|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
ثورة المخمل لكلاديس مطر ـــ رباب هلال الراوي هو راقص الحبال، في السيرك الوطني.. سيسرد علينا الحكاية التي نعرفها! ونعرف مكانها وزمانها وشخوصها، على رغم ما يقول عن زمن الرواية.. أنه في القرن الماضي، القرن التاسع عشر.. لكن القارئ سرعان ما يجد نفسه محاطاً بظلال من وهم، بينما هو محاصر، في حقيقة الأمر، بما هو عليه واقع الحال في الراهن... وإذن؟ هل أرادت كلاديس مطر أن تروي التاريخ؟ أم أرادت أن تضع عنواناً كبيراً لما حدث، وما يحدث، وسيحدث فيما بعد ربما! المستقبل لا يبين، فهناك واقع حاضر، وماضٍ ولّى لكنه حاضرٌ دائماً هكذا يتبدّى الزمن في (وادي الرماد): المكان: الذي يجترّ الزمان! أسئلة كثيرة تطرحها الرواية، والقارئ، مثله مثل الشخصيات الأخرى، الجميع يتساءل والجميع يعرف الأجوبة بالتأكيد!! ولأن الأمر يتم كذلك فلا بد أن تكون الثورة مخملية!! هكذا أرادت الكاتبة أن تحدثنا، ربما، عبر نص مقسم إلى فصول دون عناوين أو أرقام. ومن الواضح تأنيها وتأنقها في صياغة الأحداث وتصاعديتها دون الإخلال بمنطقية السرد. ليتبدى لنا أنها ليست معنية بالحديث عن شخصيات مجردة، وإنما هي شخصيات داخل إطار المكان: وادي الرماد.. لذا كانت كل شخصية على حدة، تحوي العديد من الشخصيات، وكما ذكرت المحكوم عليها بقدر يسمى وادي الرماد! وهذا ما ينقله لنا الراوي، راقص الحبال، في السيرك الوطني، الشخصية الوحيدة التي لا اسم لها... قبل أن تنهي تساؤلك حول عدم تسميته، ستجد نفسك وأنت تغوص في القراءة بأنك مثل راقص الحبال، هل هو: نحن؟! ألسنا جميعنا شاهدين على ما يحدث، ندلّل عليه بأصابع موجوعة، نحكي عنه، ندوّنه.. ولا شيء أكثر!؟ ألسنا نشارك جميعنا في مهزلة السيرك الكبير؟! إذن، نحن نروي، نحكي، نسرد، وحسب، وهذا أضعف الإيمان!! ولكن من المسؤول عن أن تكون راقص حبال؟! ولا شيء أكثر! يقول الراوي في ص /11/: "... لقد كنت دائماً راقصاً على الحبال في السيرك، ولا مانع لدي من أن أظل معلقاً فوق، سائراً وذراعاي ممدودتان وأنفاسي مكتومة بداعي التوازن والإبهار، سعيداً بالوجوه المدهوشة والصمت الذي ينتهي بدوي التصفيق والصفير." ثم يتابع السرد على مدى الرواية لكنه يتنحى جانباً لعدّة صفحات فهو كما يقول /ص 13/: "سوف أدع الجميع هنا يتحدثون عن أنفسهم وذلك قبل أن أشي بما أعرفه عنهم... غير أن حديثي هو حديث المراقب المنفعل المتأثر." وهكذا تتلون أساليب السرد في الرواية، تتعدد الضمائر من المتكلم إلى الغائب وهكذا أيضاً تبدأ الشخصيات بتقديم أنفسها: "أنا جاد الحق السوري بن أحمد بن طانيوس المستنير من مواطني (وادي الرماد) الصالحين، وأحد الذين أنعم الله عليهم بقصر النظر وسرعة الغضب والحذر... إلى أن يقول: لن أعرف الخيانة، ولن أضع قدمي في طريق الحرام وسوف أبقى محمياً هكذا إلى أبد الآبدين." كما وعد أمه أيضاً! هكذا يتحدث جاد الحق غير عارف ما الذي سيصير إليه في خضم الرواية، فهو لم يبق وحيداً كما أعلنت أيضاً في تقديمه لنفسه، ولم... ولم... إذن ستفاجئه الأحداث كما القدر. جاد الحق هذا تبدأ معه أحداث الرواية، وبحدث يشكل له تغييراً جذرياً في حياته. فجاد الحق يكتشف ذات ليلة اكتشافاً مذهلاً: لقد فقد خمس ليرات..! وهذا الفقد يعني له الكثير، فهو رجل الحسابات دائماً، يعيد النظر في كل شيء، ويحسب حساباً لكل شيء، حريص ودقيق، ووحيد أيضاً. إذن هذا الفقد يعتبر أمر كارثي، أهم بكثير من أن يفقد زملاء العمل ومحبتهم واحترامهم، لاتهامه إياهم مواربة، ثم ليفقد هيبته وكبرياءه أيضاً أمام الأب فريد.. هذا الفقدان الأخير جعله رجلاً منفصماً، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لشخصية مثل شخصيته وهو المستلب دائماً أمام أم متسلطة ولا تزال بعد موتها، فها هو يقف أمام صورتها، يعترف لها، ويمارس طقوس الابن البار والمهزوز في آن معاً! وإذن أمام هذا الانفصام، لا بد لجاد الحق أن يعيد لذاته كبرياءها، فيقرر أن يكون ذلك في شارع (لالا عايدة)، هناك عليه أن يثبت رجولته من جديد! أجل هو رجل!! ها هو ينحدر إذن مرة أخرى، في شارع لا لا عايدة. الشارع الوحيد المذكور في وادي الرماد.. الشارع المهم، والفعّال، المهدّم والباني! شارع لا لا عايدة حيث /ص 49/: "... رائحة ما تشبه رائحة التوابل كانت تعبق بالمكان، إنها رائحة القدم، والزمن السحيق.. وحطام الغزو والفتح الذي كان يستريح هنا بين المعركة والأخرى.. رائحة الرجال المدججين والسيوف المركونة في الزوايا تنتظر انتهاء جولات الحب السريعة..." هناك سيلتقي جاد الحق (ببلقيس) حيث معها سيتصالح مع ذاته أولاً ثم مع وادي الرماد ثانياً. وقبل الحديث عن بلقيس المرأة، لنقدم الشخصية الهامة أيضاً وهي شخصية الأب فريد: رجل الدين والدنيا، الأب والإنسان معاً.. لنسمعه يقدم نفسه: -"أنا الأب فريد ابن جبرائيل ابن غطاس الهادي. لا بد أن يغدو الوادي أفضل من دون ضجيج الدين، وقرقعة الطقوس واحتدام العقائد...". إذن، سنراه منفصماً هو الآخر.. عبر صراع مرير بين كونه رجل دين أو إنسان آخر عليه أن يكونه في وادي الرماد.. الأب فريد الذي كان فيما مضى عاشقاً للمسرح وصياغة المنشورات الغاضبة ضد سلاطين الرقيق، يتحول بعد انقراض عائلته، إثر مرض عضال، إلى "الباقي" منذ الأزل. يبدو ماكراً عديم الحس، كما يعترف، ولكن إثر حادث آخر سيعود من جديد رجل المنشورات، رجل وادي الرماد، يتسلح بحب الله والبشر كارهاً للدين والعقائد، ليبدو بذلك أكثر تصالحاً مع ذاته. ولكن كيف قدمت كلاديس مطر المرأة في وادي الرماد؟ في العمل كله هناك امرأة حقيقية وحيدة حاضرة هي بلقيس فقط.. والشخصية الثانية الموجودة هي أم جاد الحق.. المتوفاة، ولم يكن ظهورها في العمل يجسّدُ امرأة ما.. وإنما لتوضيح صورة جاد الحق لا أكثر.. أما كلمة نساء أو جواري فقد ذكرت ذكراً عابراً وذلك لإكمال مشهدية ما.. لا أكثر.. ولا تمثل إذن أكثر من عناصر توصيفية. كأي موجود آخر.. لا أكثر..! هي ذي بلقيس تقدم ذاتها /ص 43/: "أنا بلقيس ابنة وداد ابنة سونيا الجميلة. أنا لست مجرد امرأة، إنني هذا الكون كله الذي تراه أمامك..." إذن، هي كل النساء. النساء الرماديات، ولربما غيرهن. بلقيس ذات الهوية الضائعة والجذور التائهة، هي الملكة لا تزال، لكنها دون عرش! إنها امرأة شارع لا لا عايدة. والتي ستصيّرها أحداث الرواية إلى سيدة بيت جاد الحق، فيما بعد، زوجة شرعية له. بلقيس التي نراها في أبهى صور للمرأة الوطنية الواعية والزوجة الوفية المحبة في آن معاً. هي امرأة التحولات الكبرى أيضاً، دون أن نلحظ في شخصيتها انفصاماً ما، أو حالة صداع، وإنما تحولاتها الكبرى تلك كانت مسؤولية تاريخها ورجالات وادي الرماد أيضاً... وادي الرماد الذي سينفذها فيما بعد من خلال الزوج الوفي جاد الحق... وليتساءل القارئ، ربما، من يحرّر الآخر ويصون له كرامته؟ بلقيس أم وادي الرماد؟ وادي الرماد أم بلقيس؟ وادي الرمّاد أم جاد الحق؟!! هل أرادت الكاتبة ذلك قصدأ، أم سهواً؟ لتكتمل بذلك مشهدية الرواية، وتكون بالتالي ثورة المرأة أيضاً مخملية؟! على رغم محاولة بلقيس المقاومة: بالحب لجاد الحق، ولوادي الرماد أيضاً! أجل لا بد من المقاومة لطالما أن "المؤامرة لا تزال مستمرة"! المقاومة التي تشكلت سراً في وادي الرماد، وعلناً أيضاً، وحدها التي جعلت الشخصيات تتصالح مع ذواتها، ومع الآخرين أيضاً، فقد بدت خارج المقاومة، وخارج القضية شخصيات وحيدة، ممزقة، مستلبة أيضاً عبر أقدار ظالمة. فمثلاً جاد الحق الذي بدا جباناً في البداية، نراه في النهاية ذا حسّ وطني عالٍ، يقاوم علناً، ويشتم علناً الباشا صدر الدين، زعيم وادي الرماد الذي يحتله كما يحتله الغزاة الصحراويون! يقول: "-أنا صدر الدين ابن صدر الدين ابن صدر الدين من أبناء أول سلاطين وادي الرماد وآخرهم، صحيح أن الدماء الشركسية والمصرية والشامية والمنغولية ثم الأوروبية قد رفدت دمائي وامتزجت بها، غير أن نسب المرأة لا يقدم أو يؤخر في نسبي الصافي الذي أفخر به أيما فخر ولا يزعزع هَوسي بعقيدتي الإسلامية.." وحده صدر الدين لا تصيبه التحولات، أو الصراعات النفسية، يبقى هو كما هو، الدكتاتور هو الدكتاتور.. وإن صارت تحولات فإنها ستصيب الأرض والشعب اللذين يحكمهما.. وهكذا نرى وادي الرماد وسط نيران الحروب، الغزاة، والصراعات الداخلية، وأيضاً الاتفاقيات، الهدنات، وأخيراً اتفاقية السلام!! لذا لا بد من مقاومة فعلية. أكثر مما حدث في الراوية من تقديم معونات لجرحى الحرب! لأن الغزاة هذه المرة أيضاً أعتى وأشرس، وقد تم في الآونة الأخيرة تأجير وادي الرماد لمدة تسع وتسعين سنة للغزاة الصحراويين بزعامة آرون بن ليفي، الزعيم الذي يخلص لرسالته أيما إخلاص، ولا يشغله أبداً سوى صوت الرب، وتحقيق الوعد، الرسالة القديمة، الموهومة، إذن، لا شيء سوى قضية شعبه. وبالطبع سيكون صدر الدين شخصية معاكسة تماماً... وهو يتوغل في دفء المخمل والنساء والشراب والطعام في برجه العاجي! المقاومة تحولت إلى مجرد أمنيات كما يقول راقص الحبال، أو كما تقول كلاديس مطر ذاتها، وقارؤها أيضاً؛ إذ تقول الأمنية /ص 80/: "كم أتمنى قراءة كف وادي الرماد وملاحقة خطوط العمر والخصب والنصر.. كم أتمنى أن أصعد إلى أعلى تلاله وأصلّي إلى العلي أن يبعد تلك الرحى عن الرِّقاب." هذا على رغم السؤال المطروح: "-متى ندع الله يقوم بعمله ومتى ندع أنفسنا نقوم بعملنا؟" وأيضاً، على رغم أن التاريخ العريق لوادي الرماد بمختلف طوائفه، وكما رأينا، أيضاً عبر الأسماء المختلطة، الدالة على مختلف الطوائف لكن ذلك لم يردع الوادي من الصراعات الطائفية، ومن أن توجد طائفة أخرى، تلك العبارة التي توجه إلى الغزاة الصحراويين! كما ذكرت الرواية تطرح العديد من الأسئلة، التي نعرف تماماً أجوبتها كما ذكرت آنفاً، لكننا على ما يبدو نؤثر لفّها وتخبئتها بغصاتنا المتوالية، وأمنياتنا، والصلوات؟!! ولأطرح سؤالاً آخر إلى جانب ما ذكرته (فاطمة المرنيسي) التي قدمت للعمل: "... فهذا السيرك مكان مألوف بالنسبة لي بالرغم من أن وادي الرماد الذي تتحدث عنه يبعد 5000 كيلومتر عني. ذلك لأن المنطقة لا توجد في المكان وإنما في الزمان..." لنفترض أن ذلك صحيحاً، فلماذا أشعر أن المكان قريب مني، وأي وجع ينالني من وهج احتراقه بين فينة وأخرى؟ لماذا تخلتط الأمور؟ أم أن الزمان المعني هو مكاننا نحن الرماديين؟ هذا ما قرأته في رواية تحوي الكثير أيضاً، رواية أقرب إلى البانورامية، تغص بالتوصيف، تلخص مشهدية تاريخ أو ظلال تاريخ ينبت واقعاً حارقاً! الكتاب: ثورة المخمل- رواية المؤلفة: كلاديس مطر إصدار: دار ورد /2001/ |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |