|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
أنا والمكان ـــ هيفاء بيطار حين أنظر إلى حياتي نظرة بانورامية، تستوقفني حادثتان: الأولى: تبليط البحر، والثانية يوم قررت الكتابة. كانت اللاذقية تتمتع بسلسلة مقاهٍ بحريةٍ فاتنة، وكانت تلك المقاهي بمثابة رئة للمدينة ومتنفس لأهلها، أذكرُ تلك المقاهي التي كانت تغصُّ بالناس دوماً، أذكرُ صحون اللوز المبّردِ بالثلج والبيرة والمشاوي اللذيذة. وكان باستطاعتنا نحن الأطفال أن نمَّد أيدينا من خلال سور الحبال الثخينة الذي يفصلنا عن البحر، فنداعب زَبَده، ونرمي فتات الخبز للأسماك الصغيرة التي تسارعُ لالتقاطها. وعند الغروب كنا نمشي مشوارَ الكورنيش قاصدين الفنار الحجري العالي، كان هذا المشوار أحد طقوس عيشنا في اللاذقية، إلى أن أتى يوم في عام 1980 فوجئنا بآلات جهنمية تعمل ليلَ نهارَ في هدم المقاهي وطردِ البحر أذكر ذلك اليومَ حين وقف سكانُ اللاذقية يتابعون بصمتٍ وبعيون خرساء كيف يُردم البحر ويُنفى بعيداً حاملاً معه أفراحهم وأحلامهم. وتحولت المقاهي الجميلةُ إلى بحرٍ من الإسمنت تعبُرُه دوماً شاحنات ضخمةٌ وتعلوه حاوياتٌ معدنية كبيرة لم نفهم لماذا شُوهت المدنيةُ هكذا!! الحجةُ التي قُدّمتْ لنا هي توسيعُ المرفأ. لكننا لم نلحظ أية حركة تجارية وحيوية في اللاذقية. مالم أستطع فهمه أن ذاكرتي بدأت تضعف منذ تبليط البحر، ترى هل كان البحر حاضنةً لذاكرتي!. الحادثةُ الثانية هي يومَ قررتُ الكتابةَ... ترى هل كانت مصادفةً مُلّغزةً أن تتزامن الكتابةُ مع دعوى الطلاقِ؟ وبسؤالٍ أكثر مباشرةً هل كنتُ لأكتبَ لولا الطلاق؟ سؤال استفزّني كثيراً، ولم أعرف كيف أجيبُ عنه لكني حين أعودُ إلى ذلك الزمن الذي يرشح بالوجعِ أتذكر أنني كنتُ في الخامسة والعشرين من عمري، وفي بدايةِ مشواري المهني كطبيبة عيون، لديَّ طفلة لم تُكمل عامها الأول، وكنتُ قد رفعتُ دعوى طلاقٍ لاستحالةِ الحياة الزوجية، كنتُ مصدومةً من ذلك الوضع الذي وجدتُ نفسي فيه، ومما زاد من ألمي وإحساسي بالنبذ ليس لأن الناس ينظرون للمطلقة كفاشلة، وسيئة الحظ، ويقلّ احترامهم لها، وتستدر شفقتهم الكريهة. بل لأنني لم أكن أملك أية أسلحةٍ لأتعامل مع هذا الوضع الجديد. لم تكن لدي خبرة حياتية هامة. فقد عشت حياتي براحةٍ تامة واستقرار أحسد عليه، نشأتُ في أسرة شبه مثالية، من والدين متعلمين مثقفين، أمي أستاذةً في الفلسفة، وأبي أستاذٌ في اللغة العربية، وكان لهما الفضل أنني منذ طفولتي وقعت في هوى القراءة، فما كنتُ قادرةً على عيشٍ يومي دونَ رفقةِ كتابٍ. بدأتُ معاناتي الأبدية مع المحاكم الروحية المسيحية التي حكمت عليَّ بالهجرِ لمدةِ سبع سنوات. عشتُ هذه السنوات السبعَ ملتهبةً بالغضب والرفضِ والإحساس بالظلم. لكنّ هذه السنوات كانت بمثابة مخاض طويل ورائع لأتحوَّل إلى كاتبةٍ لقد ساعدتني هذه السنوات أن أفكَّك نفسي قطعةً قطعة، وأعيد تركيبها على ضوءِ الحقيقةِ الأصلية التي يوصلُنا إليها الألمُ وحدَه. كانت هذه السنوات ضروريةً أيضاً لفهم العالم. ولا يمكنُ أن أنسى ذلك اليومَ الربيعيَ، وكان قد مضى أربعُ سنوات على الهجرِ، استيقظتُ باكراً وإحساسٌ طاغٍ بالضيق يضغطُ على صدري، ودون أن أعرفَ ما الذي سأفعلهُ بيومي، وجدتُني أخطفُ أحد دفاتر ابنتي المدرسية وأنطلقُ بقلبٍ مرتعشٍ بهوى غريبٍ إلى شاليه على البحر يملكها والدي، وجلستُ إلى الأوراقِ وبجانبي القهوةُ المرّةُ التي لها طعمُ أحزاني. وبيومٍ واحدٍ كتبتُ أولى رواياتي وهي "يومياتُ مطلَّقة". ولم أخجل يوماً من الاعتراف للجميع أنني كتبتُ أولى رواياتي بيومٍ واحد. لأنها كانت مكتوبة سلفاً في عقلي. وكانت عمليةُ الكتابةِ مثلَ عمليةِ تظهير مسودّةِ الصورة. في الواقع تزامنتْ أزمةُ سنواتِ الهجرِ، وأنا لستُ معلّقةً ولا مطلّقةً مع بداية عملي المهني كطبيبة عيون في مشفى حكومي. كنتُ أعيشُ متأرجحةً دوماً مابين الأحلامِ الكبيرةِ والواقعِ المُرّ. وأجدُ نفسي مضطرةً للتوازن كما تتوازنُ ملعقةٌ على حافةِ كأسٍ كنتُ ولا أزالُ أعمل في مشفى غاية في التخلّف والفوضى والقذارةِ. ومما كان يزيدُ من إحباطي وإحباط زملائي أن الوضع كان يزدادُ سوءاً مع الزمن. ففي البداية كانت الأدوية متوفرةً للمرضى، أما فيما بعد فصارَ المشفى خالياً من الأدوية إلا من بعض الأدوية الإسعافية الضرورية وحدث تزايد سرطاني في عدد الموظفين من أطباء وممرضات تطبيقاً لسياسة الاستيعاب! مما جعل البطالة تعيش عصرها الذهبي. كنتُ أتفرّجُ بعينينِ مترعتين بالأسى على الأطباء والممرضات يُحتضرون من ضجر البطالةِ. وكان هذا الوضعُ المزري يدفعُنا للهروب خارج المشفى. كانت بعضُ الأجهزةِ تحتاج إلى سنواتٍ طويلةٍ لإصلاحها. ولا يزالُ جهاز اللازر الخاصُ بعلاجِ الشبكية معطلاً منذُ تسعِ سنوات! لم يتم إصلاحه ولا شراء جهازٍ جديدٍ حتى الآن. إحباط العمل كان يوازيه إحباطٌ من نوع آخر يزيده أهميةً هو الإحباط الاجتماعي. كنتُ ألاحظ تلك الشخصيات المتشكلة نهائياً وغير القابلة للحوار. كلُ واحد يرفض الآخر بشراسته. وأمامَ هذا الانغلاق والتشكل النهائي للشخصيات تتوقف محاولات الإقناع ويصبحُ الحوارُ مستحيلاً. كان الناسُ مولعين بأحكام القيمة كل منهم يرغب في أن يكون ديّاناً للآخرين. لقد ساعدتني سنواتُ الهجرُ كي أفهم بدقةٍ عقلية الناس هنا. تحديداً نظرتُهم المجحفة بحق المرأة فكانوا ينظرونَ إلى المرأة التي تجرؤ وتتمرد على النمط الذي يريدونها أن تكونه على أنها شاذةٌ وغير طبيعية، بل إنها ناقصةُ الأنوثة، لكأنَّ الأنوثة تعني الخضوع، وتنبّهتُ كيف يستخدم مفهوم الأمومة لتدجين المرأة، فما المبالغةُ في إعلاء الأمومة كقيمةٍ عليا يجبُ أن تضحي المرأة في سبيلها بتميزها الخاص إلا شكلٌ مخادعٌ لسحق المرأة. إذ إن المجتمع يصور لنا أن الإبداع وتحقيق المرأة لذاتها يتعارضان مع الأمومة. بل إن المرأة ذات الطموح تُتهم بالاسترجال وتكون غير مرغوبة في سوق التجار. ربما الشيء الوحيد الذي نجحتُ فيه هو كوني لم أكن كما يريدون، بل خلقت ذاتي غير آبهةٍ بتقييمهم. كان العالم حولي فقيراً لدرجة مرعبةٍ، فلا نشاطات ثقافية حقيقية، لا مسرح، لا سينما، لا يوجد في اللاذقية سوى صالات سينما عتيقة تعرض منذ ثلاثين عاماً الأفلام القديمة ذاتها، وهي بيت الأرواح (لإيلندي)-الملك لير-رسائل شفهية، سيرانو دو بيرجوراك،... وحتى النشاطات الثقافية فهي من نوع التطبيع والغزو الثقافي، وكيف نقول لا لأمريكا... ....الخ... لم أدخل عالم الكتابة بشكل هادئ ومتوازن، بل دخلت عالمها بنهمٍ غريبٍ كما لو أنها المخلّص الوحيد من الجنون أو الموتِ الروحي، في عالمٍ يسبّحُ التفاهة ويُذيبُ كل إحساسٍ بالجمال والفكر لكن ما أن رميتُ نفسي في محيط الكتابة حتى بدأت معاناةً من نوع آخر، ففي البداية كنتُ أجدُ صعوبةً في إيجاد تعابير موفقة لأحاسيسي وأفكاري، وكنتُ أظنُ أنني أعاني من مشكلةٍ مع اللغة وضعف في قدرتي على تطويعها، ثم اكتشفتُ بعد أن أخضعتُ نفسي للفحص العميق والتأمل الطويل إن مشكلتي ليست مع اللغة بل في أفكاري ذاتها المبطّنة بالخوف والرغبة بالمصالحة أو المراعاة للعقلية السائدة، وحين قررتُ التحرر من سطوةِ تلك العقلية صرتُ أمتلك لغةً طيّعةً، تفوح منها رائحة الحياة. لقد عشتُ في اللاذقية –ولا أزال-شاعرةً كل لحظةٍ بوجع الإنسان المسحوق منّي، وقلبي مفعمٌ بالدموع وأنا أرى تلك المدينة المُنتهكة القذرة، والمُهملة، وأتفرّج على الناس غارقين في البطالة والتفاهة والاستسلام لحياة رديئةٍ، كنتُ أتأملُ أفواجاً لا نهائية وأبدية من مراهقين وشبان وكهولٍ يقضون ساعاتٍ طويلة يومياً يدخنون الأركيلة ويلوكون أحاديثَ تتكررُ أبداً، عن شحّ الراتب الذي لا يتجاوز مئة وخمسين دولار لحامل الشهادة الجامعية! وراتبي لا يتجاوز 300 دولار في المشفى الحكومي الذي أعملُ به منذ 18 عاماً. ثمانية عشر عاماً. حديثُ الناس الأبدي عبارةٌ عن شكوى طويلةٍ لا تنتهي يحسون بانفراجٍ نفسي وهم يتحدثون عن انتهاك اللصوص المتنفذين الذين يحكمون حياتهم. لكنهم في الوقت ذاته يُظهرون لهؤلاء اللصوص كل تقدير وتبجيل حين تضطرهم الظروف للتعامل معهم. أمام هذا القبح والانتهاك لقدسية الحياة كنت أبحث بإصرار عن مخلّصٍ وكانت الكتابة وحدها مخلصي أهرعُ إليها لأن روحي بحاجة لعون، عونٍ لا يستطيع البشر تقديمه لي. كم من الساعات الطويلة قضيتها في مقاهٍ بحرية أسرح في الأزرق اللامتناهي، محاولةً أن أجد لنفسي هويةً في مجتمعٍ يحتقرُ الفكر الحر ويحاربه ويتهمه بالخيانة واللا انتماء. في هذه المدينة أصادقُ الأفكار والبحر، وأحاول أن أكون شاهدةً عصرٍ، أن أنقل أوجاع وأحلام المُهمّشين الذين يعجزون عن إيصال صوتهم.. إذ لا أحد يبالي بهم. لكني ما إن بدأتُ بنشر كتاباتي حتى هبَّ الجميع ليمارسوا تأثيراً توجيهياً عليَّ من أقرب الناس لي –أبي- الذي كان معارضاً بشدة لنشر روايتي الأولى "يوميات مطلقة" بحجة أنه لا يحق لي تناول رجال الدين بتلك الطريقة، ولا يحق لي أن أحكي عن خصوصيات أسرتنا وأنشرها على الملأ. لكن إلى أي حدّ كنتُ حرّةً في كتاباتي، الآن أتأمل بشيء من حرارةٍ كتبي التي تزيد عن العشرين بين قصة قصيرة ورواية، وأجدُ أنني كنتُ أكتب في فضاءٍ كالقفص، يحيطُ بي ضباب من الخوف والحذر. كتبتُ الكثير من القصص القصيرة عن أشخاصٍ بلا أسماء ومدنٍ بلا جغرافيا ولا اسم. كتبتُ روايتي (نسر بجناح وحيد) التي تحكي عن إحباط جيل من الشباب الجامعيين الذين يضنيهم البحث عن الوظيفة وتذلهم الرشوة للحصول عليها. وكان بطل روايتي الدكتور كريم الذي يعمل في المشفى الوطني الذي أعمل فيه لكني لم أجرؤ أن أسمي المشفى باسمه بل سميته مشفى الرخام أي من الخارج رخام ومن الداخل سخام. لقد صرت فنانة في فن التواري وراء الكلمات وفي فن المواربة. أذكر ذلك اليوم حين قررتُ الكتابة بجرأة كاملة فرميتُ خوفي ورائي. وكتبتُ عدة صفحاتٍ أشبه بقصة طويلة عن انتهاكات أحد المسؤولين الكبار، ودفنتُ الأوراق في قاع خزانتي بعد تلك الكتابة بثلاثة أشهر، استيقظت من عز ّالنوم بحالة ذعر وأسرعت إلى مخبأ الأوراق دون أن أشعل النور حتى، ومزّقتها نتفاً. نبهتني تلك الحادثة إلى أي حدٍّ يعشش الخوف في أعماقي، حتى في الأشهر الأخيرة حين بدأت الآمال تدغدغنا وبأننا بدأنا نكسر حواجز الخوف، ونسير بخطى حثيثة نحو حرية التفكير والتعبير. دبّت فيَّ حماسته وبدأت أكتب عن بعض مظاهر فساد القضاء لكن لم تُنشر أي من هذه المقالات في الصحف الرسمية في سورية حتى أن أحد الأصدقاء حذّرني قائلاً بأنه ممنوع تماماً الكتابة عن القضاء، وإلا سألاحق بجرم جزائي!.. لكن في الحقيقة أنَّ الكتابة جعلت حياتي محتملةً، جعلتني أخلق واقعاً فوق واقع. بالكتابة وحدها أشعر أني أحيا وأني سيدة نفسي أشعر أني خالقة، وأعبر من ضفة التفاهة إلى ضفة الإبداع، علمتني الكتابة كيف أحوّلُ القفصَ الذي أعيشُ فيه إلى فضاءٍ بلا حدود. وأخيراً أتمنى أن أكونَ قد استطعتُ أن أعبَّر عن علاقتي بالمكان فهذا المكان رغم فقره، وشحه الفكري والإبداعي جعلني أنبش بإصرارٍ داخل نفسي وحولي، لأكتشف أن هناك ينابيع خفية وأصيلة تكمن داخل النفس، وأن مسؤولية المفكر أو المبدع أن يعيش عمره منقّباً عن تلك الينابيع الخفية التي لا يمكن أن تجف. لن أطيل يحضرني قولاً لأندريه جيد: غاية الحياة هي الفن؟.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |