جريدة الاسبوع الادبي العدد 997 تاريخ 11/3/2006
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

سمير طحان.. تحت حلم الإنصاف ـــ د.محمد جمال طحّان

كافح طوال خمسين عاماً، وعانى الفقر وغلبة الديون.. كثيراً ما أوى إلى فراشه جائعاً وهو يحلم بشراء كتاب جديد يلزمه من أجل إكمال تأليف كتاب جديد.‏

بعد وساطات متعدّدة وإلحاح متواصل حصل على عمل مؤقت في تدريس بعض التلاميذ، فقبل التسوّل من التعليم وفضّله على التسوّل من موائد الآخرين. كان يوفّر الليرة تلو الليرة ويقتطع من لقمته كي يجمع ما يمكّنه من إصدار كتاب.‏

كلما أصدر كتاباً يراه مهماً وفتحاً جديداً في بابه، توقّع أن يحظى بالضوء فيلتفت الإعلام إليه، ليلفت نظر الحكومة كي تمنحه مكافأة على أحد كتبه أو تطبع له كتاباً على حسابها، فيفي بذلك الديون المتراكمة عليه.‏

لكنّ أحلامه كانت في كل مرة تضيع أدراج الرياح، والناس لاهون عنه، الحكومة منشغلة بما تنشغل به الحكومات عادة.‏

تصلني به قرابة أدبية فأرتبط وإياه بِنَسَبِ الحرف دون صلة الدم. إنه الأديب الحلبي (القحّ) سمير طحان. ولد في بصيرة (حلب) عام 1947. تلقى تعليمه في حلب فقد يديه وعينيه أثناء دفاعه عن الوطن. عضو جمعية الشعر في اتحاد الكتاب العرب.‏

الأستاذ سمير معروف ومحتفى به في الخارج أكثر مما نحتفي به نحن، وأخشى أنه ما يزال (زامر الحي لا يُطرب). كنت أبحث في إحدى أشهر المكتبات العربية فوجدت اسمه يتصدر قائمة المؤلفين.‏

سمير طحان في كتاباته الأولى ما يشعر بحدس ما أصابه بعد ذلك إثر انفجار لغم كان يقوم بزراعته خلال خدمته العسكرية على الجبهة السورية عام سبعين.‏

تزوج بعد خمسة أعوام من إصابته فحلّق وأبدع، ثم فشل زواجه فشعر بالجحود والنكران، وغدا طيراً جريحاً محلّقاً بطموحِ لا يردعه حدّ. اهتم بالتراث الشعبي منذ حداثة سنّه وألّف العديد من الكتب التي أصبحت مضرب الأمثال، فهو صاحب: ولاويل بردى –الحكواتي الحلبي-هناهين قويق-القصاص الحلبي-الحالات وهي رواية في أصوات-العين الثالثة. ومنذ أيام وصلت نسخة كتاب ترجم له في أميركا تحت عنوان "Folktales From Syria"، وهو ترجمة لكتابيَ الحكواتي الحلبي والقصاص الحلبي، قامت بترجمته: Andrea Rugh التقيناه في منزله الكائن في حي نصف شعبي يسمّى النيال وكان لنا معه حوار حول حياته وهمومه ومؤلفاته واهتمامه العميق بالتراث الشفوي الحلبي المتناقل عبر تعاقب الأجيال.‏

الآن.. بعد أن قارب الستين، لفتت النظر إلى أهميته بعض وسائل الإعلام، وصار لقاؤه سبيلاً لشهرة الصحفي الذي يلتقي به.‏

كان في كامل قوّته مهملاً، ولم تكلّف أي جهة نفسها مجرد الإشارة إلى أهميته.‏

الآن.. من دولة إلى دولة يُحمل على (النقالة) كي يتحدث في المؤتمرات، ويستعين ببعض تلاميذه كي يقرؤوا له المواد المقدمة للمسابقات كي تكون له الكلمة الفيصل فيها...‏

الآن.. حين لم يعد قادراً على هضم العنب، تمتد له الموائد الفاخرة... تُعزف من أجله الألحان.. وتُقام الحفلات...‏

ولكنّ الرقص أمسى مستحيلاً.. كان يقبّل أيدي صغار الموظفين كي لا يرهقوه في بيروقراطية معاملات الحكومة البسيطة التي كان يضطر لإجرائها حين يريد طباعة كتاب، أو نشر مقال في صحيفة.‏

الآن.. بعد أن غدا غير قادر على لمس حنان الوطن بيديه، لأنّ النعومة تبلّدت في أتون الألم المتواصل الذي كان يعانيه طوال خمسين عاماً.. ما يزال يحلم بنيل التكريم داخل وطنه وأن يقدّم إليه وسام يعترف بعطائه المتواصل بالرغم من فقدانه عينيه ويديه دفاعاً عن وطنه.‏

في زاوية الغرفة يبكي.. ويعزّي نفسه قائلاً: لئن تصل متأخراً خير من أن لا تصل أبداً.‏

وقف نشيطاً بسنيه المتراكمة.. مسح عينيه من الدموع.. عقد العزم.. سيخرج الآن إلى الحشد الكبير الذي ينتظره، وسيصرخ في وجوههم باسم القامات الكبيرة الذين يمنحون الوطن عزّة وتراثه المجيد، باسمهم سيقول: اغتنموني قبل الرحيل.. أيها المؤتمنون على صروح الوطن.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244