جريدة الاسبوع الادبي العدد 997 تاريخ 11/3/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

بنات شهرزاد هنري تروبات: تحدي أولغا ـــ نبيل سليمان

كيف يمكن لمن بلغت الثمانين أن تصير كاتبة؟‏

هذا هو السؤال المركزي الذي تطرحه رواية الفرنسي هنري تروبات (تحدي أولغا) والتي ترجمتها نادية شومان. ويتصالب هذا السؤال مع سؤال الرواية الآخر –والمركزي أيضاً- عن فعل سقوط الاتحاد السوفياتي في الجماعة الروسية في فرنسا، والتي هجرت وطنها أو هُجِّرتْ منه بعد ثورة أكتوبر 1917.‏

فبطلة الرواية أولغا كورجانوفا غادرت الوطن صغيرة مع أهلها عام 1920، وكانت ترطن بالفرنسية التي ستصير لغتها، ولكن دون أن تنسى أو تهمل لغتها الأصلية، كواحدة من علامات الانتماء وإشكالياته بين هويتين وطنيتين. وقد أجبرت أولغا ابنها على تعلم الروسية، وهو الذي سيجسد صيغة أخرى لإشكالية الانتماء كابن لأب فرنسي ولأم روسية، وبالتالي كواحد ممن تلوا الجيل المهاجر الأول.‏

نشأت أولغا في مدرسة روسية داخلية أرستقراطية في كيروا. وتشبعت بإجلال روسيا القديمة والدين والأخلاق والأعراف وبتبجيل العائلة الإمبراطورية. ولم تكتشف أولغا فرنسا إلا بعدما غادرت تلك المدرسة التي تحول إليها قصر كيروا. وسرعان ما عصف بها الحب مع المهندس الفرنسي فيكتور دو لاريوفا فتزوجا. وبعد ولادة بوريس بدأت تكتب ذكرياتها في قصر كيروا وما التقطته ممن يكبرونها، بتأثير من قراءاتها لمشاهير الكتاب الروس.‏

من ذلك الماضي (السحيق) تنطلق الرواية إلى الحاضر إبان سقوط الاتحاد السوفياتي. وبين الشخصي والعام في هذا الحاضر تروح الرواية وتجيء، وعبر ذلك يتوالى مما انطلقت ما يستدعيه هذا الحاضر. وسيكون الحوار بين الشخصيات الرافعة المميزة للرواية، كالذي ابتدأت به بوريس وأمه، وهو الذي أورثته نشأته وحيد أمه هشاشةً وحياة عاطفية معقدة.‏

إنه يشكو لأمه موقعه بين زوجته السابقة كارولين وصديقته فيفيان اللتين افتتحتا معه مطعم جوجول. وهذا المطعم الذي يقدم الوجبات الروسية ويستقطب المهاجرين الروس، يبدو الفضاء الصغير لإشكالية الانتماء ولعلاقات الشخصيات الأساسية، وسط الفضاء الأكبر المنداح بين فرنسا وروسيا. أما شكوى بوريس لأمه فهو من المرأتين اللتين تحابتا وأقامتا معاً، فكان عليه أن يعود إلى حضن أمه وهو في التاسعة والخمسين.‏

إبان ذلك يظهر ديمترييف ذو الأصل الروسي –في الخامسة والخمسين أيضاً- والذي يترجم من الروسية للفرنسية، ويقترح على أولغا ترجمة ما قرأه لها، لكنها تستسخف الاقتراح، وهي المفعمة باحتقار مواطنيها السوفييت، وتراهم جميعاً جواسيس ومخبرين، وتحرض ابنها عليهم.‏

إنها كما عبرت تنتسب إلى زمنٍ آخر، إلى زمن مدرسة/قصر كيروا. وهاهي ترجمة ديمترييف لقصتها (آنسات القصر) تنقلها من ذلك الزمن إلى الشيخوخة. والقصة التي كتبتها في السادسة والعشرين سيرية تتعلق بها وبزميلاتها في كيروا. وقد أعجبتها الترجمة فاستجابت لاقتراح المترجم بتوسيعها لتصير رواية. وهكذا صدرت رواية أولغا الأولى (آنسات القصر) عن ذلك العالم الصغير المعزول الذي يجهله الفرنسيون: عالم المهاجرين الروس.‏

قلب نجاح الرواية الباهر حياة العجوز التي كانت تنتظر الموت بهدوء. وتبرع أولغا في لقاء تلفزيوني حول الرواية وتصير شخصية عامة، وهي تتمنى النجاح وتخشاه. وفي ندوة حول الرواية تعلن أن ما تبقى من روسيا التي تخصها وتنتسب إليها إنما يقع في فرنسا "أما هناك فليست تلك روسيا، بالأحرى لم تعد روسيا. إنها بديل مسخ اخترعه لينين، شيء بغيض نفسياً وتاريخياً ومن واجب كل روسي حقيقي أن ينكره". وعلى الرغم من ذلك تأسف أولغا لأن روايتها الأولى نشرت بالفرنسية. وبتحريض من الناشر والمترجم تنبض دفاترها القديمة وتمضي في مشروع رواية جديدة كجزء ثانٍ للأولى. ومن أجل المشروع (تحج) إلى قصر كيروا فإذا بالمدرسة التي كأنها صارت ثكنة عسكرية. وتوقظ الصدمة أولغا فتنهمر ذكرياتها، وتحقق روايتها الثانية (سارقة البريق) مثل نجاح الأولى. ويتوالى الطلب على رواية ثالثة، لكن أولغا ترى نفسها صفر اليدين وتخاطب ابنها "أشعر يا بوري أني أطلقت آخر رصاصاتي".‏

لم تكن العجوز تنشد سوى مرور الساعات المتشابهة، وإذا بها تحمل هم الكتابة ليل نهار "إنه عذاب رهيف كنقطة الماء التي تنخر الصخر". لكن أولغا تدرك أن النبع جفّ" ولم أعد صالحة لأكثر من ترقيع ما كتبت في الماضي". وإذ يقترح بوريس موضوع الرواية الثالثة بأن تعود أمه إلى روسيا ولو لأسبوعين ثم تكتب، لكنها ترفض. وكان ذلك إبان صيف 1991 الذي انطلقت فيه المظاهرات في موسكو رافعة العلم الروسي وصور القيصر نقولا الثاني. لكن أولغا التي تغبط من تمتعوا بنعمة النسيان، أولغا صاحبة الممحاة المهترئة، لا يطمئنها إلا أن يُطرد لينين من ضريحه. وتخشى ارتداد الأجيال التي تربت على الماركسية، ويملؤها الخوف على ابنها وعلى الشعب الروسي بعد موتها، ولا يطمئنها يلتسين الذي تراه فلاحاً روسياً متشدقاً. وهنا تتوتر إشكالية الهوية والانتماء. فبوريس الذي نصفه روسي ونصفه فرنسي يذهب عكس ما تذهب أمه إليه. وأولغا رغم التشنج والتكلس والعصبوية ترد على خطاب دار التقدم السوفياتية لنشر روايتها الأولى، بأن يفعلوا ما يشاؤون. ومن بعد، حين تقارن بين الطبعة الروسية الفقيرة من روايتها، والطبعة الفرنسية الباذخة، تبدو هي أشبه بأم ترعى طفلين، أحدهما عليل والآخر يتفجر صحة، فتنجذب إلى العليل. إنها مشبوحة بين روسيا وفرنسا، ترتب مكتبتها فتلتصق فيها بأخوة المؤلفات الروسية والمؤلفات الفرنسية، ترفض دعوة السفير الروسي لحفل استقبال يلتسين في باريس، فيجاهر ابنها:"لا سبيل إلى إصلاحك". وتتلقى دعوة من موسكو ككاتبة روسية معروفة، فترفض، وتنكر على الأمير الدوق فلاديمير كيريللوفتش أن يصدق إمكانية بعث الملكية في روسيا.... وفي هذا الشطر من رواية (تحدي أولغا) تضطرم الشخصيات الأخرى، من بوريس الذي يخاطب أمه "إذا أفرط المرء في العيش ضمن ماضيه، أهمل حاضره إلى فيفيان التي تقترح تطوير المطعم باستضافة فرقة موسيقية لعزف الألحان والأغاني الشعبية الروسية، فعارضتها أولغا. ويتراجع بوريس وكارولين عن تأييد فيفيان، فتصدع الجميع: "كلكم عبيد العادة، وكلكم متحرزون من الخطيئة".‏

تنصرف أولغا إلى كتابة كتابها الثالث (28 شارع الأوراق الجميلة) من ذكرياتها عن أبيها وأمها، بينما تتقد حمى الرحلات السياحية إلى موسكو وليننغراد التي استعادت اسمها (بطرسبورغ). وحين تزور أولغا صديقتاها القديمتان العائدتان من رحلة إلى الوطن، تمقتهما لأنهما بتقديرها خانتا عهد قصر كيروا وتكيفتا مع الحاضر. وبالمقابل، تحضّ أولغا ابنها أن يمضي مع مطلقته وعشيقته السابقة اللتين قررتا زيارة موسكو. لكن بوريس يؤثر ألا يترك أمه وحيدة، ويسعدها أن رجلاً فضلها على النساء جميعاً وهي في الثانية والثمانين. كما يسعدها أن يحضر من روسيا مراسل ليجري معها مقابلة، وأن يتحدث معها باللغة الروسية. حتى إذا سألها عن العودة إلى الوطن قالت: "أنا حصان عجوز جداً، ولم يعد بإمكاني تغيير الإسطبل الذي تعودت عليه". كما أسعد أولغا أن يوافيها المراسل بنسخة من المقابلة. وعلى الرغم من أنه وجه على لسانها في ختام المقابلة تحية لروسيا العهد الجديد وليلتسين، لم تسخط، وأحست بالزهو كما لم تحسّ به بفعل ما يكتب عنها بالفرنسية. وهكذا تتقدم إلى مشروعه الرابع (روسيا المقدسة أم روسيا الملعونة). وبعد عودة فيفيان وكارولين تقرر أن تذهب وابنها إلى الوطن. وشعرت أنها تستعيد شبابها، لكن الموت يعاجلها، فيذهب بوريس وحده.‏

تلك هي سيرة من باتت كاتبة شهيرة بعدما بلغت الثمانين، وذلك على إيقاع سؤال الهوية والوطن، وهو الإيقاع الذي تعقد وتواصل بين قيام الاتحاد السوفياتي وانهياره، ولقد جلت رواية هنري ترويات الفعل العميق لذلك في أعماق أجيال مختلفة وشخصيات متناقضة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244