جريدة الاسبوع الادبي العدد 997 تاريخ 11/3/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

همسات لغوية "اليَدُ" من الحقيقة إلى المجاز ـــ جرجس ناصيف

لم آتِ بجديد إذا قلت إنَّ الحقيقة في معاني المفردات العَربية هي أسبق من المجاز فيها، وإنَّ للمجاز علاقة ما تربطه بالحقيقة، وإنه واحدة من وسائل توسّع هذه اللغة الفاضلة، ودوري هنا أن أقدّم بعض الأمثلة، ولتكن "اليد" أوّلاً:‏

1-في اللّغة: "اليَد" اسم ثلاثيّ حُذِفَت فاؤه تخفيفاً، وهيَ الياء بدليل أنه يثنّى على "يَدَيين" كما يثنّى على "يَدَين"، ويُجْمَع على "الأيدي والأيادي واليُدي" ويُصغَّر على "يُدَيّة".‏

2-في المعنى الحقيقيّ: إنما وُضِعَت "اليد" في أوّل ما وُضِعَت للدّلالة على كفّ الإنسان بما فيها من أصابع، أو على كلّ من طرفيه العُلويّين المُمْتدّين بين الكتف ونهاية الأصابع، أو على كلّ من الطّرفين الأماميّين للحيوان ذي القوائم الأربع، يقول المثل القديم: "يداك أوكتا وفوك نفخ"، ويقول آخر: "يَدُكَ منك وإن كانت شَلاّء".‏

3-في المجاز: لما كان ليَدِ الإنسان تلك الأهميّة الكبرى في حياته إذ بها يأخذ وبها يعطي، أو قل بها يعمل كلّ شيء، فقد كثر تداولها في اللّغة، ومع الأيّام أخذت تلبس غير لبوسها وتتزيّا بغير أزيائها، فدلّت على معان مجازيّة كثيرة يكاد لا يسعها التّحرّي، وماكان كلّ ذلك إلا بقرائن تربط المجاز المستجدّ فيها بالحقيقة التي وُضِعت لها، وسنذكر طَرَفاً من ذلك:‏

استعيرت "اليَدُ" لمعنى النِّعمة لأنّها الوسيلة إليها، فالنِّعم تُقَدَّم بالأيدي، فنقول: "لفلان عليَّ أيادٍ كثيرة"، وقال الطِّرِمّاح قديماً في ممدوحه:‏

لهُ عليَّ أيادٍ لَسْتُ أكفرها * * وإنّما الكُفْرُ أن لا نشكُرَ النِّعَمَا‏

وفي أمثلة ثانية نجدها قد انزاحت إلى معنى الوسيلة أو الوساطة لأنها في الحَقّ وسيلة الإنسان إلى ما يريد، فنقول: "هل من يدٍ لك إلى فلان، أو إلى عمل ما؟" أي وسيلة أو طريقة، وقال الأقدمون: "مالك به يدانِ"، و"لا يَدَي لكَ بهِ" أي لا وسيلة تمكنّكَ من فعله.‏

وفي الأمثلة التّالية نرى "اليَدَ" قد لبست لبوسَ القوّة والسّلطان، لأنّه لا قدرة لمن لا يملك اليَدين، فنقول: "ليس لي عليكَ يَد" أي سلطة، ومن ذلك قول الشَّاعر:‏

ومامن يَدٍ إلاَّ يدُ اللهِ فوقَها * * ولا ظالمٌ إلاَّ سيُبلى بأَظْلَم‏

وفي أمثلة أخرى نراها تلبس لبوس الإرادة والعُهدة والتّملك لأنّها الوسيلة أيضاً إلى تنفيذ مشيئة الشّائي وتملّك المتُملِّك، فنقول: "أمري بَيدك"، وإلى ذلك وغيره فهناك معان كثيرة تُستفاد من التّراكيب المختلفة التي تكون اليد فيها لبنة الأساس، نذكر من ذلك أمثلة:‏

قال حافظ إبراهيم:‏

هذي يدي عن بني مصر تصافحكم * * فصافحوها تصافح نفسها العَرَب‏

فدلّ بذلك على أن المصافحة بالأيدي رمز للإخاء والمحبّة، وتقول "نحن يدٌ على أعدائنا"، أي متعاونون وموَحّدون، ويقال: "فلان طويل اليَدِ" أي سارق، و"يدُ فلان أقصر من أنفه" أي عاجز، وفي المثل "ذهبوا أيدي سبا" أي تفرّقوا (وسبا بلدة في اليمن تفرّق أهلها لمّا أُنذروا بسيل العَرِم)، ومن ذلك قول الأعشى في فاجعة انهيار سدّ مأرب:‏

فصاروا أياديَ لا يقدُرو * * نَ منهُ على رَيِّ طِفلٍ فطِمْ‏

فدلّ بذلك على أن المصافحة بالأيدي ومن للإخاء والمحبذة، ونقول: "نحنُ يدٌ على أعدائنا"، أي متعاونون وموَحّدون. ويقال: "فلان طويل اليَدِ" أي سارق، و"يدُ فلان أقصرَ من أنفه" أي عاجز، وفي المثل "ذهبوا أيدي سبا" أي تفرّقوا (وسبا بلدة فياليمن تفرّق أهلها لما أُنذروا بسيلِ العَرِم)، ومن ذلك قول الأعشى في فاجعة انهيار سدِّ مأرب:‏

فصاروا أياديَ لا يقدُرو * * نَ منهُ على رَيِّ طِفلٍ خطِمْ‏

ولو شئنا لأطلنا في إيرادِ الكثير من المعاني المجازيّة لهذه الكلمة، فاكتفينا بذلك.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244