|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الأجوبة المسكتة ـــ د.عبد الكريم الأشتر -1- تحفل كتب المجالس والأسمار عندنا بما يسمونه "الأجوبة المسكتة أو الأجوبة المستحسنة"، يصنفونها في فصول، أو يوردونها ضمن موضوعات أخرى، يريدون منها أحياناً الأجوبة التي يُفحَم فيها السائل أو المتحرَش. ويريدون أحياناً الأجوبة اللطيفة أو الذكية التي ينجو فيها صاحبها من المآزق، أو يخلص من مواقف الحرج. وتعتمد، في كل الأحوال، سرعة البديهة والقدرة على استيعاب المواقف، وعلى حرارة الخاطر ووضوح الرؤية، مع حسن الدخول على الأشياء وطواعية التعبير عنها. فإذا بعُدتْ عن البذاءة التي يتورط فيها بعض الناس في أجوبتهم، بقصد تخويف أصحاب النفوس المهذبة، كانت حينذاك قريبة من النفس، واسعة المدى، تتناقلها الألسنة والأقلام على مدار التاريخ، لطرافتها ودقة إدراكها وحسن تسديدها وجمال صياغتها أحياناً. صحيح أن التأني في الرد يجعله أقرب إلى الصواب وأدنى إلى استيفاء الحُكم في الكلام، ولكن بعض المواقف تستدعي سرعة الرد، وإلاَّ فات موضع إصابتها، وفقدت تأثيرها في الناس. وإنما يُحمدَ التأني في ما يستوجب "الآراء المستخرجة والأمور المستنبطة" كما يقول الشريف المرتضى (ت 436هـ)، و"تحمد السرعة في أجوبة المحاورة والمناظرة". وكان بعض الناس إذا سئل رأيه في شيء قال: "ما أحب الخبز إلا بائتاً"!.. والعرب توصي في مثل هذه المواضع بإطالة التأمل، وتبيين النظر في المسائل، وكان بعضهم يقول: "لا خير في الرأي الفَطير". ولكني أريد هنا الأجوبة المستحسنة التي تستدعي المحاورة أو المفاخرة، أو تتطلبها حرارة بعض المواقف الإنسانية أو المضايق الفكرية، على نحو ما ردّ به الإمام علي بن أبي طالب على من سأله: كم بين السماء والأرض؟ فقال: "دعوة مستجابة"! وعلى من سأله: ما طعم الماء؟ فأجاب: "طعم الحياة"!.. وعلى من سأله: كم بين المشرق والمغرب؟ فقال: "مسيرة يوم للشمس"! وللشعوب في هذه المسألة أحكام. فالشائع اليوم أن المصريين أسرع العرب جواباً، والشاميين يأتون بعدهم. ولحظت أن الحلبيين أبطأ منهم في الرد. وأعرف منهم أناساً فاتهم الرد السريع في بعض المواقف، فعاشوا زمناً يلومون أنفسهم، ويصيبهم الحزن كلما عاودتهم ذكراها. على أنه يصعب أن تطلق تلك الأحكام العامة على الشعوب، إلا أن يكون ذلك على وجه التغليب. فإني أعرف في المصريين من يبطئ به الرد، وأعرف في الشاميين من يتخطون المصريين في سرعة الحضور وقوة البداهة. فمن باب التغليب إذن كانت العرب تقول: "أحسن الناس جواباً وأحضرهم قريش، ثم العرب. وإن الموالي تأتي أجوبتها بعد فكرة وروية". فمن الردود المستحسنة التي أذكرها هنا: ردَّ الأحنف بن قيس على معاوية لما استشاره في عقْدِ البيعة لابنه يزيد، فقال له الأحنف: "أنت أعلم بليله ونهاره"! وردّ أحد المصلّين، وقد رآه بعضهم يصلِّي صلاة خفيفة، فقالوا له: ما هذه الصلاة؟ فأجاب: "صلاة ليس فيها رياء"! وسأل الحجّاج رجلاً من الخوارج: ما تقول في عبد الملك بن مروان؟ فأجاب: "وما أقول في رجل أنت خطيئة فمن خطاياه"! وقال يحيى بن خالد البرمكي (ت 190هـ) لشَريك القاضي (ت 177هـ)، "علّمنا مما علّمك الله يا أبا عبد الله"! فقال له شَريك: "إذا عملتم بما تعلمون علَّمناكم ما تجهلون"! وقال رجل لعمرو بن العاص: "لأتفرغنّ لك. فأجابه عمرو: "إذن وقعتَ في الشُّغل"! ودخلتْ وفود على عمرو بن عبد العزيز، فنهض فتى منهم يريد الكلام، فقال له عمر: "ليتكلم أكبركم". فقال الفتى: "إن قريشاً لترى فيها من هو أسنّ منك"! فقال له عمر: "تكلم يا فتى"! وقال بعض الخلفاء لرجل رآه في الكعبة يدعو: "سلْني حاجتك"! فقال: "لا أسأل في بيت الله غير الله"!.. فهذا الذي ذكرته موجود كله في الكتب. والذي أردته أن أجعل القارئ على صلة بجانبٍ حيٍّ منها، يوشك أن يكون موصولاً بحياته اليومية وما يقع فيها من أخذ وردّ، وسؤال وجواب. -2- وفي المكتبة العربية كتاب في الأسمار اسمه: (الإمتاع والمؤانسة)، كتبه كاتب عصره في القرن الرابع الهجري، واسمه: "أبو حيان التوحيدي (ت 401هـ). كثير الفوائد، منوّع الموضوعات، جميل المطارحة، كان التوحيدي حدّث به وزيراً من وزراء زمانه في دولة البويهيين من الديلم (الفرس)، على مدى أربعين ليلة. ثم سأله أحدَ نَدامى الوزير. فجمع له هذه الأحاديث والأسمار، ووزّعها على الليالي الأربعين، وقدمه إليه. لغة الكتاب فريدة، بالغة الحساسية، تميل إلى الترادف على نحوٍ يكشف عن غنى المحفوظ وخصب الطبع معاً. وربما ولّد الحرص على الترادف وجوهاً من الإبداع في الصياغة والتصوير. تصدق هذه الصفات في شتى الموضوعات التي خرجت إليها الأحاديث، في الفلسفة والمنطق واللغة والرواية والسمر وتحليل الشخصيات ووصف الأساليب ونقد الرجال. * فمن أطرف ليالي الكتاب وأدلّها على غنى ذخيرة أبي حيان من الروايات، الليلةُ قبل الأخيرة، سأله الوزير أن يكون الحديث فيها عن الأجوبة الحاضرة التي تدل على قوة البداهة وسرعة الخاطر وقدرة الإحاطة بمعاني الكلام ومراميه البعيدة، وذكاء الرد في المواقف الضيقة، تأييداً للقول المأثور الذي نقله أبو حيان: "أحسن الجواب ماكان حاضراً، مع إصابة المعنى وإيجاز اللفظ وبلوغ الحُجة". ومثاله رد الذي سأله الخليفةُ سليمان بن عبد الملك: "أين يضع الحجاج [الذي رمى الكعبة-73هـ]"؟ فقال: "يجيء يوم القيامة بين أبيك وأخيك، فضعه حيث شئت"! ومثله رد بثينة محبوبة الشاعر العذري جميل، وقد دخلتْ على الخليفة عبد الملك بن مروان، في شيخوختها، فنظر إليها، وسألها: "ويحكِ! ما وجد فيك جميل حتى أحبك هذا الحب"؟ فقالت: "ما وجدتْ فيك الأمّة حين ولّتك أمرها"! ورد الحجّاج على خالد بن يزيد بن معاوية، وقد سأله خالد: "إلى متى تقتل أهل العراق"؟ فردّ الحجاج: "إلى أن يكفّوا عن قولهم في أبيك: إنه كان يشرب الخمر"!.. ومثله أيضاً ردّ عقيل أخي الإمام علي بن أبي طالب، على معاوية حين قال وهو يشير إليه: "هذا عَقيل، عمه أبو لهب". فرد عَقيل: "وهذا معاوية عمّته حمّالة الحطب (أخت أبي سفيان)"!. وردّ الجارية على عمرو بن العاص، حين مرت به، وعلى رأسها طبق مغطّى، فسألها: "ما على الطبق يا جارية"؟ فردت: "فلمَ غطيناه إذن"! وردّ عمر بن عبد العزيز على من سأله: "ما تقول في على وعثمان، وحرب الجمل وصفّين"؟ فقال: "تلك دماء كفّ الله يدي عنها، فأنا أكره أن أغمس لساني فيها"! *** إن ما أريده من هذا الحديث هو ما كنت أشرت إليه: أن أغري القارئ بالرجوع إلى هذه الكتب، وبالنظر فيها والإفادة منها، فإن فيها خيراً كثيراً ليست هذه الطرف إلا جانباً ضئيلاً منها، وجوانب الجِدّ أغنى وأشد استثارة. ثم إن في كتب الأسمار من حلاوة الحديث، وغنى المعارف، ومن قدرات التعبير وجماله، ما يجعل من مطالعتها نزهة فكرية. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |