|
||||||
| فهرس العدد | صفحة جريدة الاسبوع الادبي |
|
تصدعات الهوية وهزائمها قراءة في جدل الهوية والعولمة: ـــ د.علي وطفة توجد بين مفهومي الهوية والعولمة وشائج علاقات جدلية فريدة من نوعها في طبيعة العلاقة بين المفاهيم والأشياء. إنهما مفهومان متجاذبان متقاطبان متكاملان في الآن الواحد. وفي دائرة هذا التجاذب والتقاطب، يأخذ مفهوم الهوية على الغالب دور الطريدة بينما يأخذ مفهوم العولمة دور الصياد. فالعولمة تطارد الهوية وتلاحقها وتحاصرها وتجهز عليها ثم تغتذي بها، وفي دائرة هذه المطاردة تعاند الهوية أسباب الذوبان والفناء وتشدّ في طلب الأمن والأمان، وتتشبث بالوجود والديمومة والاستمرار. وفي حقل المقابلة بين معاني المفهومين تتضح طبيعة الصراع والتناقض، فالعولمة تعني ذوبان الخصوصية والانتقال من الخاص إلى العام، ومن الجزئي إلى الكلي، ومن المحدود إلى الشامل، ومن المتعّين إلى اللا متعين. وعلى خلاف ذلك، يأخذ مفهوم الهوية اتجاهاً متقاطباً كلياً مع مفهوم الشمولية والعمومية، فالهوية انتقال من العام إلى الخاص، ومن الشامل إلى المحدود، ومن اللا متعّين إلى المتعين. فمفهوم الهوية يبحث عن التمايز والتباين والمجسد والمشخص والمتفرّد والمعيّن، أما العولمة فهي بحث لا ينقطع عن العام والشامل والمجرد والمتجانس واللا محدود. لقد طرحت قضية العلاقة بين مفهوم الهوية والعولمة نفسها واحدة من أهم القضايا وأكثرها صعوبة وتعقيداً وأشدها حضوراً في عمق الجدل الدائر حول العولمة ذاتها في العقود الأخيرة من الزمن. إن السؤال المركزي الذي يطرح نفسه في سياق هذه العلاقة هو: هل تؤدي العولمة إلى ذوبان الهوية القومية وتهميش الثقافات الوطنية؟... وهل تؤدي أيضاً إلى تفتيت وتدمير الثقافات الوطنية تحت تأثير هويات جديدة متنافرة غالباً ماتكون هويات عرقية وطائفية ودينية؟ هل تعمل العولمة على توحيد العالم أم على تجزئته وتدميره ثقافياً؟ هل تعمل على تفتيت العالم والتهامه مجدداً؟... هل تسعى العولمة إلى بناء ثقافة إنسانية واحدة أم أنها تدعو إلى تعدد ثقافي وتنوع قومي؟ وإذا كان هذا صحيحاً فهل تعمل حقاً على تحقيق مبدأ التكافؤ بين الهويات الثقافية والقومية المختلفة؟... هل تعني العولمة حالة تجانس ثقافي يجسد مقولة نهاية التاريخ كما يقول فوكويوما؟ أم أنها حالة من الصراع بين حضارات متباينة كما يذهب صمويل هنتنغتون؟.. يذهب أغلب المفكرين والباحثين إلى الاعتقاد بأن العولمة فعل يقلص امتداد الكون في هوية واحدة متجانسة ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً. فالعولمة وفقاً لهذا المنظور تعمل على بناء ثقافة واحدة وتسعى إلى تذويب الحدود والحواجز الثقافية والفكرية والاقتصادية بين الأمم، إنها سعي لبناء المجتمع الإنساني على مقياس الثقافة الواحدة والحياة الاقتصادية الواحدة، وبالتالي فإن ثقافة العولمة هي ثقافة الشركات العابرة للجنسية والقوميات والثقافات. ويمثل هذا الاتجاه بجدارة الطيب التيزيني الذي يعرف العولمة: "بأنها نظام اقتصادي سياسي اجتماعي وثقافي يسعى إلى ابتلاع الأشياء والبشر في سبيل تمثلهم وهضمهم وإخراجهم سلعاً"(1) . وهذا يعني أن هذا النظام يعمل باتجاه تفكيك الهويات والمؤسسات بهدف التمكين لهوية واحدة هي هوية "السلعة ...) كي يتسنى له الهيمنة غير المشروطة على العالم من خلال هوية سوقية سلعية كونية عالمية"(2) . ففي دائرة العلاقة بين الغرب والعرب يميز التيزيني بين الغرب المتقدم العملاق وبين الواقع العربي المتخلف والتابع. ويتبين أن العلاقة بين العالمين هي علاقة غير متكافئة تسمح باختراق العالم الأول للعالم الثاني اختراقاً يتسع باستمرار مع تعاظم قوة الغرب وتضاؤل قوة العرب. وفي إطار هذه العلاقة يتحول الطرف العربي إلى واقع مستباح بحيث يقوم الطرف الأول الذي هو الغرب بتفكيك معالم الطرف الثاني العربي وإعادة بنائها وفقاً لمقتضيات السوق(3) . فالحضارة الغربية بامتدادها العولمي الجديد تهتدي بروح القوة، وهي الروح الفاوستية التي ترى بأن الوطن، هو أي مكان في الأرض، يمكن السيطرة عليه، بمنطق القوة والحرب. فالحياة وفقاً لهذا العرف تجري وفقاً لمبدأ الصراع والنزال من أجل السيطرة والسيادة. وهذا يعني أن الروح الغربية الفاوستية تتجسد في معاني الغلبة والصراع والتحدي والانتصار والقوة. وتلك هي الروح التي حدَت بفلاسفة الغرب الفاوستيين أمثال هيجل ونيتشه واشبلنجر وفيخته إلى تمجيد القوة وروح الحرب والانتصار، وهي التي دفعت اشبنجلر إلى الاعتقاد بأن الحرب هي الخالقة لكل ماهو عظيم وأن كل ماله معنى في الحياة قد ولد ونشأ عن النصر والهزيمة. وهذه الحضارة تسعى إلى هدم الحضارات القائمة وتذويب الخصوصيات الثقافية في سبيل بناء ثقافة غربية واحدة تكون لها السيادة والسطوة والهيمنة. لقد ساهمت عوامل متعددة في الوصول إلى كونية الثقافة، أبرزها، السيطرة الاستعمارية القومية، والثورة الصناعية وما رافقتها من انفجار معرفي في جميع المجالات، في مجال إنتاج وتصدير الكمبيوتر، في ثورة الإعلام والاتصالات اللاسلكية، في غزو الفضاء. فالعولمة في هذا المنظور تطرح نفسها ثقافة عابرة للقوميات والجنسيات تسعى إلى تدمير التقاليد والعادات الموروثة في المجتمعات التقليدية(4) . وعلى هذا الأساس يمكن أن نقول مع القائلين: "لقد غزت ثقافة العولمة جميع المجتمعات البشرية وبدرجات متفاوتة حتى النخاع الشوكي(5) . والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: ما الهوية التي تعد بها العولمة وماهو وجه الاختلاف بين الهويات القومية والهوية تلك المفروضة؟ إنها بالتأكيد هوية استهلاكية مسطحة لا عمق فيها، ولا معنى تفرضها ثقافة السلعة والتسويق والربح. إنها هذا الصنف من الثقافة الذي يوحد شباب العالم في نمط استهلاك مجنون مبتذل إنها ثقافة استهلاك تتمثل في "الهامبورجر" والأزياء، والمأكولات، و"البيتزا"، والمياه الغازية، والأفلام السينمائية، وأغاني "مادونا"، و"مايكل جاكسون"، وملابس الجينز، وماركات "كلفن كلاين"، و"بينيتون"، و"التيتانك"، وحرب النجوم(6) . يميز كثير من الباحثين في ثقافة العولمة بين جانبين أساسيين في بنيتها فهناك الثقافة الرفيعة التي تتصل بالآداب والفنون والعلوم، وهناك الجوانب الاستهلاكية التي تتصل بإشباع الحاجات الأولية البدائية. ومن هذه الزاوية ترتفع أصوات المفكرين في التمييز بين نسقين في بنية الثقافة القادمة. إن الخطر الذي يواجه الثقافة الوطنية ويهدد وجودها، يتمثل في العناصر الثقافية التي تمسخ عقول الشباب فتدفعهم إلى تمثل عادات ممسوخة وقيم سلبية مستلبة. تلك هي الثقافة العولمية المشبوهة اللا إنسانية التي تختزل الكون في ثقافة الفوضى والجنس والتسلط والاستهلاك، تلك هي الثقافة العولمية التي "تحاول أن تغزونا بإمكانيات تقنية ضخمة لا قبل لنا بمواجهتها أو مقاومتها من تلفاز وسينما ومؤسسات إعلامية عالمية وأقمار صناعية(7) . إن كثيراً من الباحثين العرب يميزون بين العالمية والعولمة. فالعالمية كما يراها الجابري تعني التخاصب والتفاعل بين الثقافات الإنسانية وهو تفاعل وتخاصب يعتمد مبدأ التوازن والتكامل والتكافؤ ويهدف إلى إغناء التجربة الثقافية الإنسانية وتأصيل قيمها الإنسانية. أما العولمة فهي ثقافة تفرض على وخز الأسنة والرماح، وتسعى إلى التذويب والقهر وإفناء القيم الأصيلة لصالح القيم الاستهلاكية المبتذلة. فالتفاعل بين الثقافة العالمية لا العولمية) والثقافات القومية والوطنية ضرورة تربوية إنسانية تؤكدها المؤتمرات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وثقافته وتربيته ومصيره الحضاري. "إن تفاعل هاتين الثقافتين بشكل صحي وتكاملهما يغني ثقافة الإنسان ويعمل على تحقيق ازدهار شخصيته ويزيد من إبداعه وارتباطه بالعالمي والكوني"(8) . إن الخطر الأكبر في عملية العولمة أنها تفرض من الخارج، فهي ليست نتاجاً لتفاعلات بين الحضارات والمذاهب المتباينة على مستوى العالم ككل، وذلكم هو الأمر الذي يكشف بشكل أو بآخر، إن العولمة مرحلة معاصرة من مراحل الرأسمالية، أو كما يصفها منظرو ما بعد الحداثة بأنها مرحلة متأخرة من مراحل الحداثة في ظل ليبرالية جديدة أشار إليها البعض بأنها تمثل نهاية التاريخ. أو كما أشار إليها آخرون بأنها هجمة معاصرة للرأسمالية تستهدف تنميط العالم بالشكل الذي يخدم مصالح القوى الرأسمالية العالمية المسيطرة، وبالذات الشركات متعددة الجنسيات(9) . ومن هذا المنطلق تشتد نزعة المعارضة والمقاومة لثقافة العولمة التي تحاول أن تعمم نموذجها الحضاري وتفرضه على العالم بكل الوسائل الممكنة. صراع الحضارات: يشتدّ اليوم الاتجاه الفكري تحاول الذي يتزعمه صمويل هانتغتون صاحب مقولة صراع الحضارات في مواجهة مقولة فوكويوما حول نهاية الحضارات. ويرى سدنة هذا الاتجاه أن العولمة تعمل ـ وعلى خلاف ماهو متوقع منها ومنتظر ـ على إيقاظ التنوع الثقافي في العالم وليس على توحيده أو تحقيق تجانسه، كما هو سائد في الأوساط الثقافية. فالعولمة كما يدعي هانتغتون، في كتابه صدام الحضارات، ستؤدي، ليس إلى التنوع فحسب، بل إلى الصراع بين الحضارات على نطاق كوني. وفي هذا السياق يوزع هانتغتون هذه الحضارات على النحو التالي: *ـ الحضارة الأنجلو سكسونية تشمل دول أوربا الغربية وأمريكا وكندا، وهي تقود العالم حالياً. *ـ الحضارة البوذية والكونفوشيوسية والهندوسية: تشمل جنوب شرق آسيا. *ـ الحضارة السلوفاكية والأرثوذكسية: تشمل معظم دول أوربا الشرقية والبلقان وروسيا. *ـ الحضارة الإسلامية: الدول العربية وإيران وباكستان وماليزيا وإندونيسيا، وبعض دول أفريقيا. *ـ الحضارة الكاثوليكية: تشمل جنوب أوربا ومعظم دول أمريكا اللاتينية. *ـ الحضارة الزنجية: معظم دول أفريقيا(10) . فالعولمة الثقافية ترسخ انقسام العالم إلى مناطق حضارية متنافرة مغلقة متصادمة. فبعد انتهاء الحرب الباردة، وانتهاء الصراع بين قطبي الصراع العالمي، تنامت ملامح الانقسام الحضاري والثقافي فأصبح أكثر وضوحاً. كما أنه ازداد خلال التسعينات عن احتمال صراع حضاري خلال المستقبل القريب، خاصة في نقاط التقاء المناطق الحضارية الكبرى(11) . إن تنامي الصراعات العرقية والقومية والدينية يؤكد اليوم على أن العالم لا ينطلق نحو التجانس كما هو سائد في مخيّلة المثقفين. وبالتالي فإن هذا التجانس أو هذه الوحدة الثقافية المزعومة تتحقق مادامت هناك خيارات إنسانية متنوعة وممكنة. وفي هذا الاتجاه يؤكد صمويل هنتنجتون في مقالة حديثة له بعنوان "الغرب متفرد وليس عالمياً"، أنه لا يمكن دمج شعوب العالم في النسيج الحضاري للغرب، مهما بلغت درجة استهلاك هذه الشعوب للمنتوجات الأمريكية، ومهما بالغت في تمثل عاداته السلوكية. فروح الحضارة تتأصل في العقلية واللغة والدين وهي الحصون الأساسية لأية ثقافة أصيلة. فالعولمة تؤدي ـ وعلى خلاف ما هو منتظر منها ـ إلى مزيد من تمسك الشعوب المغلوبة على أمرها حضارياً بثقافاتها الأصلية وقد حان للغرب أن يتخلى عن وهم الثقافة الواحدة التي تبشر بها العولمة(12) . وعلى الرغم من أن الحداثة الغربية قد تمكنت من اختراق الثقافات الأخرى على مدى قرن كامل إلا أن هذا الاختراق لم يكن كاملاً مما سمح بنمو مساحات من الثقافات المحلية للشعوب، بما فيها ثقافات الشعوب الإسلامية(13) . يجد اتجاه التنوع صداه في أوساط فكرية واسعة اليوم. فالعالم على حدَّ تعبير يسين "يزداد تشرذماً بازدياد وتائر توحيده"(14) . فكلما ازدادت وتائر العولمة الاقتصادية تشرذمت الأنظمة السياسية وظهرت النزاعات القومية والعرقية والطائفية كرد فعل موضوعي لهذه العولمة. وتأخذ هذه النزاعات والصراعات مظاهر بالغة التطرف تحت غطاء الدفاع عن الانتماء سواء كان وطنياً أم قومياً أم دينياً(15) . إن الثقافة التي تَعِد بها العولمة لا يمكنها أبداً أن تذوِّب أنماط التنوع الثقافي أو الخصوصيات الثقافية. إن هيمنة بعض أنماط السلوك الغربية أو العولمية لا يتجاوز حدود المظاهر الثقافية ولا تتعدى القشور الخارجية للثقافة. فمظاهر السلوك الخارجية مثل التدخين والعادات الثقافية لا يعني جوهر الثقافة ومضمونها الحقيقي. فالفتاة المحجّبة التي تدخن السجائر الأمريكية وترتدي "الجينز" وترتاد السينما وتضع المساحيق لا يعني أنها قد انتزعت نفسها كلياً من دائرة ثقافتها الحقيقية. فالمضمون الحقيقي للثقافة يتجاوز حدود المظاهر التي قد تكون خادعة أو استعراضية إلى حد كبير. فالثقافة الحقيقية تكمن في العمق الذهني وفي نسق التصورات الأولية التي تضرب نفسها في مختلف أنساق الوعي وفي مختلف طبقاته وأعماق. فنحن مثلاً نرتدي الزي الغربي ونأكل الهمبرغر ونرتاد المسرح والسينما، ولكن شتان ثم شتان بين العقلية التي تحركنا وهذه التي نجدها عند الغربيين. فمن حيث الشكل قد لا نختلف كثيراً، ولكن الاختلاف الجوهري غالباً ما يكون في الأعماق، في داخل منظومات التفكير والمعتقدات. وبعبارة أخرى يمكن للعولمة الزاحفة أن تروضنا على أنماط سلوكية محددة تتعلق بالملبس والمشرب وأنماط السلوك. ولكن هذه العولمة لا تستطيع بسهولة أن تجوب أعماقنا الداخلية بتركيباتنا الذهنية والعقلية، التي ترسخت مع الأيام والزمن، وأصبحت قوة حقيقية ضاربة في الأعماق، لا تهزها الصدمات الحضارية، ولا تسقطها عاديات الزمن. وعندما يتعلق الأمر بانتشار بعض القيم الفكرية فإن انتشار قيم حقوق الإنسان الديمقراطية يعود في الأصل إلى ما تنطوي عليه هذه القيم من أبعاد إنسانية خلاقة ينشدها الإنسان بطبيعته لأن الإنسان منذ الأزل ميال إلى الحرية عاشق لها مناضل من أجل العدالة والحق والخير والجمال. العولمة لا تهدد الهوية الثقافية بالفناء أو التذويب كما يذهب بعض المفكرين والباحثين، بل تعمل على إعادة تشكيل هذه الهويات على منوال احتياجات النظام العالمي الجديد. وهذا يعني أن الغرب لا يسعى أبداً إلى تحقيق التجانس الثقافي أو الوحدة الثقافية بين الشعوب والأمم. فالغرب في مرحلة العولمة كما تبين النظريات الفكرية يسعى إلى تدمير الهويات المثمرة وابتعاث هويات أخرى طائفية وإثنية وإقليمية تساعده في السيطرة على العالم وتسويقه. وباختصار إنه يسعى إلى تشويه الهويات الثقافية وبناء منظومة ثقافية استهلاكية واحدة تعطي لدورة الاقتصاد العالمي الجديد اندفاعاته التاريخية التي يبحث عنها. اضطرابات الهوية: تلحق العولمة بما تنطوي عليه من تنظيمات إعلامية وسيكولوجية، ومن أدوات تكنولوجية وقدرات معلوماتية، صدمة كبيرة للبنى السيكولوجية للفرد والجماعة والمجتمع وتضع الإنسان في حالة اغتراب شاملة. فالعولمة: "تفيلق الفرد وتنظمه في طرازات ذوقية واستهلاكية"، وتروضه على منوال نمط واحد وبعد وحيد الاتجاه. وهي تتوغل بمؤثراتها الإعلامية إلى أعماق النفس الإنسانية. إنها تحاصر هذه الأعماق وتغرس فيها صنمية السلعة والربح واللذة. وبعبارة أخرى، إنها تقتحم تلك المناطق من الخيال والنفس التي اعتبرت: "دائماً منذ الفلسفة الكلاسيكية الألمانية معقلاً أخيراً يستحيل اختراقه على المنطق الأداتي لرأس المال"(16) . إنها تداهم الأعماق بالصور والألوان وذبذبات الخيال، وتقتحم معاقل العقل الباطن للإنسان بطاقة الكلمات والرموز والإيحاءات والصور، إنها تدمر الأعماق وتجتث الثوابت السيكولوجية وتحدث الفوضى، وهي في ذلك كله تسعى إلى تشكيل الإنسان من الداخل على صورة غول استهلاكي يلتهم ولا يشبع. إنها تنمي في الإنسان الأبعاد الحسية وتضخمها، وتعيد الإنسان إلى أكثر مظاهر وجوده بدائية ونزوية. ذلك هو الوضع الذي يصفه الكاتب الفرنسي مارك أوجيه بأنه: "غزو يشنه نمط جديد من الخيال، يعصف بالحياة الاجتماعية ويصيبها بالعدوى ويخترقها إلى حد يجعلنا نشك فيها، في واقعها، وفي معناها، وفي المقولات الخاصة، بالذات والآخر التي تتولى تكوينها وتعريفها"(17) . ويعبر حجازي عن هذا الاجتياح السيكولوجي للأعماق بقوله: "يُقلّص الإنسان إلى بعده اللذوي الاستهلاكي في ثقافة اقتصاد السوق، فتنحصر قيمته وتميزه بما يستهلك، ويقوم الإعلان بتعطيل الميل العقلاني والحس النقدي، فتتخلق هويات جديدة مقطوعة الصلة بواقعها وتاريخها ومرجعياتها الثقافية الوطنية وتتمركز حول "النحن الاستهلاكية"، التي تبتكر نجومها وقيمها المتصلة بالربح والنجاح باعتبارهما البوابتين الرمزيتين لامتلاك روح العصر والانتماء إليه"(18) . لقد تحولت الثقافة الاستهلاكية للنظام العالمي الجديد إلى أداة قادرة على تشويه التكوينات التقليدية للإنسان ودفعه إلى دائرة التغريب والاستلاب. فالعولمة بإغراءاتها ومفاتنها وإثاراتها عملت وتعمل على تحطيم قدرات الإنسان في المجتمعات التقليدية وتحويله إلى إنسان البعد الواحد وفقاً لتعبير ماركوز. في عصر العولمة الزاحفة، وفي زمن الامبراطوريات السمعية والبصرية تلعب "تكنولوجيا الإثارة والتشويق"، دوراً مذهلاً في اختراق الأعماق لترويج الخطاب الإيديولوجي للمجتمع الرأسمالي وأهدافه الاستهلاكية، ومن ثم تعمل هذه التكنولوجيا على "وأد حاسة النقد لدى المتلقي الذي يجد نفسه في نهاية المطاف قابلاً لتقبل جميع القيم والمواقف السلوكية دون اعتراض عقلي أو ممانعة نفسية في وضعية شديدة الشبه بوضع السم في الدسم"(19) . لقد أدت التكنولوجيا المتطورة التي استجلبت من الغرب، كما يقول مصطفى النشار، إلى مزيد من الاضطرابات في الذهنية العربية العامة، وخصوصاً في أوساط الفئات الوسطى؛ وتجلى هذا الاضطراب بنشوء نمط جديد من الشخصية الإنسانية تتحدد ملامحه الأساسية في أنه هجين، والهجانة هذه تقوم على غياب وحدة الشخصية المعنية، ويتمثل هذا في العجز عن امتلاك تلك التكنولوجيا بعمق وعن وضعها في سياق اجتماعي وسيكولوجي متماسك(20) . وفي هذا المدى، يرى طيب تيزيني: "أن تحول المجتمعات العربية إلى مجتمعات استهلاكية قد أدى إلى قلق واضطراب في شخصية الإنسان العربي. ويرى أن هذا الاضطراب يعود إلى ثنائية التناقض بين الإعجاب الشديد بهذه المنتوجات الغربية دون معرفة أسرار إنتاجها وتشغيلها وبين ضرورة إدراك طبيعة هذا الإنتاج المتفوق(21) . "إن نقل التكنولوجيا إلى الدول النامية ليس هو الهدف النهائي، ولكن الأكثر أهمية هو خلق عقلية ورؤية جديدة للواقع والعالم وإعادة بناء البشر على نحو يتناسب مع مصالح القوى الاقتصادية والشركات المتعددة الجنسيات"(22) . فنحن في فضاء العولمة تغمرنا بيئة معلوماتية تبهرنا بالضوء وتمطرنا بومضات الصور التي تقرع حواسنا وتهز مشاعرنا، وما أن نستوعب هذه الإشارات على حدّ تعبير هشام جعيط "حتى نحولها من خلال عمليات لا تزال سراً غامضاً إلى رموز للحقيقة، إلى انطباعات مصورة(23) ." يحدث سوء التوافق في الشخصية كرد فعل للفشل المؤقت في محاولة للتكيف مع ما يحيط بالمرء من طرائق جديدة وقيم جديدة"(24) . "وعندما يحدث ذلك يعاني المرء كما يقول لوندستد: "إحساساً ذاتياً بالضياع وشعوراً بالعزلة والوحدة...)، وعندها يتحرق شوقاً إلى بيئة يكون فيها إشباع حاجاته المادية والنفسية متوقعاً وأكثر وثوقاً"، ويتابع لوندستد ثم بعد ذلك يصبح قلقاً ومضطرباً وتغلب عليه مظاهر البلادة"(25) . إننا نستطيع أن نلمح في تحليل لوندستد هذا صورة واقعية لطبيعة الانهيارات النفسية التي يعانيها أفراد المجتمع في سياق مواجهة التموجات الثقافية القيمية التي لا تتميز بالجدة فحسب بل تعارض منظومة القيم السائدة وتسعى إلى هدمها في آن واحد. وغني عن البيان أن هذه الاجتياحات القيمية الجديدة تؤدي بالتوازن السيكولوجي والثقافي عند الأجيال الجديدة وتجعلها في حالة ذهان ثقافي خطرة. فالتغيرات الاجتماعية والثقافية المتسارعة تجعل الإنسان يعيش صدمة ثقافية قيمية بالغة الخطورة والأهمية. إننا في مواجهة قيم جديدة تتعلق بغزو الفضاء والأقمار الصناعية وثورات الحاسبات وذلك كله يعرض الشخصية لموجة متضاربة من القيم تؤدي إلى اضطراب في الشخصية وإلى انفصام اجتماعي. فالعولمة بما تفيض به من تقدم تقني وتكنولوجية هائلة ولدت في ذواتنا شعوراً بالنقص تجاه كل ماهو غربي وماهو عالمي أيضاً. ونتيجة لهذا الإحساس العميق بالنقص والتبعية والدونية فإننا "نتخذ في حياتنا اليومية أنماط ونماذج للعمل والتفكر والسلوك نستمدها من الغرب دون تفحص أو تقييم ونقبلها بلا سؤال لمجرد أنها أوروبية أو أمريكية المصدر"(26) . حتى أصبحنا ننظر إلى أنفسنا وإلى مجتمعنا وإلى تاريخنا من خلال نظرة الغربي إلينا، فكأن همنا الأول ـ عن وعي أو عن غير وعي ـ أن نحظى برضاء الغربي وبإعجابه(27) . ويتجلى هذا الشعور بالنقص بصيغ مختلفة تتجلى في بعض منها في هذه المحاولات التي يبذلها كتابنا منذ بداية هذا القرن في تعظيم الماضي والتاريخ والتراث العربي وتأكيد تأثيره في الحضارة الأوروبية وتطورها. إننا "في تفاخرنا على الغرب وتبجحنا بعطائنا الحضاري له إنما نؤكد رغبتنا الخفية في أن نكون مثله لنحظى بقبوله وإعجابه. وهذا الشعور بالنقص هو الذي يدفعنا أيضاً في الاتجاه المعاكس، أي إلى الطعن في كل ماهو غربي، وإلى التعلق الأعمى بالتراث والتقاليد(28) . لقد ساعدت العولمة على تهديد وعلى طمس هويات الشعوب الثقافية، وعملت على تدمير معطياتها القيمية وتعطيل حركة تطورها ونمائها عن طريق إيجاد حالات من الصراع الداخلية في عمق هذه الثقافات وتعطيلها. لقد أيقظت هذه العولمة الثقافية في داخل الثقافة العربية إشكالية الثنائيات التي تأخذ آلية فكرية تهدف إلى إضعاف الثقافة وإنهاكها في دائرة مفرغة من الصراعات الداخلية. فالثقافة العربية مثلاً تعاني من داء الثنائيات والصراعات الداخلية تحت غطاء هذه الثنائيات التي تتمثل في مقولات: الحداثة والتقليد، الأصالة والمعاصرة، التجديد والتقليد. وفي ظل هذه النزعات الفكرية الثنائية، تشهد هذه الثقافة ازدواجية نتيجة احتكاكها مع الثقافة الغربية بتقنياتها وعلومها وقيمها الحضارية، والنتيجة استمرار إعادة متواصلة ومتعاظمة للازدواجية نفسها، ازدواجية التقليدي والعصري، وازدواجية الأصالة والمعاصرة، في الثقافة والفكر والسلوك"(29) . لقد أصبح واضحاً أن الاختراق الثقافي للعولمة يعمل على تهديد منظومة القيم الأصيلة ويشكل نوعاً من الازدواجية الثقافية التي تجتمع فيها تناقضات الأصالة والمعاصرة مما يؤدي إلى تهميش أو تغيير ملامح الثقافة الوطنية(30) . لقد أصبحت مظاهر الاغتراب والفردية والمادية والاستهلاك الترفي هي سمات سائدة في مجتمعاتنا العربية حيث "تحولت الثقافة العربية إلى ثقافة من نوع جديد، حتى أصبح كل شيء الآن يمكن أن يباع ويشترى "حتى روح الإنسان نفسه تخضع لقانون العرض والطلب"(31) . إن العولمة في نهاية تؤدي إلى عملية غسيل حقيقية للأدمغة؟ كما أشار "مارتن وولف" لأن الإنسان في دوامة هذه المعطيات العولمية يقع أسير أفكار قاهرة ويصبح طريد عالم غريب يشعره بالغربة والانسلاخ، أو العداء والعدوانية على كل هذا الصخب العالمي الوافد(32) . وباختصار الهوية العربية تعاني حصاراً وجودياً يتصف بطابع العمق والشمول، وهو حصار تفرضه معطيات الحداثة الجديدة لعولمة تبتلع الناس والأشياء. إنها عولمة مجحفة جارفة تقود المجتمعات الإنسانية إلى عالم يزدهر فيه كل شيء على حساب المعاني والقيم الإنسانية النبيلة إنه العالم الذي يربح فيه الإنسان كل شيء ولكنه يخسر نفسه. وفي مواجهة هذا الامتداد الأسطوري لمعطيات هذه العولمة المادية والأسطورية، التي تسحق الإنسان بالأشياء يتوجب على هذه المجتمعات أن تدق ناقوس الخطر وأن تعمل على بناء استراتيجيات إنسانية يمكنها أن تحافظ على بقية باقية من تكوينات الإنسان الأخلاقية ومعانيه السامية، إنها في النهاية معركة الإنسان من أجل المحافظة على الحدود الدنيا لمعانيه الإنسانية التي تتجسد في هويته وخصوصيته وثقافته. (1) ـ الطيب التيزيني، الواقع العربي والألفية الثالثة، ضمن: ندوة حوارات في الفكر، الواقع العربي وتحديات الألفية الثالثة، مراجعة وتدقيق ناصيف نصار، مؤسسة عبد الحميد شومان، العدد3، عمان، 2001، ص 17-42، ص21. (2) ـ الطيب التيزيني، الواقع العربي والألفية الثالثة، المرجع السابق، ص 21. (3) ـ الطيب التيزيني، الواقع العربي والألفية الثالثة، المرجع السابق، ص 20. (4) ـ مسعود ضاهر، خصوصية الثقافة في مواجهة الثقافة الكونية، العربي العدد 438، مايو 1995، ص ص 58-62)، ص60. (5) ـ مسعود ضاهر، خصوصية الثقافة في مواجهة الثقافة الكونية، ص 60. (6) ـ عبد الخالق عبد الله، عبد الخالق عبد الله، العولمة جذورها وفروعها وكيفية التعامل معها، عالم الفكر، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ديسمبر 1999، ص ص 79 ـ 80. (7) ـ فؤاد زكريا ، خطاب إلى العقل العربي، العربي، الكتاب السابع عشر، الكويت 1987، ص 40. (8) ـ علي الحوات، التنشئة الاجتماعية بين خصوصية الثقافة وعالميتها، فكر ونقد، عدد12، السنة الثانية، أكتوبر، 1998، ص ص 65-72)، ص 72. (9) ـ أحمد مجدي حجازي، العولمة وتهميش الثقافة الوطنية، مجلة عالم الفكر، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ديسمبر 1999، ص 139. (10) - S. Huntington, "Clash of Civilizations, London: Touchstone. Books. 1996. (11) ـ جلال أمين، العولمة والهوية الثقافية، مجلة المستقبل العربي، العدد 234، أغسطس، 1998، ص 60. (12) ـ عبد العزيز التويجري، أثر العولمة الثقافية على هوية الشعوب وتربية الأجيال، العدد 35، أغسطس ـ سبتمبر/آب ـ أيلول، 2000، ص ص 18 ـ 20)، ص 20. (13) ـ لؤي صافي، العولمة والمشروع الحضاري الإسلامي: الفرص والتحديات، الكلمة، العدد 28، السنة 7، صيف 2000، ص ص 37 ـ 45، ص 44. (14) ـ سيد يس، أوراق ثقافية، جريدة الأهرام، القاهرة في 14/8/1995م، صفحة 19. (15) ـ سيد يس، أوراق ثقافية، جريدة الأهرام، المرجع السابق، ص 19. (16) ـ محمد جمال باروت، الدولة والنهضة والحداثة، مراجعات نقدية، دار الحوار، اللاذقية، ط1، 2000، ص129. (17) ـ عن: كريم أبو حلاوة، الآثار الثقافية للعولمة حظوظ الخصوصيات الثقافية في بناء عولمة بديلة، عالم الفكر، العدد الثالث، المجلد 29، يناير/مارس 2001، ص ص 171-202)، ص 184. (18) ـ مصطفى حجازي، حصار الثقافة بين القنوات الفضائية، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، 1998، ص 157. (19) ـ عبد الإله بلقزيز، في البدء كانت الثقافة، دار إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، 1998، ص 121. (20) ـ مصطفى النشار، العقلية العربية بين إنتاج العلم واستبداد الثقافة، المستقبل العربي، عدد 200، تشرين أول /أكتوبر، 1995، ص ص 116-137، ص 124. (21) ـ طيب تيزيني، السجال الفكري الراهن، بيروت، دار الفكر الجديد، 1989، ص 90. (22) ـ خلاف خلف الشاذلي، المجتمع العربي بين مخاطر العولمة الثقافية وتحديات ثقافة العولمة، شؤون عربية، العدد 107، سبتمبر/أيلول، 2001، ص ص 86-106، ص 99. (23) ـ هشام جعيط، الشخصية العربية الإسلامية، دار الطليعة، بيروت، 1990، ص 169. (24) ـ آفلين توفلر، صدمة المستقبل: المتغيرات في عالم الغد، ترجمة: محمد علي ناصيف، نهضة مصر، القاهرة، 1990، ص 365. (25) ـ آفلين توفلر، صدمة المستقبل: المتغيرات في عالم الغد، المرجع السابق، ص 366. (26) ـ هشام شرابي، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، دار الطليعة، بيروت، 1991، ص 93. (27) ـ هشام شرابي، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، المرجع السابق، ص93. (28) ـ هشام شرابي، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، المرجع السابق، ص 93 ـ 94. (29) ـ راجع: محمد عابد الجابري، العرب والعولمة: العولمة والهوية الثقافية، تقييم نقدي لممارسة العولمة في المجال الثقافي في مجموعة بحوث: العرب والعولمة، الندوة الفكرية تحرير أسامة الخولي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ديسمبر 1998، ص 297. (30) ـ علي وطفة، "الثقافة وأزمة القيم في الوطن العربي"، المستقبل العربي، بيروت: معهد دراسات الوحدة العربية، العدد 2012، فبراير 1995/ ص 35 ـ 66. (31) ـ جلال أمين، ماذا حدث للمصريين؟.. تطور المجتمع المصري في نصف قرن 1945ـ 1995، القاهرة: دار الهلال، 1998، ص 283. (32) ـ عبد الخالق عبد الله، "العولمة جذورها"، مرجع سابق، ص 89. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الأعضاء | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجَلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |