جريدة الاسبوع الادبي العدد 820 تاريخ 17/8/2002
فهرس العدد صفحة جريدة الاسبوع الادبي
 

المراوغة في قول الحقيقة خيانة للفكر ـــ حمدي البصيري

في زيارته الأخيرة للقطر وعلى هامش مشاركته في الندوة الفكرية التي احتضنتها مدينة حلب حول الكواكبي التقينا د. نصر حامد أبو زيد المفكر المصري في دمشق وقد تحدّث في لقائه معنا حول تفسير القرآن وقواعد الاجتهاد وعلاقة الدين بالديمقراطية وحول هذه المسألة الأخيرة رأى د. أبو زيد أن معوقات الديمقراطية لا تنبع من الدين بل من الأنظمة السياسية والمنظومات الاجتماعية.. الأسرة، القبيلة، المدرسة.. الخ. ورأى أن إدارة المجتمع تتمثل في تنظيم الاختلاف وليس في إلغائه. وفي حديثه عن تفسير القرآن وقواعد الاجتهاد كانت إجاباته محددة بدقة دون شرح أو إسهاب وقد فرض بهذا مزيداً من التقدير له علينا. يقول د. أبو زيد: إنّ ما يحدّث في الواقع هو أننا ننطلق في تفسير القرآن من المطلقات وهذا أمر زائف. كلّ مفسر ينطلق من أفقه الواقعي.. وكلّ التفاسير تعتمد على الروايات والترجيح بين الروايات، فقد استجدت أمور كثيرة لم تكن مطروحة تتطلب منا العودة مرّةً أخرى إلى النصوص الدينية. والاجتهاد ليس معزولاً عن التراث وإنّما مبني عليه. إنّ التراث هو موروثنا ولكن المشكلة تكمن في النوع السائد من الورثة الذي يتصف بأنه نوع سفيه كسول يبدد ما تركه السلف فينتهي الحال به إلى العجز والفقر، بينما النوع الثاني وهو نادر للأسف، نوع ذكي ينمي الميراث ويغنيه وهنا تولد إشكالية: هل نقتات تراثنا؟! نعتاش عليه أم ننميه؟ وهل نستطيع تنميته إلاّ باللغة النقدية؟ وأضاف د. أبو زيد: أنا لست أفضل من القدماء ولكنني أسعد حظاً لأنني جئت بعدهم، أقف على أكتافهم لذلك أرى أبعد مما كانوا يرون ولأنني أعتز بتراثي وأدرك أنني أمتلكه لذلك أسعى كي أنميه وأزيد عليه كما فعل أسلافنا فلو أن "موطأ مالك" أُعتبر هو التراث لما كانت هناك فرصة للشافعي مثلاً، أو من أتوا بعده ليضيفوا شيئاً..‏

الاتصال والانفصال في الوقت نفسه وليس العيش في جبة الأجداد.‏

إنّ هذه القضايا الخلافية تتطلب صراحة فكرية لأن الرأي العام قد لا يتقبلها بسهولة وهو معذور مادام المفكرون أنفسهم يكفرون بعضهم بعضاً ومن الخطأ الفادح التملق للرأي العام على حساب الحقيقة. وأشار د. أبو زيد أن قواعد العلم إجمالاً في تطور مستمر وبالنسبة للاجتهاد يكاد يحصر في دائرة القياس وهذه أداة ضعيفة لم تعد تواكب تطور العصر، فهي كمن يقيس المسافة بين الأرض والسماء بالمسطرة ونحن في القرن الحادي والعشرين نحتاج إلى أجهزة قياس جديدة حيث إيقاع الحياة أسرع بكثير من إيقاعه في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، وهذه الأدوات ليست جديدة كليّاً وإنما مستنبطة من الأدوات السابقة.‏

إن الاجتهاد الذي أضافه د. أبو زيد في تفسيره للقرآن هو وضع قضية السياق في فهم النصوص ليس فقط أسباب النزول وتقسيم الآيات إلى مكية ومدنية وناسخ ومنسوخ وإنّما أيضاً فهم سياق ما قبل الإسلام بكل تفاصيله الاجتماعية والانتربولوجية والثقافية والفكرية ليس في الجزيرة العربية وإنّما في العالم كله، أي ضرورة إدخال علم الاجتماع وعلم الاقتصاد لفهم النص الذي هو من عند الله تعالى بالطبع لكنه لم يأت من فراغ! السياق يعطي الحافز لإدراك المعنى وربطه بأفق حياتي معاصر حتى يتبين مغزاه. وطرح هذا المنهج ليس جريمة لكنه ليس سهلاً حتى يفهمه كل إنسان وقد كانت مفاجأة للدكتور أبو زيد أن الدكتور عبد الصبور شاهين الذي أشعل الحملة عليه لم يفهم الكثير من المصطلحات التي استخدمها أبو زيد!! فكيف بالمواطن العادي.‏

د. أبو زيد لا يزعم امتلاك الحقيقة لكنه قدّم اجتهاداً يقبل الخطأ والصواب وهذا أمر أباحه الإسلام بل جعل لمن يجتهد ويخطئ أجراً. قال د. أبو زيد: أعتقد أنه لو كان الطبري يعيش بيننا اليوم لتعرض لما تعرضت له من اتهامات وأذى فالعزاء هو من التاريخ لأنه في النهاية لا يصح إلاّ الصحيح. وذكر على لسان أمين الخولي قوله: "تكون الفكرة أحياناً كافرة أو مجرمة ثم تتحول مع تطور الحياة إلى عقيدة". وذكر التفاصيل المؤثرة لإعدام غاليلو دليلاً على هذا المعنى فرغم امتهانه وتعذيبه وتلقينه صيغة التوبة كي ينكر كروية الأرض إلاّ أن حراسه سمعوه يهمس وهو راكع ينتظر حتفه: "لكنها كروية".‏

لا يوجد في التاريخ الإسلامي سوابق للاضطهاد العلمي والإسلام لم يضطهد العلم كما فعلت الكنيسة لكن يوجد لدينا اضطهاد للفكر والمفكرين رغم أن الإسلام يسمح بالفكر الخطأ.. الإسلام يحمي حق المجتهد بالخطأ: فلا أحد يملك حق الصواب المطلق. لا يمكن لأمة أن تتقدم إلاّ عندما تخطئ والخوف على الدين هنا خوف مصطنع فثمة آلاف الكتب هاجمت الأديان لكنّ أيّاً منها لم يخرج الدين من قلوب المؤمنين. الهم كبير وهو ليس شخصياً إنه هم الوطن والأمة وموقعنا في العالم كمسلمين وما أخشاه أن يكون مصيرنا كالهنود الحمر في أميركا الذين خرجوا يحاربون الرجل الأبيض المسلّح بالعلم والعتاد الحديث بأساطيرهم وأرواح أسيادهم فكانت النتيجة تعرضهم لأول تطهير عرقي في التاريخ الحديث. هل نعرّض أنفسنا لهذا المصير؟ نعيش معاركنا بالاعتماد على تراثنا وأسلافنا ونظل عالة على علم وتكنولوجيا الآخرين بل عالة على فكر القدماء نفسه فكيف نتصور مستقبلنا كأمة؟ لقد هُوجمت وكُفّرت لأنني برأيهم خالفت الإجماع الذي فسّر النص وهذا الإجماع برأيهم معيار ومقياس قدسية النص نفسه. أي من حقك أن تجتهد على ألاّ تخالف الإجماع وفي هذا تناقض منطقي واضح فالاجتهاد محصور في الترجيح بين آراء القدماء دون السماح بإضافة جديد. وهذا المفهوم قاصر للاجتهاد مثل مفهوم القياس، إنني لا أستهين بآراء القدماء ولابد من الوقوف عندها عميقاً وتحليلها والإفادة منها لكن على أن يكون متاحاً الخروج عنها إذا ثبت أنها غير مناسبة لزماننا الحاضر لأن كل اجتهاد هو ابن شروطه الزمانية والمكانية ويجب أن يكون دائماً معرضاً للقبول والرفض وإلاّ ينتزع هذا الاجتهاد صفة القداسة المطلقة. وتساءل د. أبو زيد عن مفهوم الإجماع بحد ذاته؟ هل هو كلام الشافعي؟ أم كلام ابن رشد؟ هل هو إجماع علماء مصر؟ أم علماء الشام؟ أم علماء المسلمين كافة؟ وهل يمكن فعلاً اتفاق جميع الآراء في قضية واحدة؟ وإذا افترضنا أنهم اتفقوا، ما هو حكم العالم الصامت؟ هل هو موافق؟ أم معارض؟ أم محايد؟‏

إن الإجماع بهذا المعنى هو مفهوم نظري إلى حدٍ بعيد، ومحاولات قصر الاجتهاد على ما يدعونه القضايا الفرعية هي محاولات لسجن ومصادرة الاجتهاد وهم بذلك يخرجون قطاعات هامة من دار الإسلام مثل المعتزلة والمتصوفة والفلاسفة. لابد من العودة بالاجتهاد إلى حيويته وتحقيق التعايش السلمي بين المناهج من خلال الحوار. ولا تجوز المسارعة إلى التكفير وإخراج أحد ما من الملة لمجرد الاختلاف معه في الرأي وهو اختلاف أقره وحماه الإسلام.‏

والقرآن الكريم يقدّم لنا مثلاً يحتذى، فقد اتسع صدر القرآن لمناقشة إبليس وحين طلب إبليس إمهاله إلى يوم يبعثون أمهله الله تعالى. الآن تضيق صدورهم برأي يختلف معهم يتصورون ـ والعياذ بالله ـ أنهم يمثلون الحقيقة الإلهية. بينما أقدّم اجتهادي وأقول في نهايته "والله أعلم". ناقشوني، اقبلوا، ارفضوا، فأنا شخص فرد لا أنتمي لحزب وليس لي سلطة أو جيش كي أفرض اجتهادي على الناس. وإنه لموقف مهين للكرامة والإنسانية التي كرمها الله أن يدفعوه بكل الوسائل كي يعلن أنه مسلم ومؤمن بالله تعالى: فمن أعطى لهؤلاء السلطة لاتهامه والتشكيك في إيمانه؟ نحتاج لبعض التواضع وهو سمة من سمات العلم: والكبر من صفات الجهل.‏

مازلنا كعرب نعاني غياب الديمقراطية بمعناها العميق. يوجد تعددية أحياناً لكن بلا ديمقراطية مثلّما يوجد علماء بلا جامعة ولا قيمة لأي عبقرية فردية في غياب المؤسسات التي ترعى وتنمي وتستثمر هذه العبقرية. وأبناؤنا في الخارج يحققون نجاحات لأنهم يعملون في إطار المؤسسات التي تقام في المجتمع المدني بينما تضيع الجهود الفردية في المجتمعات العربية وتسيطر الأحادية عبر محاولات الاستئثار بالسلطة من الناحية السياسية والاستئثار بالحقيقة من الناحية الفكرية. ويسعى المثقفون والنخب السياسية باستمرار لفرض وصايتهم على الشعوب ومنعها من التطور لخوض التجربة بنفسها كما حدث في الجزائر. إن الخوف مدمر للتفكير إن مأساة د. أبو زيد فتحت الحوار والنقاش أمام الرأي العام عبر الإعلام والفضائيات حول قضايا كانت حكراً على فئة قليلة. وهذا مفيد على مستوى الأفق العام.‏

علينا قول الحقيقة بلغة واضحة مهما كان الثمن. المداهنة واللغة المراوغة خطر على الأفق الثقافي دون أن يعني ذلك استفزاز الرأي العام لكن المراوغة في قول الحقيقة هي خيانة للفكر ومع حرصنا على احترام الرأي العام فإننا أيضاً نحترم صدق الفكر.‏

حرية الفكر لا تتجزأ، ليست لطرف دون آخر فأين هؤلاء الذين يزعمون امتلاك الحقيقة من قوله تعالى: (وعباد الرحمن يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما( هلاّ مشينا على الأرض هوناً وكففنا عن هذا الكبر فما أحوجنا إلى بعض التواضع وأن نتمثل قول من سبقونا: "رأيي خطأ يحتمل الصواب ورأيك صواب يحتمل الخطأ".‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244