|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
الإرهاب بين الصداقة والعداء!! ـــ يوسف جاد الحق على عكس مقولة (ويل كارينجي): كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس، يمكننا القول دونما إجحاف بحق أحد إنه لم يؤت أناس القدرة على خسارة الأصدقاء، وخلق الأعداء من حولهم مثل ما أوتي العرب، لا لشيء سوى سوء التقدير والتصرف، ففي الحقبة التي عاشتها الأمة العربية والممتدة منذ منتصف القرن الماضي حتى اليوم، نجح العرب فيما سلفت الإشارة إليه، أيما نجاح، والحق يقال، لسببين محددين: أولهما تجاهل مواقف الأصدقاء أو من كان يمكن أن يكونوا كذلك، حين يقفون إلى جانب قضايانا فيحسبون أن ذلك من قبيل تحصيل الحاصل، ونستنيم إلى هذا الوهم ناسين أو متناسين أن العلاقات بين الدول تقوم على المصالح أولاً، وقبل أي شيء آخر. ثاني السببين غياب الرؤية القادرة على التمييز بين مصالحنا ومصالح الآخرين إلى درجة أننا كثيراً ما نضحي بمصالحنا في سبيل آخرين لا يستحقون منا تلك التضحية كالحالة العربية ـ الأمريكية ـ وغالباً دون مقابل. كانت تعامل العرب مع أمريكا ـ وبريطانيا أيضاً ـ تحديداً طوال الحقبة آنفة الذكر على أساس التسليم بصداقتهما. ولا يدري أحد من أين جاء هذا الوهم الذي مضينا وراءه دون أن نتوقف لحظة لإعادة النظر في المسألة. فهاتان الدولتان لم تتصرفا نحونا أبداً، بما يدل على ذلك أو يوحي به. بل هما الدولتان اللتان حلَّت بنا الكوارث السابقة والقائمة الآن والتي ستلحق بنا في مقبل الأيام على أيديهما، وسياستهما فيما يتعلق بقضيتنا مع "إسرائيل" خير مثال على ذلك، بريطانيا هي التي أعطت (وعد بلفور)، وهي التي رعت الصهيونية ومهاجري اليهود إلى فلسطين، ونفذت للوكالة اليهودية برامجها، فسرَّبت إليها الأراضي، بدعوى أنها أملاك حكومة (كيف وبأي حق؟ لا نعرف...؟!). والأموال والأسلحة، كما أنها درَّبت فيلقاً يهودياً أشركته معها في الحرب العالمية الثانية تمهيداً لتحويله بعد ذلك، إلى عصابة الهاجاناه، التي تحولت فيما بعد، إلى ما دعي بجيش الدفاع الإسرائيلي. وهي أيضاً ـ بريطانيا ـ التي سلحت عصابات شتيرن والأرغون واتسيل للقيام بالجرائم التي قامت بها، وأفضت إلى قيام الكيان الصهيوني، ضمن عوامل أخرى، وبالتالي تنفيذ كل بند من بنود بلفور المعلنة والسرية، بينه وبين القيادة الصهيونية (الوكالة اليهودية في ذلك الحين). وفي الوقت عينه سلبت العرب أرضهم وشنقت مناضليهم، ونكلت بهم طوال فترة الانتداب البريطاني ثم تواطأت مع أمريكا، وسعت إلى تأليب الرأي العام ضد العرب، وتحفيزه لمساعدة اليهود، إلى أن أوصلت المسألة إلى هيئة الأمم المتحدة، وما طبخته هناك من مؤامرة أفضت إلى اتخاذ قرار التقسيم لوطن لا يجوز أن يقسم، إلا إذا جاز أن يقسم الرجل إلى نصفين كما في مسرحية الطباشير القوقازية لأرنولد بريخت...!... أما أمريكا فقد ساهمت في تلك المرحلة بكل ذلك، ثم انبرت بعد ذلك إلى لعب الدور المتمم للعملية، فحشدت كل مافي وسعها من إمكانات لإقرار مشروع تقسيم فلسطين، وتابعت جهودها لترسيخ الكيان الصهيوني، عن طريق دعمه بالسلاح والمال وفي المحافل الدولية التي سخرتها لخدمته وتحقيق مطامعه، وساهمت في تطوير قدراته لإحراز النصر في كافة الحروب اللاحقة بدءاً من حرب 1967، التي أجهزت على البقية الباقية من أرض فلسطين، وأراض عربية أخرى أيضاً. وهي التي أنقذت الكيان الإسرائيلي من هزيمة محققة وربما كانت نهائية في حرب عام 1973 التي شنتها مصر وسورية عليه. وقد كانت أمريكا شريكاً ـ وليس وسيطاً ـ لإسرائيل في ظل حروبها ومؤامراتها ومناوراتها، بحيث مكنت لها الوصول إلى كل ما وصلت إليه، الأمر الغني عن كل بيان، هو ما نشهد نتائجه وآثاره يومياً على الساحة الآن، وكانت تزعم كل الوقت أنها (وسيط نزيه)، بين العرب و"إسرائيل". والغريب أن العرب رغم كل الشواهد والقرائن والبيِّنات التي تؤكد بطلان هذه المقولة لبثوا على موقفهم من أمريكا وكأنها لم تسئ إليهم على الإطلاق. هاتان الدولتان هما الصديقتان (الوفيتان) للعرب في زعمهم. وما زالت هذه هي الحالة القائمة وهو الموقف السائد، على الرغم من كل ما جرى في النهر من مياه. وكنا طوال الوقت كمن يدير الخدين، وليس الخد الواحد، للصفع تلو الصفع. واستمرأ القوم ـ الأمريكيون والبريطانيون ـ ذلك بدورهم، إذ ضمنوا أننا لن نبدي اعتراضاً جدياً على أمر يقومون به إزاءنا، وإننا سنظل (الأوفياء) لأولئك (الأصدقاء...!)، أيَّاً كان حجم الكوارث التي يوقعونها بنا، حتى لو أفضى الأمر إلى تدمير مصالحنا وتهديد وجودنا. العرب يعرفون هذا ولا يجهلونه، ومع ذلك يصرون على مواصلة السير في ذات الطريق، وانتهاج ذات الأسلوب، وما نعرف أمة في التاريخ سارت نحو الهاوية حتى بلغت حافتها، ورغم ذلك أصرت على متابعة السير الحثيث حتى السقوط الفعلي إلى قرارها السحيق غير أمتنا العربية. وفي الجانب الآخر، تجاهل العرب أصدقاءهم، ومن كان يمكن أن يكونوا أصدقاء لهم، الكثير من دول العالم امتنع عن الاعتراف بإسرائيل فيما مضى، من أجلنا، وربما لأنها رأت في ذلك مصلحة لها معنا في حينه، أو لأنها رأت أننا على حق كاليونان وإسبانيا والهند والباكستان، ودول إسلامية عديدة، فما الذي صنعناه مع هذه الدول لكي نبقي على ولائها لقضيتنا؟.. لقد استنام العرب إلى ذلك، واطمأنوا إليه وكأن هؤلاء أصبحوا مضمونين (في الجيب)، ولا داعي للمضي في التعامل والتفاعل والتواصل معهم للإبقاء عليهم إلى جانبنا، غير مكترثين أيضاً لما نراه دأب العدو على ملء الفراغ الذي يحدث في أي مكان نبتعد عنه، وكنتيجة أخذهم إلى صفِّه في معركته معنا. بل إن العدو عمل على إبعادنا عن مواقع ماكان لنا أن نخسرها لو أننا حرصنا على إعطائها قدراً من الاهتمام بمصالحها. وأقرب مثال يحضرنا الآن الهند والباكستان، فلا نحن استطعنا الإبقاء على الهند كصديقة، ولا نحن احتفظنا بالباكستان كحليف. وخسرنا الاثنين معاً. وينطبق القول على الصين أيضاً، والدول الإفريقية، ودول أوروبا الشرقية، والدول الإسلامية. عندما انفرط عقد الاتحاد السوفياتي حدث فراغ في جمهورياته، مثل أوزبكستان، وكازخستان، وأذربيجان، وطاجكستان، وغيرها... تجاهلنا هذه الشعوب، وهي أقرب إلينا من إسرائيل إليها. ولكن إسرائيل سارعت إلى ما يشبه الغزو لتلك البلدان ثقافياً وفكرياً وإعلامياً ـ والأهم ـ اقتصادياً، مع أنها ـ تلك البلدان ـ كانت لديها القابلية، وربما الرغبة، وربما الأمل والتطلع إلى أن نسعى إلى احتضانها والتعامل معها في أوضاعها الجديدة قبل أن تسبقنا إسرائيل إلى ذلك. ألم نكن نحن أولى بسمرقند وبخارى وخوارزم...؟ وقد يساور المرء العجب إلى جانب شعوره بالألم، كيف يستطيع العدو تحقيق ما يشبه المعجزات من أهدافه، في حين نخفق نحن في الوصول إلى البديهي المتاح والضروري لمصالحنا ومعركتنا مع العدو، لقد استطاع هذا العدو وبجهده الإعلامي والسياسي (رغم أن عمله يقوم على الكذب والخداع والتضليل)، تحقيق أهدافه، ـ غير النبيلة ـ على هذا النحو المذهل، بحيث تمكن من تأليب العالم بأسره تقريباً علينا ـ عرباً ومسلمين ـ وإقناعه بأن هؤلاء هم مصدر (الإرهاب)، وأن الإرهاب أصبح (ماركتنا المسجلة) ـ أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا ـ لا يفرخ ولا يتوالد إلا لدى هؤلاء العرب والمسلمين، هذا في حين لم نستطع نحن عمل الشيء ذاته رغم أننا على حق ورغم عدالة قضيتنا، بل إننا عجزنا حتى عن تكذيب دعاوى العدو ودفع التهمة التي يلصقها بنا، وما النتائج التي نحصدها اليوم إلا المحصلة الطبيعية لكل ذلك. الحركة الفاعلة النشطة ـ للأسف ـ من جانب العدو، يقابلها الجمود والتقاعس ـ للأسف ـ من جانب العرب والمسلمين. فهل من أمل في إعادة النظر لتصحيح الأخطاء وتلافي القصور في النهج الذي اتُّبع حتى الآن لبعث الدفء في علاقتنا مع أصدقائنا القدامى؟... |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |