!.. ـــ عزمي خميس

الأعمال العظيمة وحدها هي التي تثير الزوابع والعواصف، بل هي التي تُحدث الهزات والزلازل، لأنها ببساطة تأتي بالجديد والمفاجئ والمغاير، مما يهز القناعات الثابتة, ويخرق المألوف، ويقوض السائد، فيطلق دهشة الأسئلة، وينثر الشكوك، ويبث المخاوف.‏

وهذا ما فعلته الرواية القنبلة (شيفرة دافنشي) لدان براون والتي يمكن اعتبارها بكل المقاييس رواية استثنائية، ولهذا أثارت ضجة عالمية لم تهدأ حتى اليوم، بسبب مضمونها بالدرجة الأولى الذي يحفر بعمق شديد في أساسات واحد من أخطر وأدق الموضوعات حساسية، ألا وهو العقيدة المسيحية، وجذور الكنيسة الكاثوليكية، وينبش في ركام هائل من المعتقدات والأسرار، والصفحات الخفية، والموضوعات الغامضة، والأحداث التي طواها التاريخ.‏

ومن هذا الجانب من جوانب الرواية يمكن القول إنها رواية واقعية، لكنها تتحرك تحت الواقع، وخلف الظاهر من الأحداث المرئية، وتجدل وقائعها من الخيوط الباطنية التي تشد الأحداث والشخصيات، سواء في زمنها المعاصر، أوفي امتدادها، وامتداد معتقداتها السرية المتوارثة عبر آلاف السنين.‏

وحتى نقترب من هذه الرواية، فإننا نقول إنها تتشكل من مجموعة من الطبقات تتداخل وتتجاوز في مسارها على طول الرواية وتشكل نسيجها المذهل.‏

-الطبقة الأولى: هي طبقة المضامين الدينية والتاريخية.‏

-الطبقة الثانية: هي طبقة الرموز الفنية والأحاجي والشيفرات السرية الرمزية.‏

-الطبقة الثالثة: هي طبقة المسار البوليسي البالغ الإثارة والتشويق.‏

هذه الطبقات الثلاث تتناغم مع بعضها بطريقة محكمة.. وتشكل في مجموعها عملاً خارقاً للمألوف.‏

المضامين الدينية التي تطرحها الرواية لسنا بصدد مناقشتها، فهي من الحساسية والخطورة والتعقيد بحيث لا يصلح لمناقشتها وتناولها إلاَّ النخبة المتخصصة من علماء الأديان واللاهوت والعقائد القديمة والأساطير، ذلك أن الرواية في مقابل ماهو ثابت وسائد من ركائز العقيدة المسيحية منذ مئات السنين، تبحر عبر طبقة خفية وسرّية تسرد قصة المسيحية بشكل مغاير ومفاجئ وصادم أيضاً. لكن هذه القصة ليست من نسج الخيال كما يدّعي.‏

فقد ارتكز المؤلف على وثائق سرية اكتشفتها مكتبة باريس الوطنية عام 1975، وهي وثائق جمعية سيون الدينية السرية التي تأسست قبل ألف عام تقريباً في عام 1099، وهي منظمة حقيقية كان من أعضائها ليوناردو دافنشي وفيكتور هوجو، واسحق نيوتن وغيرهم.‏

ويبدو –حسب الرواية- أنها ممتدة حتى اليوم. أما العصب الرئيسي في مضمون الرواية، فهو السر الخطير، الذي تعمل جمعية سيون الدينية السرية على حمايته منذ مئات السنين، سالكة في ذلك أعقد الأساليب، ومحيطة نشاطها بكم هائل من الرموز والشيفرات والأحاجي التي لا يملك مفاتيحها إلاَّ أعضاء الجمعية، لكن هذه الرموز والشيفرات التي تشكل ستاراً حديدياً حول سرهم العظيم، هي في الوقت نفسه الدلائل الملموسة التي تبوح بهذا السرّ وتشي به.‏

وحتى لا نظل في العموميات، فإن هذا السر الذي تحرسه الجمعية –ودون الدخول في تفاصيله الخطيرة- يمكن تلخيصه كالتالي: إن السيد المسيح عليه السلام قد كان متزوجاً من مريم المجدلية، وإن هناك ذرية من هذا الزواج انتشرت في بلاد الغال (فرنسا) التي تم تهريب مريم المجدلية إليها بعد صلب المسيح، وأن هذه الحقائق كانت معروفة في الفترة من عهد المسيح وحتى إعلان الإمبراطور قسطنطين المسيحية كدين رسمي عام 325م، حيث مزج قسطنطين المسيحية بالدين الوثني الذي كان يعتنقه وهو عبادة الشمس، وقام بعقد الاجتماع المسكوني المشهور بمجمع نيقية والذي تتم فيه مناقشة مظاهر المسيحية وعقائدها وأسرارها وطبيعة المسيح، وتم التصويت في هذا الاجتماع على الموضوعات المطروحة وأقرت من خلال الأسس والقواعد المعروفة للمسيحية منذ ذلك الحين حتى اليوم.‏

أما جمعية سيون الدينية السرية فهي حامية هذا السرّ طوال السنين عبر امتلاكها الوثائق الأهلية التي تؤكد هذا السرّ وتدعمه، وتعبر عنه من خلال الرموز والشيفرات التي يبثها أعضاؤها من خلال الأعمال الفنية والأشكال المعمارية للكنائس، وكم هائل من الإشارات المبثوثة هنا وهناك، إلى أن يحين وقت الكشف عن هذا السرّ.‏

هذا هو عصب المضمون الذي تدور حوله الرواية والذي وظّف المؤلف من أجل الحديث عنه معلومات ووثائق وأسماء شخصيات ومواقع، وأحداثاً لا تخطر على البال، وهي في مجموعها الأكبر مما هو مدون في كتب التاريخ المختلفة، ومما هو شاهد حيّ وقائم كالمواقع والكنائس والمتاحف والزخارف وتفاصيل العمارة، وبقايا الآثار القديمة للحضارات البعيدة، ودياناتها المحفوظة في النقوش والتماثيل والمقابر.‏

لكنه يقرأ ذلك كله من طبقة تحت السطح الظاهر كاشفاً أسرار الرموز والإشارات ودلالاتها التي تحمل جوهر العقيدة التي يحملها أعضاء جمعية سيون، باعتبارهم حفظه سرّ الكائن المقدس، وهي رمز لمريم المجدلية التي حملت دم المسيح.‏

ورغم حساسية وخطورة المضمون الذي تحمله الرواية، إلاَّ أن غزارة التفاصيل التي ترد على لسان شخصياتها تشير إلى عشرات وربما مئات الكتب والأبحاث والوثائق باللغات الأجنبية المختلفة التي تناولت هذا الموضوع وأشبعته بحثاً ومناقشة وتحليلاً.‏

وإذا كانت هذه الطبقة من الرواية تشكل أرضاً ملغومة وشائكة وتزلّ بها الأقدام والأقلام، إلاَّ أن الطبقة الثانية وهي طبقة الرموز الفنية والأحاجي والشيفرات السرية التي تترافق مع مسار الأحداث من بداية الرواية وحتى نهايتها تفتح أمام القارئ فضاءً لا حدود له من فضاءات التأويل، وتقود عينيه نحو دروب من قراءة الأعمال الفنية لا تخطر على بال معظم الفنانين والنقاد.‏

وإذا كانت الأعمال الفنية التي تطرقت لها الرواية تنصبُّ بالأساس على أعمال ليوناردو دافنشي وخاصة الموناليزا، وبشكل أكثر خصوصية لوحة العشاء الأخير، وكذلك الحديث الغزير على أشكال البناء المختلفة، وصور القديسيين. والصور الدينية، فإن الرسائل والدلالات التي تحملها هذه الأعمال الفنية والشيفرات السرية المبثوثة فيها تأتي داعمة للمضمون الديني الذي تتحدث عنه الرواية من ناحية، ومن ناحية أخرى تقلب زاوية النظر للأعمال الفنية رأساً على عقب وتدفع للتأمل وللقراءة المختلفة والمتعمقة لما هو متوارٍ خلف الأشكال والخطوط والألوان.‏

وربما أوضح مثال على ما نقول مما تحفل به الرواية حديثها عن لوحة العشاء الأخير لليوناردو دافنشي، فالأشكال الثلاثة عشر الظاهرة في اللوحة تمثل المسيح في الوسط وعن يساره ستة من أتباعه وعن يمينه ستة آخرون. لكن ليوناردو دافنشي باعتباره كان المعلم الأكبر للجمعية السرية في زمانه، فقد بث السرّ الذي يؤمن به بشكل مذهل. فالشخص الذي يجلس على يمين المسيح ماهو إلاَّ امرأة ذات شعر أحمر كثيف ويدين ناعمتين مطويتين، وهي بذاتها مريم المجدلية زوجة المسيح، وهي ذاتها المعبر عنها بالكأس المقدسة التي حملت دم المسيح، ويدعم هذا في اللوحة أن دافنشي لم يرسم كأساً واحدة هي التي شرب منها المسيح وأسقى حوارييه، بل رسم أمام كل شخصية كأساً. أي ثلاثة عشر كأساً. ذلك أن دافنشي أراد بكل وضوح أن يشير إلى أن الكأس المقدسة في الحقيقة ليست كأساً واقعية. بل هي الإنسانة التي حملت دم المسيح كما أن اللوحة تصور المسيح والمجدلية بجانبه وكأنهما متصلان عند الورك متباعدان من الطرف العلوي وكأنهما بهذه الوضعية يرسمان شكلاً واضحاً وهو الكأس. أما كعناصر تركيبية فإن المسيح والمجدلية يكونان معاً حرفاً واضحاً هو (M) كناية عن أول حرف من كلمة مريم.‏

وتورد الرواية أن أوضح حرف (M) بلا منازع هو ذلك الذي يزين مذبح كنيسة سيدة باريس في لندن والتي صممت على يد زعيم كبير سابق لأخوية سيون وهو جان كوكتو.‏

والأمر الآخر المذهل في لوحة العشاء الأخير، هو وجود يد إضافية تظهر بين أيدي الحواريين، يد زائدة لا تخصّ أي واحد، وهذه اليد تحمل خنجراً.‏

ومثل هذه الرموز والإشارات في اللوحات وفي أشكال البناء، وخاصة الزخارف التي تمثل النجمة الخماسية، أو الزهرة ذات البتلات الخمس، وعلاقتها بالمعتقدات القديمة حول الآلهة الأنثى، والمعتقدات حول الأرقام ودلالاتها والمعادلات الرياضية والرقم 1681 الذي بنى عليه دافنشي قواعد أساسية في التشريح للجسم البشري في رسمه الشهير الرجل الفيتروفي التي تمثل أكثر اللوحات دقة من الناحية التشريحية في زمانها، كل هذا وغيره مما تحفل به الرواية، ويشكل عالماً من الألغاز والأسرار والشيفرات السرية التي تحمل معتقدات خفية تحرسها جماعة غامضة تمتد خيوط معتقداتها نحو الماسونية، ونحو الديانات الوثنية، ومعتقدات الحضارات القديمة وآلهتها المختلفة، يحفز الإنسان على إعادة النظر فيما تقع عليه عيناه، ومحاولة استقراء الأشكال والخطوط والمساحات برؤية جديدة.‏

كما أن الرواية من هذا الجانب تغوص في عالم الرموز والشيفرات بشكل هائل، خاصة وأن الشخصيتين الأساسيتين هما روبرت لانغدون أستاذ علم الرموز الدينية في جامعة هارفورد، وصوفي نوفو من قسم فك الشيفرات والرموز في الشرطة الفرنسية. حيث نراهما على امتداد الرواية يطاردان ألغازاً ورموزاً وشيفرات سرية لا حصر لها. مما يأخذ بالأنفاس فكل لغز ينكشف عن أحجية، وكل أحجية تتمخض عن رمز، وكل رمز يقود إلى شيفرة، وهكذا طوال الرواية، فالسرّ العظيم تحرسه أسوار من الأحاجي والرموز، والشيفرات المعقدة من الأشكال والحروف، وأبيات الشعر، والأرقام العشوائية والأحاجي.‏

ولهذا كان البناء البوليسي البالغ الإثارة والتشويق والذي يشكل الطبقة الثالثة من الرواية هو البناء الأنسب لها، بل لعله البناء الذي فرض نفسه على المؤلف وعلى أحداث تتسم بهذا القدر من الغموض والتعمية والتلغيز، ومن الواضح أن هذه الطبقة من الرواية، وهي جانب السرد البوليسي قد أدخل على الرواية جانب الخيال الأدبي ومزجه بشكل محكم مع بعض التاريخ، وبعض القراءة الفنية المتعمقة، وتحليل الرموز والشيفرات بشكل يخدم المسار البوليسي للأحداث، ويحقق أعظم ميزة في الرواية وهي ميزة التشويق والإثارة، وبث المفاجآت المتلاحقة، ونصب الكمائن للقارئ، وإدخاله من لغز إلى آخر الأمر الذي جعل أبرز النقاد يعتبرونها رواية بوليسية من الطراز الرفيع.‏

فهي تحتشد بتفاصيل لا حصر لها ترغم القارئ على مطاردتها، بانتظار انكشاف ألغازها، وفك طلاسمها المتلاحقة.‏

ولعل هذا الإطار البوليسي الفاتن الذي دارت الرواية من خلاله يشكل الدليل على أنها تشتمل على كم هائل من الخيال الأدبي، فالموضوع الديني الخطير الذي تناوله في الرواية وجعل منه العصب الأساسي لها، والذي وظّف من أجله الرموز والشيفرات والأحاجي، من المستحيل أن يشكل بمفرده رواية بهذه البراعة، مما يؤكد تدخل الخيال في الصياغة لإحكام بناء الرواية.‏

لقد أخذ من التاريخ أو من الوثائق أكثر القضايا إثارة لا لهدف تأكيد معتقد ما على ما يبدو، بل من أجل توظيفه في رواية بالغة الإثارة وبالغة التشويق. كما أن توظيف بعض الحقائق، أو بعض الأحداث التاريخية، أو الأسماء المعروفة، والأماكن الشهيرة في باريس ولندن وروما، هي من الأمور التي تعطي للرواية واقعية مبهرة، ويمرر المؤلف من خلالها الأحداث أو الوقائع المتخيلة على أنها أحداث حقيقية، ومن المؤكد أن المؤلف، وأي مؤلف آخر يحب أن يوهم القارئ أن حكايته واقعية.‏

وإذا كان مضمون الرواية على هذا الجانب الكبير من الخطورة والحساسية الذي أثار ردود فعل شديدة ضدها، فإن المؤكد أن معتقدات الناس وقناعاتهم الدينية بالذات لا يأخذونها من الروايات الأدبية أو البوليسية، حتى لو أثارت لديهم بعض الأسئلة، أو أحدثت لهم صدمة.‏

رواية شيفرة دافنشي، رواية هائلة بالفعل كعمل أدبي، أما الدين، أي دين، فهو شيء آخر غير التشويق والإثارة والحبكة البوليسية المذهلة!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244